طوت مدينة القدس المحتلة شهر مارس/آذار الماضي على وقع انتهاكات إسرائيلية متصاعدة، طالت البشر والحجر والمقدسات الإسلامية والمسيحية على حد سواء. ووثقت مصادر ميدانية ارتقاء خمسة شهداء من أبناء المدينة، سقط اثنان منهم برصاص المستوطنين، في ظل مناخ من التحريض الرسمي الذي يمنح الضوء الأخضر لتصفية الفلسطينيين بذرائع واهية.
وفي تفاصيل الإعدامات الميدانية، استشهد الشاب مراد شويكي برصاص مستوطنين في تل أبيب أثناء عمله، بينما أعدمت قوات الاحتلال الشاب قاسم شقيرات داخل منزله في جبل المكبر. كما شهد مخيم قلنديا ارتقاء الشهيدين مصطفى حمد وسفيان أبو ليل خلال اقتحام عنيف واستهداف مباشر للمشيعين، لينضموا إلى قافلة شهداء العاصمة المحتلة.
وعلى صعيد المقدسات، يواصل الاحتلال فرض حصار مشدد على المسجد الأقصى المبارك، حيث استمر إغلاقه في وجه المصلين منذ نهاية فبراير الماضي. واقتصر الدخول إلى المسجد على 25 موظفاً فقط من دائرة الأوقاف الإسلامية، ضمن إجراءات أمنية معقدة تشمل التدقيق المسبق في الهويات وتحديد ساعات الدخول والخروج بدقة متناهية.
وأعلنت سلطات الاحتلال رسمياً عن تمديد إغلاق المسجد الأقصى حتى منتصف شهر أبريل الجاري، في خطوة تهدف لتفريغه وتكريس واقع جديد. ورغم هذه القيود، حاول المقدسيون كسر الحصار عبر أداء الصلوات في أقرب نقاط ممكنة من المسجد، وتحديداً أمام مقبرة باب الرحمة، حيث قوبلوا بقمع عنيف من قبل شرطة الاحتلال.
وفي سياق التحريض، استغلت جماعات 'الهيكل' المتطرفة إغلاق المسجد لتكثيف دعواتها لفرض 'قربان الفصح' داخل باحاته. واستخدمت هذه الجماعات تقنيات الذكاء الاصطناعي لنشر صور تروج لهدم الأقصى وبناء الهيكل المزعوم مكانه، وسط مطالبات بفرض السيادة الكاملة ومنع المسلمين من الوصول للمكان نهائياً.
ولم تقتصر الانتهاكات على المسجد الأقصى، بل امتدت لتطال الوجود المسيحي في المدينة، حيث منعت قوات الاحتلال بطريرك اللاتين الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا من دخول كنيسة القيامة. وحال هذا المنع دون إقامة قداس 'أحد الشعانين' في موعده، مما يعكس سياسة التضييق الشاملة على حرية العبادة لكافة الأديان في القدس.
أما في ملف الهدم والتهجير، فقد نفذت آليات الاحتلال 11 عملية هدم خلال الشهر المنصرم، أدت إلى تشريد عشرات المقدسيين من منازلهم. وبرز حي البستان في بلدة سلوان كأحد أكثر المناطق تضرراً، حيث جرى هدم مربع سكني كامل يضم خمسة منازل لصالح مشاريع استيطانية تهدف لإقامة 'حدائق توراتية'.
وفي حي بطن الهوى، واجهت 15 عائلة مقدسة مصير التهجير القسري بعد إخلائها من منازلها لصالح جمعية 'عطيرت كوهنيم' الاستيطانية. وتأتي هذه الخطوات ضمن مخطط أوسع لتغيير التركيبة الديموغرافية في محيط البلدة القديمة، عبر إحلال المستوطنين مكان أصحاب الأرض الأصليين بقرارات قضائية مسيسة.
وعلى مستوى الاعتقالات، سجلت مصادر حقوقية اعتقال نحو 100 مواطن مقدسي، من بينهم أطفال ونساء، خضع بعضهم للتحقيق القاسي أو الحبس المنزلي. كما أصدرت محاكم الاحتلال 35 قراراً بالاعتقال الإداري، وهو إجراء يتيح احتجاز الفلسطينيين لفترات طويلة دون توجيه تهم رسمية أو محاكمة عادلة.
وشملت العقوبات الجماعية أيضاً إصدار 17 أمر إبعاد، استهدف معظمها المرابطين والموظفين في المسجد الأقصى المبارك لمنعهم من ممارسة دورهم في حمايته. كما تم إبلاغ الأسير المحرر رشيد الرشق بقرار سحب حق الإقامة الدائمة منه، في محاولة لطرده نهائياً من مسقط رأسه ومدينة أجداده.
وفي الجانب الاستيطاني، وسع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير دائرة الإسرائيليين المؤهلين لحمل السلاح في القدس، ليشمل القرار أكثر من 300 ألف مستوطن إضافي. هذا القرار يفاقم المخاطر الأمنية على الفلسطينيين، خاصة مع تزايد هجمات المستوطنين على التجمعات البدوية المحيطة بالمدينة مثل 'خلة السدرة'.
وختم الشهر برحيل المؤرخ الفلسطيني البارز وليد الخالدي، الذي أفنى حياته في توثيق التاريخ الفلسطيني ومواجهة الرواية الصهيونية الزائفة. ويأتي رحيله في وقت تمر فيه القدس بأصعب مراحلها، حيث يسابق الاحتلال الزمن لتهويد ما تبقى من معالمها وتغيير هويتها العربية والإسلامية وسط صمت دولي مطبق.
المصدر:
القدس