د. شاكر خليل: يحب إيجاد حلول تخفف الأثر على المواطن لأن ارتفاع أسعار المحروقات ستكون له تداعيات خطيرة على الاقتصاد والفئات الأكثر فقراً
فراس الطويل: المحروقات تدخل في عمليات الإنتاج في قطاعات واسعة الأمر الذي يرفع تكلفة الإنتاج ويضغط على أسعار البيع للمستهلك النهائي
مسيف مسيف: الوقود يشكل أساساً للإنتاج بقطاعات مختلفة ترتبط بالطاقة ما يعني ظهور أثر رفع سعره بشكل مباشر على مناحي الحياة
أيهم أبو غوش: بروتوكول باريس الاقتصادي أتاح هامشاً لبيع الوقود بأقل من الأسعار الإسرائيلية واستخدمته الحكومة لتقديم دعم للمحروقات لكن الواقع الحالي مختلف
د. ثابت أبو الروس: الحكومة لم تتخلّ عن دعم المحروقات والوقود الذي يأتي عبر استرداد ضريبة "البلو" لكن قدرتها على الاستمرار تراجعت بسبب الأزمة المالية
إخلاص طمليه: يجب تبني دعم موجه للقطاعات الحيوية لتخفيف أثر ارتفاع المحروقات والوقود وضرورة الرقابة لمنع رفع هوامش الربح بشكل جائر
رام الله - خاص بـ "القدس"-
تواجه الأسواق الفلسطينية موجة جديدة من ارتفاع أسعار المحروقات والوقود، ما انعكس على أسعار السلع والخدمات بشكل فوري، وهو ما يزيد الضغط على اقتصاد يعاني أصلاً من انكماش واضح وتراجع شديد في القوة الشرائية.
ويؤكدون أن الزيادة في أسعار البنزين والسولار والغاز تتسبب بارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والخدمات، ما يؤدي إلى موجة غلاء تشمل السلع الأساسية والمواد الغذائية، كما أنه بين ضعف الدخل وارتفاع معدلات البطالة، تتسع دائرة المتضررين وتشتدّ الضائقة المعيشية.
ويحذر الخبراء الاقتصاديون والمختصون وأساتذة الجامعات من أن استمرار هذا الوضع، ترتفع المطالب باتخاذ خطوات عاجلة للحد من آثار الغلاء وتخفيف العبء عن الأسر الفلسطينية التي باتت تواجه تحدياً يومياً في تغطية احتياجاتها الأساسية.
موجة غلاء ضمن السياق الإقليمي والدولي
يؤكد الخبير الاقتصادي د. شاكر خليل أن ارتفاع أسعار الوقود والمحروقات في فلسطين، وانعكاسها بموجة من الغلاء ليست معزولة عن السياق الإقليمي والدولي، بل ترتبط بشكل مباشر في الحرب الدائرة، خصوصاً في الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، ما تسبب بقفزة كبيرة بأسعار البترول والتي انعكست على جميع دول العالم، ومن ضمنها فلسطين.
الوضع المحلي أكثر تعقيداً
ويشير خليل إلى أن الوضع المحلي أكثر تعقيداً بسبب الارتباط الكامل بالسوق الإسرائيلية في استيراد المحروقات وتحديد التعرفة، ما يجعل أي ارتفاع في إسرائيل يرتد تلقائياً على السوق الفلسطينية.
ويلفت خليل إلى أن الأسعار ارتفعت بنسب قياسية وغير مسبوقة تجاوزت ما يقارب 15% للبنزين و 40% للسولار و27%للغاز، وهو ارتفاع لا يقتصر أثره على قطاع الطاقة بل يمتد ليشمل كل السلع والخدمات الأساسية، بحكم اعتماد الإنتاج والتوزيع والنقل على الوقود والمحروقات بشكل مباشر.
تداعيات خطيرة
ويؤكد خليل أن ارتفاع أسعار المحروقات وخصوصاً السولار الذي وصل إلى 40%، سيكون له تداعيات خطيرة على الاقتصاد المتهالك أصلاً وخصوصاً على الفئات الأكثر فقراً لارتباطه المباشر بسلة السلع الأساسية.
ويوضح خليل أن قطاع النقل سيكون أول المتأثرين، تليه السلع الأساسية التي ترتفع تكاليف إنتاجها، الأمر الذي سيضغط بشدة على الفئات الفقيرة ومحدودي الدخل، الذين تشكل السلع الأساسية الجزء الأكبر من نفقاتهم الشهرية.
