آخر الأخبار

تداعيات إغلاق باب المندب على الاقتصاد العالمي وقناة السويس

شارك

دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد العسكري عقب إعلان جماعة أنصار الله في اليمن انخراطها في المواجهة الدائرة، موجهة ضربات صاروخية نحو أهداف عسكرية في جنوب فلسطين المحتلة. وترافق هذا التحول الميداني مع تهديدات صريحة بإغلاق مضيق باب المندب، وهو الممر المائي الذي يمثل البوابة الجنوبية لقناة السويس وأحد أهم ركائز الملاحة الدولية.

يتميز مضيق باب المندب بموقع استراتيجي فريد يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن، حيث يتراوح عرضه بين 26 و32 كيلومترًا، بينما تضيق ممرات الملاحة الفعلية فيه لتصل إلى ميلين فقط لكل مسار. هذا الضيق الجغرافي يجعل من السهل استهداف حركة السفن، خاصة في ظل غياب مرجعية أمنية موحدة قادرة على ضبط الممر نتيجة الاضطرابات السياسية في الدول المشاطئة.

تعاني الضفة الغربية للمضيق من هشاشة أمنية مزمنة، بدءًا من النزاعات الحدودية بين إريتريا وجيبوتي وصولًا إلى الأزمات الداخلية في الصومال وإثيوبيا. أما في الجانب الشرقي، فقد أدت الحرب المستمرة في اليمن منذ سنوات إلى تقويض السيادة الفعلية على السواحل، مما مكن جماعة الحوثي من فرض سيطرة ميدانية واسعة على مناطق مطلة على البحر الأحمر.

تؤكد تقارير اقتصادية أن أي تعطيل في هذا الشريان الحيوي سينعكس فورًا على سلاسل الإمداد العالمية، مستحضرة ما حدث عند جنوح سفينة 'إيفر غيفن' في قناة السويس عام 2021. حينها بلغت الخسائر اليومية نحو 9 مليارات دولار، وهو ما يعطي مؤشرًا خطيرًا لما قد يؤول إليه الوضع في حال إغلاق باب المندب لفترات طويلة.

تعتمد الأسواق الأوروبية بشكل أساسي على النفط الخليجي العابر للمضيق، حيث سجلت الإحصائيات مرور أكثر من 9 ملايين برميل يوميًا عبر قناة السويس في النصف الأول من عام 2023. ويمثل هذا الرقم قرابة 9% من إجمالي الطلب العالمي على الطاقة، مما يجعل أي اضطراب في التدفقات نذيرًا بقفزات سعرية حادة في أسواق الوقود العالمية.

أفادت مصادر متخصصة في شؤون الطاقة بأن تدفقات النفط عبر باب المندب شهدت بالفعل تراجعًا بنسبة تجاوزت 50% خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2024. وجاء هذا الانخفاض نتيجة مباشرة للهجمات التي استهدفت السفن المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي، مما دفع شركات الشحن إلى البحث عن مسارات بديلة أكثر أمانًا.

يعد الالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح الخيار الوحيد المتاح في حال إغلاق المضيق، لكنه خيار مكلف للغاية من الناحيتين الزمنية والمادية. فهذا المسار يضيف آلاف الكيلومترات وأسابيع إضافية للرحلات البحرية، مما يؤدي إلى ارتفاع جنوني في تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما سيتحمله المستهلك النهائي في نهاية المطاف.

إن تعطل مضيقي باب المندب وهرمز معًا من شأنه أن يفتح الباب أمام أزمة طاقة عالمية حادة تستحضر صدمات تاريخية سابقة.

لا تتوقف التداعيات عند حدود قطاع الطاقة، بل تمتد لتشمل تجارة الحاويات التي يمر 30% منها عبر البحر الأحمر وقناة السويس. إن حدوث صدمة مزدوجة تشمل مضيقي هرمز وباب المندب معًا قد يؤدي إلى أزمة اقتصادية عالمية شاملة، تذكر بالأزمات النفطية الكبرى التي شهدها القرن الماضي ولكن بتعقيدات تكنولوجية ولوجستية أكبر.

تعتبر مصر المتضرر الأكبر من هذه الاضطرابات، حيث تمثل قناة السويس أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للبلاد. وقد كشفت البيانات الرسمية عن تراجع حاد في إيرادات القناة بنسبة تجاوزت 64% في مايو 2024، وهو انخفاض يعكس حجم العزوف الملاحي عن سلوك مسار البحر الأحمر نتيجة المخاطر الأمنية المتزايدة.

إلى جانب الخسائر المالية، انخفض عدد السفن العابرة للقناة بأكثر من النصف خلال عام واحد، مما وضع ضغوطًا هائلة على الاقتصاد المصري المنهك أصلًا. هذا التراجع لم يقتصر على عدد السفن بل شمل إجمالي حمولات البضائع، مما يهدد الاستقرار المالي لقطاعات واسعة مرتبطة بالخدمات البحرية واللوجستية في المنطقة.

على الصعيد الدولي، تبرز الصين كلاعب يحاول الموازنة بين مصالحه الاقتصادية ونفوذه المتنامي في المنطقة، حيث استمرت بعض سفنها في العبور الآمن رغم التصعيد. وتنظر بكين إلى هذه الممرات كجزء حيوي من مبادرة 'الحزام والطريق'، مما يجعل السيطرة على طرق التجارة ورقة رابحة في صراع النفوذ مع القوى الغربية.

تواجه الدول الإفريقية المطلة على المضيق، مثل جيبوتي وإريتريا، مخاطر شلل تام في قطاع الموانئ الذي يمثل عصب اقتصادها الوطني. إن توقف حركة الملاحة يعني فقدان هذه الدول لمواردها الأساسية، مما قد يفجر أزمات اجتماعية وسياسية جديدة في منطقة تعاني أساسًا من عدم الاستقرار المزمن.

تتفاعل أسواق المال والطاقة بسرعة فائقة مع احتمالات التعطل، حيث لا تنتظر الأسعار وقوع النقص الفعلي بل تتحرك بناءً على التوقعات. وإذا استمرت التهديدات، فمن المتوقع أن تشهد معدلات التضخم العالمي موجة ارتفاع جديدة، مما سيجبر البنوك المركزية على اتخاذ إجراءات نقدية قاسية قد تؤدي إلى ركود اقتصادي.

في الختام، يظل مضيق باب المندب أحد أهم مفاتيح الاستقرار العالمي التي لا يمكن الاستغناء عنها في بنية التجارة الدولية. إن تحول التهديدات إلى واقع ملموس سيفتح فصلاً جديداً من الصراع، تتجاوز آثاره الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط لتطال لقمة عيش الملايين حول العالم.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا