د. محمود أبو الرب: ينبغي إعادة هيكلة سوق الكهرباء بما يتناسب مع تغيراته البنيوية وكذلك الارتقاء بالشركات لتقدم خدمات شبكية بما يتوافق مع التحول العالمي بقطاع الطاقة
مسيف مسيف: هناك 2700 طلب لأنظمة الطاقة الشمسية هذا العام بزيادة ملحوظة لكن بقاء الرسوم المرتفعة سيؤدي إلى توقف هذه الطلبات خلال أشهر قليلة
إياد الرياحي: الاعتماد المطلق على الكهرباء المستوردة من إسرائيل يفترض أن يدفع صانعي القرار إلى تشجيع المواطنين على التحول للطاقة البديلة
د. شادي حمد: تشجيع الطاقة البديلة يقلل من استهلاك الوقود والمحروقات ما يخفف من فاتورة "المقاصة" التي تذهب للاحتلال دون استرداد واضح
حسناء الرنتيسي: الخطوة كشفت "التناقض في السياسة العامة" فالحكومة تعلن خططاً لرفع حصة الطاقة المتجددة لكنها تتجه لفرض ضريبة على مصدر الطاقة
رام الله - خاص ب"القدس"-
في ظل الجدل المتصاعد حول نظام صافي الفوترة، برزت الأزمة كأحد أبرز مظاهر الخلل البنيوي في قطاع الطاقة الشمسية، حيث أدى غياب اللوائح التنفيذية الواضحة وسياسات التنظيم المتوازنة إلى اتخاذ الحكومة قراراً بتجميد النظام ودراسته.
ومع اتساع الاعتماد على الطاقة الشمسية باعتبارها خياراً استراتيجياً لتقليل التبعية للطاقة المستوردة من إسرائيل، برزت الحاجة الماسة لإصلاح سوق الكهرباء بشكل جذري، خاصة في ظل ارتفاع الرسوم المقترحة وتداعياتها على المستهلكين والقطاع الصناعي، مشددين على أن التحول للطاقة المتجددة يتطلب تعرفة عادلة وحوكمة واضحة تضمن توزيعاً منصفاً لتكاليف الشبكة، إلى جانب حماية المستثمرين والمستهلكين معاً.
ويؤكد الخبراء الاقتصاديون والمختصون أن أي نظام جديد يجب أن يتسم بالمرونة والدقة، وأن يسبق تطبيقه تجريب فعلي يضمن نجاحه واستدامة قطاع الطاقة في فلسطين.
تراكمات تنظيمية واقتصادية عميقة
يوضح الخبير الاقتصادي د.محمود أبو الرب أن الأزمة التي سبقت إقرار ثم تجميد نظام صافي الفوترة الخاص بالطاقة الشمسية في فلسطين ليست وليدة قرار منفصل، بل نتيجة تراكمات تنظيمية واقتصادية عميقة، أبرزها إصدار أنظمة بلا لوائح تنفيذية واضحة أو مؤشرات أداء قابلة للقياس.
ويشير إلى أن النظام الذي صدر أولاً ثم تراجعت الحكومة عنه تحت ضغط الاحتجاجات، ويعاني من فجوات نتج عن تطبيقه قرار تجميده، مما يتطلب لائحة تنفيذية تفسيرية ومؤشرات أداء قابلة للقياس وتجريبه قبل تطبيقه، ما خلق فراغاً تنظيمياً واسعاً يعرف اقتصادياً بـ "اقتصاد التنظيم"، حيث تغيب أدوات الضبط وتتصاعد تضاربات المصالح بين المستثمرين وشركات الكهرباء والحكومة.
ويشير أبو الرب إلى أن سوء فهم هيكل تكلفة الكهرباء ساهم في تأجيج الموقف؛ فالكهرباء ليست سلعة عادية، بل تعتمد على تكاليف ثابتة ضخمة تشمل الشبكات والصيانة والتشغيل، بينما تبقى التكاليف الهامشية للطاقة الشمسية منخفضة، وهذا يخلق تحدياً كبيراً عند انتشار الأنظمة المنزلية.
