آخر الأخبار

الاحتلال يدفن الشهيد الطفل وديع عليان في مقابر الأرقام

شارك

تعيش عائلة الشهيد المقدسي وديع عليان صدمة قاسية بعد عامين من الانتظار المرير، عقب اكتشافها قيام سلطات الاحتلال بنقل جثمان طفلها من ثلاجات الاحتجاز إلى ما يعرف بـ 'مقابر الأرقام'. وجاء هذا الكشف الصادم عبر رد رسمي من النيابة العامة الإسرائيلية على التماس قدمه المركز القانوني لحماية حقوق الأقلية العربية 'عدالة'، مما بدد آمال العائلة في تشييع نجلها بما يليق بطفولته المغدورة.

وأظهرت الوثائق القانونية أن عملية الدفن تمت في التاسع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2025، بناءً على قرار اتخذ قبل أسبوع من التنفيذ دون إخطار العائلة أو الفريق القانوني المتابع للقضية. واعتبرت العائلة أن هذا الإجراء يمثل إمعاناً في التنكيل النفسي وحرماناً متعمداً من الحق في الوداع الأخير وإغلاق دائرة الحزن التي بدأت منذ إعدام وديع بدم بارد.

وكان الطفل وديع عليان، البالغ من العمر 14 عاماً، قد استشهد في الخامس من فبراير/شباط 2024 برصاص قوات الاحتلال قرب مدخل بلدة العيزرية شرقي القدس المحتلة. وزعمت سلطات الاحتلال حينها محاولته تنفيذ عملية طعن، وهي الذريعة التي يستخدمها الاحتلال لتبرير عمليات القتل الميداني واحتجاز الجثامين لفترات طويلة.

وعبر شادي عليان، والد الشهيد، عن ذهوله من رد النيابة العامة الذي وصفه بغير المتوقع، خاصة وأن العائلة كانت تعقد آمالاً على الإفراج عن الجثمان ضمن صفقات التبادل الأخيرة. وأكد الوالد أن حرمان الأسرة من دفن طفلها وفق تعاليم الشريعة الإسلامية يمثل انتهاكاً صارخاً لأبسط الحقوق الإنسانية والدينية التي تكفلها القوانين الدولية.

وشدد عليان على أن العائلة لن تتوقف عن المطالبة باسترداد جثمان وديع مهما طال أمد الاحتجاز في مقابر الأرقام، مؤكداً أن الهدف هو تحقيق العدالة بدفنه في مقابر العائلة المعلومة. ووصف حالة الانتظار بأنها أمنية مريرة، حيث بات حلم الأب الفلسطيني هو مجرد استلام جثمان فلذة كبده ليواريه الثرى بكرامة.

وفي حديث لمصادر إعلامية، استذكر الوالد ملامح طفله الذي كان يحلم بأن يصبح لاعب كرة قدم محترفاً، مشيراً إلى أن وديع كان يتمتع بشخصية قوية وحضور مميز بين زملائه في المدرسة. وأضاف أن ابتسامة وديع العفوية لا تزال تملأ زوايا المنزل، رغم الغياب الثقيل الذي فرضه الاحتلال على العائلة منذ لحظة استشهاده.

من جهتها، أوضحت المحامية سهاد بشارة من مركز 'عدالة' أن رد النيابة أكد دفن الجثمان في مقابر مخصصة للمحتجزين، رغم المراسلات المستمرة التي كانت تطالب بتوضيحات حول مصيره. وأشارت بشارة إلى أن المركز باشر باتخاذ إجراءات قانونية جديدة للمطالبة بتحرير الجثمان من مقابر الأرقام وتعيين جلسة عاجلة أمام المحكمة العليا.

من حقنا أن نودع طفلنا ونقبله قبلة الوداع، وأن يكون له قبر معلوم نزوره حين نشتاق إليه، لا أن يُدفن في مقابر الأرقام المجهولة.

وأكدت بشارة أن ما تعرض له الطفل وديع ليس حالة استثنائية، بل يندرج ضمن سياسة عامة ينتهجها جيش الاحتلال لدفن جثامين الشهداء المحتجزين دون إبلاغ ذويهم. واعتبرت أن هذا السلوك يمثل خرقاً واضحاً للإجراءات المتبعة ولحقوق العائلات في اتخاذ قرارات قانونية قبل تنفيذ أي عملية دفن من طرف واحد.

وفي سياق متصل، اعتبر حسين شجاعية، منسق الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء أن نقل الشهداء من الثلاجات إلى مقابر الأرقام هو أداة ردع وعقوبة جماعية تمارس ضد الفلسطينيين. ووصف هذه السياسة بأنها ممارسة 'سادية' تهدف للتحكم في الإنسان الفلسطيني حتى بعد موته، واستخدام الجثامين كأوراق ضغط في المفاوضات السياسية.

وتشير أحدث بيانات الحملة الوطنية إلى أن عدد الجثامين المحتجزة الموثقة لديها وصل إلى 785 جثماناً، من بينهم 78 طفلاً دون سن الثامنة عشرة. كما تضم القائمة 98 شهيداً من الحركة الأسيرة و10 شهيدات، مما يعكس حجم المأساة التي تعيشها مئات العائلات الفلسطينية المحرومة من دفن أبنائها.

وتبرز مدينة القدس بشكل خاص في هذا الملف، حيث تحتجز سلطات الاحتلال 52 جثماناً لشهداء مقدسيين، أقدمهم الشهيد جاسر شتات المحتجز منذ عام 1968. ويعد الطفلان خالد الزعانين ووديع عليان، وكلاهما في الرابعة عشرة من العمر، أصغر الشهداء المقدسيين الذين ترفض السلطات تسليم جثامينهم لعائلاتهم.

وتخالف هذه الممارسات الإسرائيلية بشكل صريح اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، وتحديداً المادتين المتعلقين باحتجاز الجثامين. حيث تنص المادة 130 على ضرورة دفن المتوفين باحترام وطبقاً لشعائر دينهم، وأن تُصان مقابرهم بطريقة تمكن من الاستدلال عليها دائماً.

كما تلزم القوانين الدولية الدولة الحاجزة بتقديم قوائم تبين مواقع المقابر وتفاصيل هوية المتوفين بمجرد انتهاء الأعمال العدائية أو تحسن الظروف. إلا أن الاحتلال يواصل ضرب هذه الأعراف عرض الحائط عبر استخدام 'مقابر الأرقام' التي تفتقر لأدنى معايير الكرامة الإنسانية وتخفي هوية الشهداء خلف أرقام معدنية صماء.

وتبقى قصة وديع عليان شاهداً على معاناة مستمرة يعيشها المقدسيون، حيث يلاحقهم الاحتلال في حياتهم ومماتهم، محاولاً طمس هويتهم وكسر إرادتهم عبر احتجاز الجثامين. وتستمر العائلة في معركتها القانونية والإنسانية، مدفوعة بأمل بسيط في أن يجد طفلهم مكاناً هادئاً تحت ثرى مدينته التي أحبها وحلم فيها بمستقبل لم يكتمل.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا