على مدار أكثر من أربعة عقود، لم يكتفِ النجم الأمريكي جون كوزاك بترك بصمة سينمائية غنية تجاوزت ثمانين فيلماً، بل صاغ لنفسه هوية سياسية صلبة جعلته أحد أبرز الوجوه العالمية المناهضة للحروب. كوزاك، الذي ولد في بيئة فنية وناشطة في إلينوي عام 1966، تحول من نجم مراهق في الثمانينيات إلى ناقد شرس للسياسات الإمبريالية، مستخدماً منصاته الرقمية لتعرية ما يصفه بـ 'المذبحة المفتوحة' في قطاع غزة.
تتسم مواقف كوزاك بالوضوح التام دون مواربة، حيث يشن هجوماً لا هوادة فيه على ممارسات هوليوود الحالية، واصفاً إياها بـ 'بيت الدعارة' الذي يفقد فيه الناس صوابهم. ولا يتوقف نقده عند حدود الفن، بل يمتد ليشمل الشؤون الحكومية الأمريكية، حيث يرى أن الإدارات المتعاقبة، سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية، متورطة بشكل مباشر في تمويل وتمكين جرائم الحرب حول العالم.
في أعقاب العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر 2023، تحول حساب كوزاك على منصة 'إكس' إلى ساحة نضال يومي، حيث طالب بوقف فوري لإطلاق النار وانتقد بشدة دعم الرئيس جو بايدن للاحتلال. ولم يتردد النجم العالمي في وصف ما يحدث بالإبادة الجماعية، مؤكداً أن دماء الفلسطينيين ليست أقل قيمة من أي دماء أخرى، وهو ما عرضه لهجمات شرسة من اللوبيات المؤيدة لإسرائيل.
تاريخ كوزاك مع القضية الفلسطينية ليس وليد اللحظة، ففي عام 2014 أعاد نشر مواد تدعم غزة خلال العمليات العسكرية آنذاك، وفي عام 2018 وقع رسالة لدعم حركة المقاطعة (BDS). كما انضم إلى أصوات عالمية طالبت الفنانين بإلغاء عروضهم في الأراضي المحتلة، معتبراً أن الفن لا يمكن أن ينفصل عن الأخلاق والقيم الإنسانية الأساسية.
ردود فعل اللوبي الصهيوني لم تتأخر، حيث أدرجت جماعة 'أوقفوا معاداة السامية' اسم كوزاك ضمن قائمتها لعام 2024، وهو ما سخر منه الممثل واصفاً إياهم بـ 'المجانين'. وأكد كوزاك أن محاولات ترهيبه بتدمير مستقبله المهني لن تجدي نفعاً، مشدداً على أن الإنسانية والوقوف ضد الظلم أهم بكثير من بريق الشهرة أو المكاسب المادية.
لا يوفر كوزاك أي رئيس أمريكي من سهام نقده، فقد وصف دونالد ترامب بـ 'النازي البغيض' والمجرم الذي يجب أن يكون خلف القضبان، كما انتقد باراك أوباما سابقاً بسبب سياسة الطائرات المسيرة. ويرى كوزاك أن النظام السياسي الأمريكي بات محكوماً بما يسميه 'الجنون الإمبريالي'، حيث يتم شراء الذمم والقرارات السياسية لخدمة أجندات خارجية.
في تصريحات حديثة ومثيرة للجدل، أشار كوزاك إلى أن السياسات العدوانية للولايات المتحدة وإسرائيل في الشرق الأوسط قد تدفع دولاً مثل إيران للسعي نحو الردع النووي. واعتبر أن حكومة بنيامين نتنياهو، الذي وصفه بأنه 'أحد أكثر رجال القرن شراً'، قد نجحت في السيطرة على القرار الأمريكي وتمويل حرب الإبادة الجماعية بمال دافعي الضرائب الأمريكيين.
نشاط كوزاك الميداني برز بوضوح خلال احتجاجات 'جورج فلويد' في شيكاغو عام 2020، حيث وثق بنفسه اعتداءات الشرطة وتعرض شخصياً للضرب ورش رذاذ الفلفل. هذه التجارب عززت قناعته بأن النظام الأمني والسياسي يحتاج إلى ثورة شاملة، وهو ما يفسر انضمامه لمنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين ودعمه لبيرني ساندرز.
على الصعيد المهني، اعترف كوزاك في مقابلات صحفية بتراجع تمويل مشاريعه السينمائية في السنوات الأخيرة، مرجعاً ذلك ربما لتقدمه في السن أو لمواقفه السياسية 'الباردة' تجاه النظام القائم. ومع ذلك، استعاد بعض بريقه في عام 2025 من خلال مشاركته في إنتاجات دولية ضخمة مثل الفيلم الصيني 'المحقق تشاينا تاون 1900'، بعيداً عن قيود الاستوديوهات الأمريكية التقليدية.
يرتبط كوزاك بعلاقات وثيقة مع شخصيات حقوقية ومبلغين عن المخالفات، مثل إدوارد سنودن الذي التقاه في موسكو عام 2015 رفقة الروائية أرونداتي روي. هذا اللقاء الذي توج بكتاب مشترك، يعكس اهتمام كوزاك العميق بقضايا المراقبة الجماعية والحريات المدنية واعتداءات السلطة على الصحافة والمدافعين عن الحقيقة.
في مواجهته الأخيرة مع إيلون ماسك، انتقد كوزاك دور الملياردير الأمريكي في إدارة ترامب الجديدة، واصفاً إياه بـ 'المختل والوحش'. ويرى كوزاك أن تحالف رأس المال المتوحش مع السلطة السياسية المتطرفة يمثل تهديداً وجودياً للديمقراطية ولحقوق الشعوب المضطهدة في كل مكان، لا سيما في فلسطين.
يظل جون كوزاك نموذجاً للمثقف المشتبك الذي يرفض دور 'المتفرج' على مآسي العصر، حيث يواصل استخدام حسابه على منصة 'إكس' كنمر متوثب للرد على كل تجاوز حقوقي. بالنسبة له، فإن الصمت أمام الإبادة هو مشاركة فيها، ولذلك يختار دائماً الطريق الصعب في مواجهة ماكينة الدعاية الصهيونية والغربية.
عائلة كوزاك الفنية، بدءاً من والده المخرج ريتشارد وصولاً إلى شقيقتيه آن وجوان، شكلت الوعي الثقافي والسياسي لهذا النجم الذي ترك جامعة نيويورك مبكراً ليصنع تاريخه الخاص. هذا التاريخ الذي يمتزج فيه الفن بالسياسة، يثبت أن النجومية الحقيقية تُقاس بالمواقف الأخلاقية في اللحظات التاريخية الفارقة، وليس فقط بعدد الجوائز.
ختاماً، يمثل كوزاك صوتاً نادراً في هوليوود يجرؤ على تسمية الأشياء بمسمياتها، واصفاً إسرائيل بدولة 'مجرمي حرب' والولايات المتحدة بشريكتها في الجريمة. ورغم كل الضغوط، يصر النجم الأمريكي على أن 'حياة كل البشر متساوية'، وهي القاعدة التي ينطلق منها في كل معاركه السياسية والإنسانية ضد قوى الاستعمار والظلم.
المصدر:
القدس