مخاطر عدم الإصلاح الشامل لسوق الكهرباء
ويلفت أبو الرب إلى أن توسع الطاقة الشمسية دون إصلاح شامل لسوق الكهرباء يؤدي إلى ما يسمى "دوامة الموت لشركات الكهرباء"؛ إذ يخرج كبار المستهلكين من الشبكة بالاعتماد على الطاقة الشمسية، ما يرفع العبء على صغار المستهلكين وعلى شركات التوزيع، ويهدد استدامة النظام الكهربائي ككل.
ويعتبر أبو الرب أن غياب تصميم تعرفة متوازنة، وغياب نموذج واضح لتقاسم القيمة بين الأطراف، خلق تشوهاً في الأسعار وأفقد المستهلكين والمستثمرين الثقة في النظام.
تحمل تكلفة الشبكة
ويشير أبو الرب إلى أن أحد الأسئلة الجوهرية التي يجب على النظام الإجابة عنها هو: من يتحمل تكلفة الشبكة عندما ينتج المواطن كهرباءه ذاتياً؟ فبينما يستخدم المواطن الشبكة لتخزين فائض الكهرباء أو لضخها، لا يوجد إطار واضح ينظم هذه العلاقة، وإذا لم تُوزع التكلفة بشكل عادل، تنهار العدالة الاقتصادية لمنظومة الطاقة، ويصبح التحول نحو الطاقة المتجددة غير مستدام، وهو ما حذّر منه البنك الدولي مراراً.
ويؤكد أبو الرب أن فلسطين قفزت سريعاً باتجاه الطاقة المتجددة دون إصلاح بنيوي لسوق الكهرباء، بينما يتطلب رفع حصة الطاقة الشمسية إلى 30% — كما تستهدف الحكومة — إصلاح نموذج السوق، وإرساء حوكمة تنظيمية صارمة، وإعادة النظر في دور شركات التوزيع.
ويصف أبو الرب ذلك بأنه "خطأ استراتيجي" نتج عن قرارات غير مكتملة، أدخلت تكنولوجيا جديدة داخل نظام اقتصادي قديم، ما أدى إلى تشوهات وفقدان ثقة وعودة الحكومة عن قراراتها.
ويشير أبو الرب إلى أن صناع القرار والمستثمرين يركزون على زيادة إنتاج الطاقة المتجددة دون معالجة سؤال جوهري: من يدفع تكلفة استمرار النظام الكهربائي؟ وما مصير شركات التوزيع في ظل تراجع الإيرادات إذا لم تُفرض رسوم عادلة لاستخدام الشبكة؟
إعادة تصميم التعرفة الكهربائية
ويشدد أبو الرب على ضرورة إعادة تصميم التعرفة الكهربائية بالكامل، قائلاً: "إن العالم يتجه نحو نماذج متعددة تشمل رسوم القدرة، والتعرفة حسب الاستهلاك الفعلي، والتعرفة الزمنية حسب أوقات الذروة".
ويعتبر أبو الرب أن العمل بنموذج "صافي الفوترة" بدلاً من "صافي القياس" خطوة جيدة، لكنها تحتاج إلى حوكمة صارمة لمنع تكرار الأزمات.
صندوق لتغطية خسائر شركات التوزيع
ويقترح أبو الرب إنشاء صندوق لتغطية خسائر شركات التوزيع مؤقتاً خلال مراحل انتقالية، على أن يُموَّل من رسوم محددة ومن دعم المؤسسات الدولية، نظراً لتهالك البنية التحتية الكهربائية وحاجتها الماسة لإعادة تأهيل.
ويدعو أبو الرب إلى إدخال مؤشرات أداء إلزامية تشمل نسبة الفاقد الفني، واستقرار الشبكة، وكفاءة التحصيل، ونسبة الطاقة المتجددة الفعّالة لا المركبة فقط.
ضرورة وجود لائحة تنفيذية واضحة
وفي ما يتعلق بالحلول، يشدد أبو الرب على ضرورة تجميد النظام الحالي جزئياً وإعادة صياغته بلائحة تنفيذية واضحة، مع إطلاق نموذج تجريبي قبل التوسع وتحديد مؤشرات قياس دقيقة "قيس قبل ما تغيص"، وليس العكس.
ويؤكد أبو الرب أنه ينبغي إعادة هيكلة سوق الكهرباء بما يتناسب مع تغيراته البنيوية، وكذلك الارتقاء بدور شركات الكهرباء ونظامها من بائع طاقة إلى "مشغل نظام" يقدم خدمات شبكية، بما يتوافق مع التحول العالمي في قطاع الطاقة.
لا جباية إلا بقانون
وفي مسألة الرسوم، يوضح أبو الرب أنه "لا جباية إلا بقانون"، وأن أي استخدام للشبكة يجب أن يقابله مقابل مالي، لأن الشركات تتحمل تكاليف ثابتة كبيرة.
ويشدد أبو الرب على أن المشكلة ليست في الرسوم نفسها، بل في غياب الوضوح والحوكمة والثقة بين المواطن والشركات والحكومة.
ويؤكد أبو الرب أن نجاح الانتقال من نسبة 8% وصلت لها الطاقة المتجددة في فلسطين إلى 30% يتطلب إصلاحاً مؤسسياً عميقاً، وثقافة ثقة بين الأطراف، ونظاماً واضحاً وعادلاً يوازن بين حقوق المواطن وحقوق الشركات واستدامة قطاع الكهرباء في فلسطين.
خلل بنيوي في العلاقة المتبادلة
يعتبر الباحث في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" مسيف مسيف أن الأزمة التي رافقت قرار الحكومة بتجميد نظام الطاقة الشمسية الجديد يتجاوز قضية رسوم أو تعرفة، ليكشف خللاً بنيوياً في العلاقة بين شركات التوزيع والبلديات من جهة، والمستهلكين والمستثمرين من جهة أخرى، في وقت يفترض أن تكون فيه الطاقة المتجددة الحل الاستراتيجي لتقليل تبعية فلسطين لإسرائيل.
وبحسب مسيف، فإن الطاقة، وبشكل خاص الكهرباء، تمثّل المؤشر الأوضح على مدى قدرة الفلسطينيين على الانفصال عن السوق الإسرائيلية، مؤكداً أن الخلايا الشمسية هي السبيل الأكثر واقعية واستراتيجية لتعزيز الاستقلال الطاقي وتشجيع الاستثمار المحلي. إلا أن الإشكالية -وفق مسيف- ليست في مبدأ التحول للطاقة المتجددة، بل في طريقة تنظيم القطاع، وكيفية توزيع الأعباء بين الأطراف، وغياب سياسة متوازنة تحفظ حق الشركات والمستهلكين في آن واحد.
ويوضح مسيف أن الأزمة الحالية تتموضع "بين مطرقة شركات التوزيع وسندان المستهلكين"، حيث إن الرسوم التي كان يفترض فرضها لا تذهب للحكومة كما يعتقد البعض، بل تدخل في إطار العلاقة الاقتصادية بين شركات الكهرباء والبلديات والمواطنين والمزارعين والصناعيين. ويلفت مسيف إلى أن الحكومة ليست طرفاً جابياً في هذا الملف، لكنها مسؤولة تنظيمياً عن تحقيق التوازن وضمان عدم انحياز المنظومة لطرف على حساب آخر.
ارتفاع الرسوم المقترحة
ويشير مسيف إلى أن الإشكال الأكبر يتعلق بارتفاع الرسوم المقترحة مقارنة بالظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطن الفلسطيني.
ويؤكد مسيف أن فرض رسوم عالية لا يتناسب مع قدرة المستهلكين ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج الصناعي، ما يعني ارتفاع أسعار السلع وتغذية موجة تضخم إضافية في السوق الفلسطينية، وهي موجة "لا يحتملها الوضع الاقتصادي الهش".
ويشير مسيف إلى أن تطبيق الرسوم بالشكل الذي طُرح يتعارض أيضاً مع جوهر قرار بقانون رقم (14) لعام 2015 الذي يدعو صراحة إلى "تشجيع وتطوير واستغلال مصادر الطاقة المتجددة"، فبدلاً من تقديم الحوافز والإعفاءات كما تفعل دول العالم لدعم هذا التحول، جرى اقتراح رسوم مرتفعة وغير خاضعة لضريبة القيمة المضافة، وهو ما يخلق "منطقاً اقتصادياً غير مقنع وغير قائم على أسس سليمة".
العالم يعمل بنموذجين
ويوضح مسيف أن العالم يعمل بنموذجين أساسيين: صافي القياس وصافي الفوترة، مؤكداً أن الحالة الفلسطينية تستدعي تفضيل صافي القياس لأنه "أكثر عدالة للمواطن وأسرع في استرداد الاستثمار".
ويشير مسيف إلى أن صافي القياس يعتمد معادلة "كيلوواط مقابل كيلوواط" بالتعرفة نفسها، ما يجعل استهلاك الكهرباء شبه متوازن، بينما في نظام الفوترة يبيع المواطن الفائض بسعر أقل بكثير من سعر الشراء، وهذا "ما أثار احتجاجات القطاع الخاص لعدم جدواه الاقتصادية".
ويبيّن مسيف أنّ نظام الفوترة أكثر فائدة لشركات التوزيع، بينما يمنح صافي القياس المواطن عائدًا أسرع واستقراراً في حسابات جدوى الاستثمار.
وبحسب مسيف، فإن امتداد فترة استرداد رأس المال من 5 أو 6 سنوات إلى 8 أو 10 سنوات يدفع المواطنين والمستثمرين إلى العزوف أو التأجيل، وهو ما يتناقض مع توجهات الحكومة الرامية لزيادة مساهمة الطاقة المتجددة في السوق.
مخاطر بقاء الرسوم المرتفعة
ويؤكد مسيف أن الأرقام الحالية تُظهر حجم التحدي؛ إذ يوجد 2700 طلب لأنظمة الطاقة الشمسية هذا العام، بزيادة وصلت إلى 270% عن العام السابق، لكن بقاء الرسوم المرتفعة سيؤدي إلى توقف هذه الطلبات خلال أشهر قليلة، ما يهدد مسار التوسع في الطاقة النظيفة.
ويقترح مسيف حلاً يقوم على صيغة وسط بين صافي القياس ونظام الفوترة، مع ترك الخيار للمستثمر.
ويشير مسيف إلى أن تعديل صافي القياس قد يكون ممكناً بحيث يصبح "1 مقابل 0.95" بدلاً من 1 مقابل 1، بما يحقق توازناً دون إلغاء جدوى الاستثمار.
ويدعو مسيف إلى إعادة النظر في الرسوم المفروضة، واصفاً إياها بأنها "عشوائية وغير مفهومة"، خاصة حين تصل إلى 20 شيكلاً على كل كيلوواط، ما يعني 400 شيكل شهرياً لمنشأة تنتج 20 كيلوواط فقط، وهو مبلغ "غير منطقي" للمصانع ذات الاستهلاك العالي.
ويرى مسيف أن الحكومة مطالبة بالتدخل عبر سياسة اقتصادية تراعي البعد الاجتماعي، مع إعفاء كامل للفئات المهمشة والمواطنين ذوي الدخل المحدود الراغبين بالتحول للطاقة الشمسية، إضافة إلى اعتماد سياسة صناعية انتقائية تمنح إعفاءات للصناعات التي تتنافس مع الواردات أو تساهم في تعزيز الإنتاج المحلي.
التجميد خطوة إيجابية
يعتبر الخبير الاقتصادي د. مؤيد عفانة أن قرار الحكومة الفلسطينية تجميد النظام المقترح لصافي الفوترة رقم (4) لعام 2025 المتعلق بتركيب وتشغيل أنظمة الطاقة الشمسية، يمثل "خطوة إيجابية" واستجابة سريعة للجدل المجتمعي الواسع الذي أثارته التعليمات الجديدة.
