يحيي العالم في الرابع من أبريل من كل عام اليوم الدولي للتوعية بمخاطر الألغام، بينما يعيش سكان قطاع غزة واقعاً مأساوياً حول مدنهم ومخيماتهم إلى حقول ألغام مفتوحة. لم تعد الأجسام المتفجرة محصورة في مناطق عسكرية، بل باتت تتربص بالأطفال والنازحين بين ركام المنازل وفي الملاعب المهجورة، مخلفةً إصابات جسدية دائمة وندوباً نفسية لا تندمل.
الطفل محمد أبو معلا، البالغ من العمر 15 عاماً، يجسد فصلاً من هذه المعاناة بعدما فقد كفه اليمنى وتعرضت ساقه لتمزق حاد إثر عبثه بجسم غريب وجده قرب منزله في مخيم النصيرات. هذه الحادثة التي وقعت قبل أشهر، حولت حياة الفتى المتفوق دراسياً إلى عزلة تامة، حيث يواجه اليوم آلاماً جسدية مستمرة وحاجة ماسة لعمليات جراحية معقدة لتركيب مفاصل صناعية.
وفي حادثة مشابهة بمدينة دير البلح، أصيب الفتى نور الجيار وأربعة أطفال من أقاربه بجروح متفاوتة إثر انفجار جسم مشبوه بدا كقطعة بلاستيكية. أدت الشظايا إلى بتر أجزاء من أصابع نور وإصابة أشقائه وأقاربه في مناطق متفرقة من أجسادهم، مما استدعى خضوعهم لبرامج دعم نفسي مكثفة لمواجهة الصدمات العنيفة التي تعرضوا لها.
وتشير تقديرات رسمية صادرة عن مكتب الإعلام الحكومي في غزة إلى وجود أكثر من 20 ألف قطعة ذخيرة غير منفجرة منتشرة في أرجاء القطاع. هذا الرقم المرتفع يعكس حجم التهديد في مساحة جغرافية ضيقة لا تتجاوز 365 كيلومتراً مربعاً، مما يجعل غزة واحدة من أكثر المناطق تلوثاً بالمتفجرات في العالم قياساً بعدد السكان.
من جانبها، سجلت وزارة الصحة استشهاد سبعة مواطنين، بينهم خمسة أطفال، وإصابة نحو 50 آخرين جراء انفجار مخلفات الحرب خلال الفترة الماضية. وتؤكد مصادر طبية أن الأرقام الفعلية قد تكون أعلى بكثير، نظراً لتلقي العديد من المصابين العلاج في مستشفيات ميدانية دون توثيق دقيق لسبب الإصابة المباشر.
أفادت مصادر في جهاز الاستجابة السريعة بأن حجم المخلفات الحربية هائل وخطير، في حين تفتقر الفرق المختصة لأدنى الإمكانيات اللازمة للتعامل معها. وأوضحت المصادر أن الاحتلال استهدف المستودعات والمعدات المخصصة لنقل وتخزين الذخائر، مما أدى لتراجع قدرات الفرق الفنية إلى أقل من 10% مما كانت عليه قبل الحرب.
ويواجه الفنيون المتخصصون في تفكيك المتفجرات مخاطر وجودية، حيث استشهد 17 فنياً من أصل 65 منذ بدء العدوان. تعمل هذه الطواقم حالياً دون معدات حماية كافية أو أجهزة كشف متطورة، مما يجعل كل عملية تدخل لتحييد جسم مشبوه بمثابة مهمة انتحارية محفوفة بالمخاطر الكبيرة.
الدفاع المدني في غزة حذر بدوره من أن القطاع بات يشبه حقل ألغام كبيراً، حيث تنتشر الصواريخ غير المنفجرة والألغام تحت ركام المباني المدمرة. وأكدت مصادر في الدفاع المدني أن الطواقم تضطر للعمل في بيئات غير آمنة أثناء انتشال الضحايا، مما قد يؤدي لانفجارات مفاجئة عند اصطدام الآليات الثقيلة بمخلفات غير مرئية.
الخطر لا يتوقف عند المناطق السكنية، بل يمتد ليشمل الأراضي الزراعية التي يكتشف المزارعون فيها أجساماً متفجرة أثناء حرثها. هذه المخلفات تعيق عودة الحياة الطبيعية وتمنع المزارعين من استغلال أراضيهم خوفاً من انفجارات قد تقع في أي لحظة، مما يضيف عبئاً اقتصادياً جديداً على كاهل السكان المحاصرين.
الأطفال هم الفئة الأكثر عرضة للخطر بسبب فضولهم الطبيعي، حيث تظهر بعض المخلفات الحربية بأشكال مغرية تشبه علب الطعام أو المشروبات الغازية. كما أسقطت طائرات الاستطلاع عبوات صغيرة الحجم عبث بها أطفال ظناً منهم أنها ألعاب، مما أدى إلى وقوع كوارث إنسانية وحالات بتر متعددة للأطراف.
تعمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتعاون مع الهلال الأحمر الفلسطيني على تنفيذ برامج توعوية مكثفة للحد من هذه الحوادث. تستهدف هذه الحملات مراكز الإيواء وتجمعات النازحين، حيث يتم تعليم الأهالي والأطفال كيفية التعرف على الأجسام المشبوهة وضرورة الابتعاد عنها وإبلاغ الجهات المختصة فوراً.
رغم جهود التوعية، تظل الحاجة ماسة لإدخال معدات متطورة وفرق دولية متخصصة في إزالة الألغام لتطهير المناطق السكنية. إن استمرار وجود هذه الذخائر يعني أن الحرب لم تنتهِ بالنسبة لسكان غزة، إذ يظل الموت الكامن تحت التراب يهدد كل من يحاول إعادة بناء منزله أو العودة إلى حياته الطبيعية.
تتفاقم معاناة المصابين في ظل انهيار المنظومة الصحية وصعوبة السفر لتلقي العلاج في الخارج أو تركيب أطراف صناعية. الكثير من الأطفال الذين فقدوا أطرافهم يواجهون مستقبلاً مجهولاً في ظل نقص الكراسي المتحركة والمعدات الطبية الخاصة التي تساعدهم على التكيف مع إعاقاتهم الجديدة.
إن المجتمع الدولي مطالب بالتحرك العاجل للضغط من أجل إدخال المعدات اللازمة لتحييد هذا الخطر الداهم وتوفير الدعم لضحايا الألغام. فبدون عملية تطهير شاملة وواسعة النطاق، ستبقى غزة ساحة لموت مؤجل يحصد أرواح الأبرياء حتى بعد توقف المدافع والطائرات عن القصف.
المصدر:
القدس