تعميق الأزمة
ويصف خليل الوضع بأنه "صبّ للملح على الجرح"، في ظل الواقع الاقتصادي المتدهور منذ الحرب على غزة، وما تلاها من فقدان آلاف العمال لوظائفهم داخل الخط الأخضر، وتراجع الحركة التجارية، وتدهور أداء القطاع الخاص، إضافة إلى الأزمة المستمرة في صرف الرواتب بنسب غير مكتملة.
ويبيّن خليل أن الناتج المحلي الإجمالي شهد تراجعاً يتجاوز 25% مقارنة بما قبل الحرب، ما يعكس حجم الانكماش الحاد في الاقتصاد الفلسطيني.
حلول خارج الصندوق
ويدعو خليل إلى إيجاد حلول "خارج الصندوق" من قبل الحكومة عبر إشراك مختلف الأطراف في حوار وطني اقتصادي يهدف لتخفيف الأثر على المواطن وإعطاء الأولوية لتعزيز صمود الفئات الأشد فقراً، من خلال برامج دعم مباشرة تستهدف الفئات الأكثر فقرا كأولوية.
آليات التسعير
وفي سياق شرح آليات التسعير، يوضح خليل أن السلطة تشتري المحروقات مباشرة من الشركات الإسرائيلية بأسعار كاملة، ثم تعيد بيعها لمحطات الوقود محققة خسارة نقدية، تسترد جزءاً منها لاحقاً عبر ضريبة "البلو" التي تشكل نحو ثلث الإيرادات العامة، لكن احتجاز المقاصة منذ ما يقارب 10 أشهر حرم السلطة من استلام هذه الضريبة، فحوّل الخسارة النقدية إلى عبء حقيقي على السيولة الحكومية.
توقعات بارتفاعات إضافية
ويتوقع خليل أن تشهد الأسعار ارتفاعات إضافية خلال الفترة المقبلة، محذراً من خطورتها على اقتصاد غير قادر على التعافي سريعاً حتى لو انتهت الحرب.
توقيت خاطئ لقرار الطاقة الشمسية
ويتناول خليل الجدل حول الطاقة الشمسية، موضحاً أن بعض القرارت الأخيرة جاءت في سياق اعتراض شركات الكهرباء على فقدان جزء من الإيرادات نتيجة زيادة الإقبال على الطاقة الشمسية، لكنه يؤكد ضرورة التوسع في الطاقة المتجددة وتخفيف القيود لتخفيف العبء على المواطنين، منتقداً توقيت القرارات الذي اعتبره "غير موفق" في ظل موجة الغلاء الراهنة.
المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي
يؤكد رئيس تحرير موقع "الاقتصادي" فراس الطويل أن ارتفاع أسعار الوقود والمحروقات ستؤثر على مختلف مناحي الحياة اليومية في فلسطين، وستنعكس بشكل مباشر وسريع على كلفة المعيشة، باعتبار المحروقات "المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي".
ويوضح الطويل أن ارتفاع أسعار البنزين والسولار والغاز يدفع تلقائياً إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، وقد ظهر ذلك فعلياً في بيان رسمي أصدرته وزارة النقل والمواصلات يقضي بتعديل أجرة المواصلات بنسب معينة.
ويؤكد الطويل أن ارتفاع أسعار المحروقات والوقود سيمتد ليشمل أسعار السلع الأساسية والغذائية، نظراً لاعتماد السوق المحلي بشكل كبير على النقل في توزيع البضائع.
ويشير الطويل إلى أن المحروقات والوقود تدخل في عمليات الإنتاج في قطاعات واسعة، منها الزراعة والصناعة والمخابز والمولدات الكهربائية، الأمر الذي يرفع تكلفة الإنتاج ويضغط على أسعار البيع للمستهلك النهائي.
ويوضح الطويل أن بعض المصانع بدأت بالفعل الإعلان عن رفع أسعار منتجاتها—كمثال رفع أسعار البلاستيك بنسبة 10 إلى 15%—ما يعمّق أزمة القدرة الشرائية لدى الأسر ويزيد من اتساع دائرة الغلاء.
اقتطاع جزء أكبر من دخل الأسر
ويشير الطويل إلى أن ارتفاع أسعار الوقود والمحروقات سيقتطع جزءاً أكبر من دخل الأسر المتقلص أساساً، سواء عبر كلفة التنقل اليومي أو عبر شراء الوقود للمركبات، ناهيك عن تأثيراته غير المباشرة عبر تضخم أسعار السلع والخدمات.
جدل حول نظام "صافي الفوترة"
ويعتبر الطويل أن الاعتماد شبه الكامل على إسرائيل في استيراد المشتقات النفطية والكهرباء يجعل أي أزمة طاقة أكثر تعقيداً، خاصة مع الجدل الدائر حول نظام "صافي الفوترة" المرتبط بالطاقة الشمسية، ما قد يتعارض مع خطط سلطة الطاقة التي أعلنت نيتها رفع نسبة الاعتماد على الطاقة المتجددة إلى 30% بحلول عام 2030، كما أن إعلان الحكومة تجميد العمل بنظام الفوترة حالياً خطوة مهمة يجب العمل عليها لاحقاً ودراسة الحالة بشكل كامل.
إعادة النظر بالضرائب على المحروقات
ويدعو الطويل إلى إعادة النظر في الضرائب المفروضة على المحروقات، وكذلك فحص مدى التزام التسعيرة الفلسطينية بهامش الـ15% الذي يسمح به بروتوكول باريس مقارنة بالأسعار الإسرائيلية.
إعادة النظر بالحد الأدنى للأجور
وفيما يخص السياسات الاجتماعية، يؤكد الطويل أن الحد الأدنى للأجور البالغ 1880 شيكل لا يلبّي الحد الأدنى من المتطلبات المعيشية، فضلاً عن عدم التزام نسبة كبيرة من المؤسسات بتطبيقه، داعياً إلى إعادة النظر فيه بما يتناسب مع الارتفاعات المتتالية في الأسعار، مشيراً إلى أن المواطن لا يشعر بوجود خطوات حكومية حقيقية تدعم صموده في ظل الأوضاع الاقتصادية والمالية الصعبة.
المحروقات سلعة استراتيجية وحيوية
يحذّر الباحث في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" مسيف مسيف من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية العميقة لارتفاع أسعار الوقود في فلسطين، مؤكداً أن المحروقات تُعد سلعة استراتيجية وحيوية، وأي زيادة في أسعارها تنعكس مباشرة وغير مباشرة على مختلف جوانب الحياة.
ويوضح مسيف أن الوقود والمحروقات ليست مجرد سلع للاستهلاك، بل تشكل أساساً لعمل الأسر ولقطاعات مختلفة أبرزها النقل وللإنتاج والصناعات المرتبطة بالطاقة، ما يعني ظهور أثر رفع سعره بشكل مباشر على مناحي الحياة.
أثر مباشر على دخل المواطن
ويشير مسيف إلى أن الأثر المباشر يظهر أولاً على دخل المواطن، فصاحب السيارة الذي سيجد نفسه مضطراً لدفع ما بين 300 إلى 400 شيكل إضافية في ظل ارتفاع قد يصل إلى 35%، وهذا المبلغ يشكل ما بين 15% إلى 20% من راتب موظف يتقاضى بين 2000 و3000 شيكل، وهو عبء إضافي يصعب يتحمله في ظل الظروف الاقتصادية القائمة.
زيادة كلفة النقل
ويؤكد مسيف أن التأثير غير المباشر أكثر خطورة، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة كلفة النقل، ما يرفع بدوره أسعار مختلف البضائع والخدمات في السوق الفلسطيني.
كما ترتفع وفق مسيف، تكاليف الإنتاج الصناعي المعتمد على الطاقة، ما يخلق دائرة تضخم تضغط على المستهلك والاقتصاد معاً.
ويشدد مسيف على أن سلعة البترول يؤدي ارتفاعها إلى ارتفاع جميع السلع دون استثناء، بما في ذلك الخدمات المهنية التي بات أصحابها يرفعون أجورهم نتيجة زيادة تكاليف التنقل.
دعم حكومي ضعيف للمحروقات
وفيما يتعلق بقدرة الحكومة على التدخل، يوضح مسيف أن الدعم الحكومي للمحروقات ضعيف وقد توقف فعلياً منذ أزمة أموال المقاصة، مشيراً إلى أن الحكومة اليوم لا تستطيع توجيه مواردها لدعم الوقود في ظل وصول إيراداتها إلى نحو 50% فقط، ما يجعل الأولويات موجهة للقطاعات الصحية والتعليمية والاجتماعية ورواتب الموظفين.
خيارات محدودة أمام الحكومة
ويشدد مسيف على أن الحكومة لا تمتلك أدوات حقيقية لضبط الأسعار كون الوقود مستورد من إسرائيل التي تتحكم بتسعيرته.
ويرى مسيف أن الخيارات المتاحة أمام الحكومة محدودة للغاية، وأن الحلول الممكنة تتمثل في التوجه لزيادة الاقتراض الداخلي والخارجي، أو الحصول على قروض بضمان أموال المقاصة، إضافة إلى تحرك دبلوماسي لحشد دعم مالي من الدول الصديقة.
الاقتراض يبقى أقل ضرراً
وبرغم المخاطر المترتبة على ارتفاع الدين العام، الذي قد يتجاوز 15 مليار دولار، يؤكد مسيف أن الاقتراض يبقى أقل ضرراً من انهيار القدرة الشرائية للمواطن وتراجع الخدمات الأساسية.
ويحذّر مسيف من استمرار تدهور الرواتب الذي بدأ منذ أزمة المقاصة، مشيراً إلى أن نسب الصرف التي تراجعت من 80% إلى 50% قد تهبط إلى 40% أو حتى 20% إذا استمرت الأزمة دون حل، ما يستدعي تحركاً سريعاً لتجنب تداعيات اجتماعية واقتصادية خطيرة.
انعكاس مباشر على حياة المواطنين وقطاعات الإنتاج
يحذّر أستاذ الاقتصاد في جامعة بيرزيت د. يوسف داود من تداعيات موجة الغلاء التي تفرضها الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود والمحروقات في فلسطين، مؤكداً أن الارتفاعات الحالية—بنسبة 15% على بنزين 95 و13% على بنزين 98، إضافة إلى قفزة كبيرة تصل إلى 41% في سعر الديزل— وهي ستنعكس مباشرة على حياة المواطنين وقطاعات الإنتاج في ظل أزمة اقتصادية خانقة.
برتوكول باريس المقيد لأسعار البنزين
ويوضح داود أن ارتفاع سعر البنزين يبقى مقيداً ببروتوكول باريس، الذي يمنع أن تكون أسعاره في السوق الفلسطينية أقل من نظيرتها في إسرائيل، بينما تمتلك الحكومة مجالاً محدوداً للمناورة في سعر الديزل عبر تخفيض الضريبة، وهو ما لا يشكّل دعماً مباشراً بل تقليصاً لجانب من العبء الضريبي.
ويشير داود إلى أن السلطة الفلسطينية تستورد سنوياً بين 90 و100 مليون لتر وقود، يشكّل الديزل ثلثيها، ما يجعل تخفيض الضريبة عليه خطوة قادرة على تقليل الضغط على الأسعار نسبياً، نظراً لاعتماد قطاعات الإنتاج والمواصلات عليه بشكل أكبر من البنزين المستخدم للاستهلاك الفردي.
ويشير داود إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات والوقود ينعكس بشكل متفاوت على السلع والخدمات، إذ تتأثر المواد الغذائية والزراعة وقطاع النقل والكهرباء.
سلوك بعض أصحاب محطات الوقود
ويبيّن داود أن الأسواق لا تتأثر فقط بفعل ارتفاع الأسعار، بل أيضاً بسلوك بعض أصحاب محطات الوقود الذين يعمدون إلى الإغلاق توقعاً بارتفاعات أكبر، ما يخلق حالة من الاحتكار ويدفع الأسعار نحو المزيد من الصعود.
تحذير من تأثر سلاسل التوريد
ويحذر داود من أن سلاسل التوريد قد تتعرض للانقطاع أو التأخير، الأمر الذي يؤدي إلى نقص في السلع والخدمات الأساسية للمستهلكين.
ويشير داود إلى أن هذه الارتفاعات تأتي في ظل انقطاع شبه كامل لإيرادات العاملين في سوق العمل الإسرائيلية، وعدم صرف رواتب الموظفين العموميين بالكامل، ما يضعف القدرة الشرائية ويؤدي إلى حالة من "التضخم المصحوب بالبطالة" وهي إحدى أصعب الأزمات الاقتصادية.
العبء على الفلسطينيين أكبر
وفي مقارنة بين فلسطين وإسرائيل، يوضح داود أن أسعار الوقود باتت متقاربة بين الجانبين، رغم أن متوسط الأجور في إسرائيل يبلغ نحو 14 ألف شيكل مقابل 2500–2600 شيكل فقط في فلسطين، ما يعني أن العبء على الفلسطينيين أكبر بكثير، ويمهد لارتفاع معدلات الفقر، علاوة على أن أسعار الوقود والمحروقات في الولايات المتحدة أقل بكثير من فلسطين والتي تقل بنسبة تصل إلى النصف، وكل ذلك بسبب الضرائب وبروتوكول باريس الاقتصادي.
هامش ضيق أمام الحكومة
ويشير داود إلى أن متوسط دعم الحكومة الفلسطينية لأسعار الوقود يتراوح بين 50 و60 مليون شيكل شهرياً، لكنه آخذ بالتقلص بسبب محدودية الموارد وعدم تحويل أموال المقاصة. ومع ذلك، يرى داود أنه ما زال أمام السلطة هامشاً ضيقاً لزيادة دعم الديزل تحديداً، كون تأثيره يمتد إلى قطاع النقل والإنتاج، وقد يخفف—ولو جزئياً—من وطأة ارتفاع الأسعار على الاقتصاد الفلسطيني.
أسعار الوقود والمحروقات في فلسطين من الأعلى
يحذّر الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي أيهم أبو غوش من التداعيات العميقة لارتفاع أسعار المحروقات والوقود على الاقتصاد الفلسطيني، مؤكداً أن موجة الغلاء الحالية لا تعود فقط لزيادة الأسعار عالمياً، بل لكون أسعار الوقود والمحروقات في فلسطين من الأعلى أصلاً بسبب الضرائب المفروضة، وعلى رأسها ضريبة "البلو" الإسرائيلية وضريبة القيمة المضافة، اللتين تشكلان أكثر من 60% من سعر لتر الوقود.
ويوضح أبو غوش أن ضريبة المحروقات تعد أحد مصادر الدخل الرئيسية للسلطة الفلسطينية، وتُشكل نحو ثلث إيرادات المقاصة المحوّلة عبر الاحتلال.
ووفق أبو غوش، فإنه بموجب بروتوكول باريس الاقتصادي، يخضع الفلسطينيون والإسرائيليون لغلاف جمركي موحد، ما يعني أن المواطن الفلسطيني يدفع الضرائب ذاتها، لكن مع فوارق ضخمة في الأجور؛ إذ يبلغ متوسط أجر العامل الإسرائيلي بين 13.5 و14 ألف شيكل، فيما يتقاضى العامل الفلسطيني ما بين 2400 و2800 شيكل فقط.
ويشير أبو غوش إلى أن بروتوكول باريس الاقتصادي أتاح للسلطة هامشاً لبيع الوقود بأقل من الأسعار الإسرائيلية بما يصل إلى 15% في البنزين وبهامش مفتوح في السولار والكاز، وقد استخدمت الحكومة هذا الهامش سابقاً لتقديم ما أسمته "دعم المحروقات"، لكن الواقع الحالي مختلف.
ويلفت أبو غوش إلى أنه في عام 2022، ورغم تجاوز سعر برميل النفط 100 دولار، حافظت الأسعار محلياً على استقرار نسبي خصوصاً في السولار، لحماية الطبقات الاجتماعية من الغلاء عبر تخفيض الحصة الضريبية.
لكن أبو غوش يرى أن الواقع الحالي مختلف؛ إذ أُزيلت تقريباً الفجوة السعرية بين السوقين الفلسطيني والإسرائيلي، واختفت الهوامش التي تراوحت سابقاً بين 50 و60 أغورة لكل لتر، ما أدى إلى تحميل المواطن كامل الارتفاع العالمي، في ظل أزمة مالية تضيق على قدرة الحكومة على امتصاص الصدمات أو تقديم دعم فعلي.
نحو موجة تضخم واسعة
ويؤكد أبو غوش أن الزيادة الحالية في أسعار الوقود والمحروقات ستقود إلى موجة تضخم واسعة ستمتد لتشمل أجرة النقل العام وأسعار السلع الأساسية التي تعتمد على المحروقات.
وتأتي هذه التطورات وفق أبو غوش، في مرحلة اقتصادية شديدة الخطورة، إذ فقد الاقتصاد الفلسطيني ربع حجمه خلال عامين ونصف من الحرب، وحُرم نحو 200 ألف عامل من الدخول إلى أماكن عملهم داخل الخط الأخضر، ما كان يضخ نحو 1.8 مليار شيكل شهرياً في الأسواق، كما تعاني الحكومة من عجز في دفع الرواتب كاملة.
ويشير أبو غوش إلى أن الغلاء الحالي سيضاعف معاناة المواطنين، في ظل غياب تدخل حكومي حقيقي لتخفيف أثر الأزمة المتصاعدة.
تأثيرات على الحياة اليومية
يوضح الخبير والمحلل الاقتصادي د. ثابت أبو الروس أن ارتفاع أسعار المحروقات والوقود سيكون لها تأثيرات على الحياة اليومية للمواطنين في فلسطين، مؤكداً أن الزيادة الحالية تأتي في وقت يعاني فيه المواطنون أصلاً من تراجع مستويات الدخل، وانعدام فرص العمل، وارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع الأساسية.
ويشدد أبو الروس على أن المحروقات والوقود ليست مجرد سلعة مرتبطة بالنقل والمواصلات، بل تشكل جزءاً رئيسياً من تكلفة الإنتاج في مختلف القطاعات الصناعية والزراعية والخدماتية.
وبحسب أبو الروس، فإن المحروقات والوقود تمثل أحد أهم مدخلات الإنتاج، ما يعني أن أي رفع في أسعارها سينعكس فوراً على تكلفة الصناعات المحلية، وبالتالي على أسعار السلع في السوق.
قطاع النقل والمواصلات الأكثر تضرراً
ويشير أبو الروس إلى أن قطاع النقل والمواصلات، الذي يشكل نحو 14% من دخل المواطن، سيكون من أكثر المتضررين، لافتاً إلى أن ارتفاع تعرفة المواصلات بين شيكل وشيكلين سيشكل عبئاً كبيراً على العائلات التي يبلغ متوسط عدد أفرادها خمسة، ما يرفع الكلفة اليومية لتلبية الاحتياجات الأساسية.
ويشير أبو الروس إلى أن الأزمة تتفاقم في ظل تراجع الدخل وانعدامه لدى جزء كبير من المواطنين، ما يخلق ضغوطاً على العائلات والقطاع الخاص والحكومة معاً.
تراجع قدرة الحكومة بسبب الأزمة المالية
ويتطرق أبو الروس إلى سياسة الدعم الحكومي للمحروقات، موضحاً أن الحكومة لم تتخلّ عن دعم المحروقات والوقود، لكن قدرتها على الاستمرار في ذلك تتراجع بسبب الأزمة المالية الخانقة.
ويؤكد أبو الروس أن الدعم الحكومي يأتي من خلال استرداد ضريبة "البلو" من الجانب الإسرائيلي، إلا أن تعليق تحويلات المقاصة منذ نحو عام أجبر الحكومة على تمويل الدعم من سيولتها مباشرة، الأمر الذي أثّر على أدائها المالي وحدّ من قدرتها على الحفاظ على مستويات الدعم السابقة.
ترشيد استخدام المحروقات والوقود
وفي ما يتعلق بالإجراءات المطلوبة، يوصي أبو الروس المواطنين بترشيد استخدام المحروقات والوقود وإدارة الأزمة باعتبارها مؤقتة مرتبطة بالحرب والأوضاع العالمية، داعياً في الوقت ذاته إلى تعزيز الرقابة على الأسعار في الأسواق خاصة السلع الأساسية ووضع قوائم إرشادية للأسعار.
الأزمة "شماعة" لرفع الأسعار
ويدعو أبو الروس السائقين إلى عدم استغلال الأزمة ورفع الأسعار بصورة مبالغ بها، والالتزام بنسب الزيادة المرتبطة بسعر الوقود فقط.
ويطالب أبو الروس القطاع الخاص بعدم اتخاذ الأزمة "شماعة" لرفع الأسعار بشكل كبير، بل الالتزام بزيادات موضوعية ومحدودة.
أما على المستوى الحكومي، فيشدد أبو الروس على ضرورة الاستمرار في دعم قطاع المحروقات ضمن الإمكانات المتاحة، والبحث عن مصادر توريد بديلة رغم العوائق التي واجهت محاولات سابقة للاستيراد من دول عربية.
مكافحة الشائعات
ويدعو أبو الروس إلى مكافحة الشائعات وتعزيز الرقابة على محطات الوقود ومنع دخول محروقات غير قانونية إلى السوق، إلى جانب الضغط على الجانب الإسرائيلي عبر القنوات الدولية لإعادة تحويل أموال المقاصة وضريبة "البلو"، بما يمكّن الحكومة من الاستمرار في دعم هذا القطاع الحيوي.
الارتباط البنيوي القسري بالاقتصاد الإسرائيلي
تعتقد الباحثة الاقتصادية إخلاص طمليه أن ارتفاع أسعار الوقود والمحروقات في فلسطين، ستقود إلى "تضخم مركّب متعدد القنوات"، نظراً لاعتماد معظم السلع والخدمات على المحروقات والوقود كمدخل أساسي في الإنتاج والنقل والتوزيع.
وتؤكد طمليه أن الوقود يُعد سلعة محورية، وأي ارتفاع فيه ينعكس تلقائياً على أسعار السلع الأساسية، إذ تتحدد نسب الارتفاع وفقاً لحجم استخدام الوقود والمحروقات في كل قطاع.
وترى طمليه أن الموجة التضخمية الحالية هي في الأساس تضخم مستورد نتيجة الارتفاع العالمي في أسعار النفط على خلفية الحرب الدائرة، لكن خصوصية الحالة الفلسطينية تزيد من تعقيدها بسبب الارتباط البنيوي القسري بالاقتصاد الإسرائيلي وفق بروتوكول باريس الاقتصادي، الذي يقيّد قدرة السلطة الفلسطينية على تحديد بعض أنواع الوقود أو استيراد بدائل أرخص، ما يجعل السوق الفلسطينية متلقياً كاملاً للصدمات الخارجية دون قدرة على امتصاصها.
مرحلة شديدة الحساسية
وتوضح طمليه أن هذه الصدمات تأتي في مرحلة شديدة الحساسية، حيث يعاني الفلسطينيون من تآكل في الرواتب وفقدان أكثر من 200 ألف عامل لأعمالهم في الداخل، إضافة إلى خسارة مصادر دخل عديدة.
وتشير طمليه إلى أن ذلك ترافق مع انكماش اقتصادي عميق عقب الحرب، خسر خلاله الاقتصاد الفلسطيني أكثر من 24% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب ارتفاع غير مسبوق في معدلات البطالة والفقر.
كما ساهمت عوامل أخرى وفق طمليه، في تفاقم الأعباء على الأسر، منها تراجع القوة الشرائية بسبب هبوط سعر صرف الدولار الذي خسرت معه شريحة واسعة ربع رواتبها تقريباً، واقتطاعات رواتب القطاع العام، وتراجع النشاط في القطاع الخاص.
الاقتصاد الفلسطيني على حافة الركود
وترى طمليه أن هذه الظروف مجتمعة تضع الاقتصاد الفلسطيني على حافة الركود التضخمي، إذ تتزامن زيادة الأسعار في المحروقات والوقود وانعكاس الارتفاع على أسعار السلع، مع تراجع الدخل وفرص العمل، مما يفاقم هشاشة الأسر ويهدد بموجة تضخمية أوسع في قادم الأشهر.
تقليص دعم السولار
وفي ما يتعلق بدعم المحروقات، تؤكد طمليه – استناداً إلى متابعتها – أن الحكومة قلّصت مساهمتها في دعم السولار الذي كانت أعلنت عنه قبل سنوات، حيث انخفض الدعم من 80 أغورة إلى 30 أغورة لكل لتر، وهو ما اعتبرته قراراً "جاء في توقيت بالغ الحساسية" مع الارتفاع العالمي في أسعار الطاقة وتراجع قدرة المواطنين الشرائية.
تبني دعم موجه للقطاعات الحيوية
وتشدد طمليه على ضرورة تبني دعم موجه للقطاعات الحيوية مثل قطاعي المواصلات والغذاء، لتخفيف أثر ارتفاع المحروقات والوقود، إلى جانب تفعيل أدوات الرقابة والتنظيم لمنع رفع هوامش الربح بشكل جائر، ومحاربة أي ممارسات احتكارية، وفرض عقوبات صارمة على المخالفين.
وتدعو طمليه إلى تعزيز الشفافية في آليات التسعير والبيع، وبناء شبكات حماية للفئات الأكثر هشاشة في المجتمع، باعتبار أن هذه الفئات هي الأكثر تأثراً بالصدمات التضخمية الحالية.
المصدر:
القدس