ويرى عفانة أن موجة النقاش، والاعتراضات التي عبّر عنها المواطنون والقطاع الخاص ومختلف الفعاليات والفئات عبر مواقع التواصل والمقالات والكاريكاتير، شكّلت "حالة صحية من المساءلة المجتمعية"، دفعت صُنّاع القرار للتراجع المؤقت ومراجعة ما طُرح.
ويوضح عفانة أن قرار التجميد الذي صدر عن رئيس الوزراء تضمن تشكيل لجنة مختصة لمراجعة تعليمات نظام صافي الفوترة وإجراء دراسة شاملة، بما يسمح بأخذ شكاوى المواطنين وملاحظاتهم بجدية، وتحقيق توازن بين الأطراف كافة، من مواطنين وشركات توزيع وهيئات محلية.
ويؤكد عفانة أن النظام بصيغته السابقة يحتاج بالفعل إلى مراجعة معمّقة من الجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني، لضمان عدالة التطبيق وتعزيز أمن الطاقة في فلسطين.
ويشير عفانة إلى أن فلسطين تتبنى هدفاً وطنياً واضحاً يتمثل في الوصول إلى 30% من مصادر الطاقة من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، مؤكداً أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تحفيز الاستثمار في الطاقة الشمسية وليس وضع عقبات جديدة، خاصة أن تكلفة إقامة الأنظمة الشمسية مرتفعة محلياً وتتطلب زمناً طويلاً لاسترداد رأس المال.
أهمية تشجيع المواطنين على الطاقة البديلة
ويرى عفانة أن أي نظام جديد يجب أن يكون عملياً ومرناً ويشجع المواطنين والمؤسسات على تبني الطاقة البديلة دون تحميلهم أعباء بيروقراطية أو مالية كبيرة تجعل التحول غير مجدٍ اقتصاديًا.
ويشدد عفانة على أن صياغة نظام متوازن تعتمد على نقاشات موسعة تضم الجهات الحكومية والقطاع الخاص والخبراء والمجتمع، ضمن منهج علمي وقاعدة واضحة هدفها تعزيز أمن الطاقة والانفكاك التدريجي عن الاحتلال عبر زيادة الاعتماد على مصادر محلية نظيفة.
أهمية تنظيم سوق الطاقة المتجددة
وفي الوقت ذاته، بحسب عفانة، يجب تنظيم سوق الطاقة المتجددة وتصويب أوضاع الأنظمة الحالية في إطار يضمن سلامة المستخدمين، وحماية حقوق الجميع سواء المواطنين المستثمرين في الطاقة الشمسية، أو حقوق شركات التوزيع أو الهيئات المحلية على أساس من العدالة.
ويؤكد عفانة أن النظام المعدّل يجب أن يوفّر بيئة محفزة للاشتراكات المنزلية والمؤسساتية، ويضمن عائداً منطقياً للاستثمار، ويُخفف من الإجراءات المعقدة، بحيث يتحول قطاع الطاقة الشمسية إلى رافعة حقيقية لتعزيز استقلال الاقتصاد الفلسطيني واستدامته.
منطق الجباية يرفع العبء
يوضح الباحث في مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية إياد الرياحي أن تجميد الحكومة قرارها فرض رسوم على أنظمة الطاقة الشمسية جاء نتيجة عاملين أساسيين، الأول ضغط الشارع وما رافقه من تقارير وتحقيقات صحفية سلّطت الضوء على آثار القرار، والثاني ضغط الشركات الخاصة العاملة في قطاع الطاقة الشمسية، حيث أشار عدد من مديري تلك الشركات في مقابلات مختلفة إلى أنهم مارسوا ضغطاً مباشراً دفع الحكومة إلى إعادة النظر في توجهها.
ويشير الرياحي إلى أن جوهر المشكلة يكمن في رؤية الحكومة للموضوع، إذ تسعى إلى تعزيز الجباية في ظل الأزمة المالية التي تمر بها، دون النظر إلى ما إذا كانت هذه الرسوم ستُثقل كاهل المواطنين أو تُعيق انتشار الطاقة المتجددة. ويشدد الرياحي على أن منطق الجباية الذي تتبناه الحكومة في سياستها المالية "يرفع العبء على الناس" بدلاً من تشجيعهم على خيارات تقلل اعتمادهم على الكهرباء المستوردة.
التوازن المفقود
ويبيّن الرياحي أن التوازن مفقود تماماً في تنظيم القطاع، لأن الأمر بات يدور بين شركات خاصة تعمل في الطاقة الشمسية وبين شركات توزيع الكهرباء، بينما يُترك المستهلك خارج المعادلة، دون أن يُؤخذ بعين الاعتبار عند صياغة السياسات أو منح الامتيازات.
ويوضح الرياحي أن الاعتماد المطلق على الكهرباء المستوردة من إسرائيل يفترض أن يدفع صانعي القرار إلى تشجيع المواطنين على التحول للطاقة البديلة، غير أن منح امتيازات خاصة لبعض الشركات، وتقوية نفوذها داخل القوانين، يؤدي إلى نتائج عكسية.
ويؤكد الرياحي أن الحديث عن التوازن اليوم هو في الحقيقة بحث عن صيغة تحقق مصالح الشركات—سواء العاملة في الطاقة الشمسية أو موزعي الكهرباء—بغض النظر عن قدرة المواطنين على الدفع.
ويعتبر الرياحي أن أي اتفاق مستقبلي بين الحكومة وتلك الشركات سيُحمّل المواطن التكلفة النهائية، ما لم يُعَد النظر في السياسات، وتُوضع مصلحة المستهلك في مركز القرار لضمان بيئة تشجع على الطاقة المتجددة وتحمي الفئات الأضعف من أعباء مالية جديدة.
توقيت بالغ الحساسية
يؤكد مدير الأكاديمية المهنية للعلوم المالية والإدارية في فلسطين، د. شادي حمد، أن الجدل الذي أثاره قرار فرض رسوم وضريبة على أنظمة الطاقة الشمسية، ثم إعلان الحكومة تجميده، يعود بالأساس إلى أن توقيته كان "بالغ الحساسية"، خصوصاً في ظل بحث الفلسطينيين عن أي مصدر يمنحهم قدراً من الاستقلالية في الطاقة وسط ارتفاع كبير في أسعار الوقود، وتخوّف من احتمالات انقطاع الكهرباء نتيجة سياسات الاحتلال وبسبب الحرب الدائرة.
عدم وجود فترة سماح لتصويب الأوضاع
ويوضح حمد أن المواطنين اتجهوا مؤخراً إلى الطاقة الشمسية كاستثمار يخفّض التكلفة ويمنحهم قدراً من الأمان، لكن صدمتهم جاءت من طرح قرار يبدأ تطبيقه بأثر رجعي ابتداءً من 1 أبريل / نيسان الجاري، ومن دون تقديم فترة سماح لتصويب الأوضاع.
ويشير حمد إلى أن كل من قام بتركيب الأنظمة الشمسية "وقّع اتفاقية رسمية مع شركة الكهرباء، ودفع رسوماً وتكاليف عالية في كل زيارة وإجراء"، ما يجعل فرض رسوم جديدة أو ضرائب شاملة على الماضي والحاضر "تجاوزاً للعقود الموقّعة" و"قراراً بلا غطاء قانوني واضح".
ويبيّن حمد أن تطبيق القرار على مختلف الأنظمة، بما في ذلك المستقلّة تماماً غير المرتبطة بالشبكة، كان أحد أكثر النقاط إثارة للرفض، لافتاً إلى أن بعض المواطنين يستخدمون الأنظمة الشمسية مثل السخانات الشمسية أو أنظمة على أسطح منازلهم دون أي ربط بالشبكة، ومع ذلك طُرحت فكرة إلزامهم برسوم.
تجربة غزة وتعزيز الثقة بالطاقة الشمسية
ويرى حمد أن التجربة القاسية التي عاشها الفلسطينيون مؤخراً، خاصة في غزة، جعلت الثقة بالطاقة الشمسية أكبر بوصفها "الملاذ الوحيد" في أوقات الأزمات وانهيار البنية الكهربائية.
ويرى حمد أن تجميد الحكومة للقرار لا يعني التراجع عنه نهائياً، بل هو "تعليق له من أجل الدراسة"، متوقعاً أن يُعاد طرحه "بصيغة جديدة ولكن ليس بالشكل الذي ظهر سابقاً"، لأن الصيغة الأولى "قوبلت برفض مجتمعي شديد".
وفي ما يتعلق بحماية شركات الكهرباء من الانهيار، يوضح حمد أن من يعتمد على الطاقة الشمسية نهاراً "يعود ليشتري الكهرباء ليلاً بأسعار أعلى"، ما يعني أنه لا يشكل عبئاً مالياً على الشركات، بل يرفد الشبكة في النهار ويعتمد عليها ليلاً، وأن الحديث عن خسائر كبيرة "غير دقيق".
تشجيع الطاقة البديلة يقلل من استهلاك الوقود والمحروقات
ويشير حمد إلى أن تشجيع الطاقة البديلة يقلل من استهلاك الوقود والمحروقات، ما يخفف من فاتورة "المقاصة" التي تذهب للاحتلال دون استرداد واضح، مؤكداً أن تعزيز استقلالية المواطن في الطاقة الشمسية يسهم في التخفيف من الضغوط الاقتصادية ويمكّن المجتمع من مواجهة الأزمات المتوقعة مستقبلاً.
ضغوط اجتماعية وشعبية
توضح الصحفية المختصة بالشأن الاقتصادي حسناء الرنتيسي أن قرار الحكومة بتجميد فرض الرسوم والضريبة على أنظمة الطاقة الشمسية جاء أساساً تحت تأثير ضغوط اجتماعية وشعبية كبيرة، بعد موجة رفض واسعة من المواطنين والقطاع الخاص.
وتشير الرنتيسي إلى أن الحكومة كانت تسعى لتوسيع قاعدة الإيرادات في ظل الأزمة المالية التي تواجهها، وقد برّرت القرار بحاجتها إلى "تنظيم العلاقة بين منتجي الطاقة الشمسية وشركات توزيع الكهرباء"، خاصة مع التوسع السريع في أنظمة صافي الفوترة خلال السنوات الأخيرة.
وتؤكد الرنتيسي أن التراجع الرسمي عن القرار لم يكن "تقنياً فقط"، بل جاء نتيجة ضغط مباشر مارسه أصحاب المنازل الذين استثمروا في الطاقة الشمسية بهدف خفض فواتير الكهرباء، إضافة إلى شركات الطاقة المتجددة ومؤسسات المجتمع المدني، التي اعتبرت القرار "تهديداً مباشراً" لقطاع ما زال في طور النمو. هذا الرفض، وفق الرنتيسي، تحول إلى قوة ضغط فعلية أجبرت الحكومة على إعادة النظر في قرارها.
التناقض في السياسة العامة
وتشير الرنتيسي إلى أن هذه الخطوة كشفت عن "التناقض في السياسة العامة"، فالحكومة تعلن رسمياً خططاً لرفع حصة الطاقة المتجددة إلى 30% من إجمالي الطاقة، لكنها في المقابل تتجه لفرض ضريبة على مصدر الطاقة الأكثر انتشاراً لدى المواطنين، ما يوجه "ضربة للاستثمار" في القطاع ويقوّض أهداف التنمية المستدامة التي تعلنها الحكومة.
وتشدد الرنتيسي على أن التوازن في قطاع الطاقة لا يتحقق عبر "فرض ضرائب على الشمس"، وإنما من خلال تسعير عادل لكلفة استخدام الشبكة الكهربائية، وتعديل آليات الفوترة، ودمج شركات الكهرباء في نموذج الطاقة الجديد لضمان استدامة القطاع دون تحميل المواطن أعباء إضافية.
وتدعو الرنتيسي الحكومة إلى وضوح أكبر في سياساتها وتجنب القرارات المفاجئة التي تمسّ حياة المواطنين بشكل مباشر.
المصدر:
القدس