أكد حجاي إلعاد، المدير العام السابق لمنظمة 'بتسيلم' الحقوقية أن المجازر والعمليات العسكرية التي تشهدها الضفة الغربية المحتلة ليست عشوائية، بل تتبع استراتيجية واضحة تهدف لترهيب الفلسطينيين وتهجيرهم. وأوضح إلعاد أن هذه السياسة تختزلها عقلية 'دير ياسين'، التي تسعى لتحويل البلاد بالكامل لتكون تحت سيطرة اليهود فقط عبر التخلص من الوجود الفلسطيني.
ويرى إلعاد أن المشروع الصهيوني حقق انتصاراً شبه كامل من الناحية العسكرية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن السيطرة المطلقة على الموارد الطبيعية والمياه. ومع ذلك، يظل العامل الديموغرافي هو التحدي الوحيد الذي لم يُحسم بعد لصالح إسرائيل، حيث لا يزال الفلسطينيون يشكلون نصف السكان بين النهر والبحر.
وأشار الحقوقي الإسرائيلي إلى أن نتائج عام 1967 لم تكرر نكبة 1948 من حيث حجم التهجير، مما أدى إلى حالة من 'التعادل العددي' التي تثير قلقاً عميقاً لدى المؤسسة الإسرائيلية. هذا التكافؤ في العدد، رغم غياب التكافؤ في الحقوق والقوة، يضع إسرائيل في مأزق بنيوي يحاول قادتها حله عبر أدوات القوة والتشريع.
واعتبر إلعاد أن سياسات الحكومة والجيش والمحاكم تتمحور حول سد هذه الفجوة الديموغرافية، إما عبر الاعتراف بالواقع ثنائي القومية أو اللجوء للتطهير العرقي. وبما أن الخيار الأول مرفوض صهيونياً، فإن التوجه نحو 'الترانسفير' يظل الحلم الذي يسعى الاحتلال لتحقيقه للتخلص من عبء نظام الأبارتهايد.
واستحضر إلعاد تصريحات تاريخية لدافيد بن غوريون من عام 1949، حيث ربط الأخير بين قيام دولة يهودية في كامل البلاد وبين ضرورة تنفيذ مجازر على شاكلة دير ياسين. وبحسب بن غوريون، فإن السيطرة على الأرض دون تهجير العرب ستجعل الدولة تحت رحمة أغلبية غير يهودية، وهو ما يرفضه الفكر الصهيوني.
ويستنتج التحليل أن حدود إسرائيل لم تكن يوماً مسألة عسكرية فحسب، بل هي حدود ديموغرافية رُسمت بمقدار ما أمكن تنفيذه من عمليات تهجير قسري. ففي عام 1948 نجحت إسرائيل في خلق أغلبية داخل الخط الأخضر، لكنها فشلت في تكرار ذلك بالكامل بعد حرب عام 1967.
وحذر إلعاد من أن إسرائيل تهرب حالياً إلى الأمام عبر تصعيد المواجهات الإقليمية مع إيران ولبنان، لكن هذه الحروب لن تعالج الأزمة الجوهرية المتمثلة في الوجود الفلسطيني. وأكد أن المسارات الدبلوماسية مثل 'اتفاقيات أبراهام' لن تغير الميزان الديموغرافي على الأرض، لأن الفلسطينيين متمسكون بوطنهم.
ونبهت مصادر حقوقية إلى أن الحروب الكبرى غالباً ما تُستغل كفرصة لتمرير مخططات التهجير التي تكون 'مؤجلة' في أوقات السلم النسبي. وما يحدث اليوم في غزة والضفة الغربية يعيد إحياء خيار 'دير ياسين' الذي لم يُرفع يوماً عن طاولة القرار الإسرائيلي منذ عقود طويلة.
وفيما يخص مناطق (ج) في الضفة الغربية، أوضح إلعاد أن العنف الممارس هناك يهدف لدفع السكان نحو التطهير العرقي التدريجي عبر تدمير سبل العيش. هذا المنطق يفسر أيضاً عمليات تجريف المخيمات واقتلاع عشرات الآلاف من الفلسطينيين من منازلهم تحت ذرائع أمنية واهية.
ووصف إلعاد ما يحدث حالياً بأنه 'تطهير داخلي'، حيث يتم تجميع الفلسطينيين في معازل ضيقة ومكتظة مع توسيع السيطرة الإسرائيلية على الأراضي المفتوحة. والرهان الإسرائيلي يعتمد على جعل حياة هؤلاء السكان مستحيلة، بحيث يصبحون أكثر عرضة للتهجير النهائي عند توفر الظروف السياسية المناسبة.
وأكد التحليل أن المسألة في جوهرها تتعلق بكيفية إدارة معضلة ديموغرافية لم تُحسم، حيث تتأرجح السياسة الإسرائيلية بين نظام الفصل العنصري وبين خيار التهجير القسري. وكلما زاد الضغط العسكري، تلاشت الحساسيات الدولية تجاه جرائم التطهير العرقي التي تُرتكب بدم بارد.
وخلص إلعاد إلى أن 'دير ياسين' ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل هي واقع يعيشه الفلسطينيون يومياً في ظل سياسات الاقتلاع المستمرة. إنها السردية التي تحاول إسرائيل إنكارها بينما تمارسها فعلياً في كل حي وزقاق، محاولةً محو حقيقة أن هذه الأرض هي وطن لشعب آخر.
وشدد المدير السابق لبتسيلم على أن استيعاب حجم العنف وسفك الدماء الذي مارسه 'الآباء المؤسسون' ضروري لفهم ما يرتكبه الجيل الحالي من القادة الإسرائيليين. فالهدف النهائي يظل ثابتاً، وهو توريث الأبناء بلداً خالياً من الفلسطينيين عبر تعميم نموذج 'دير ياسين' في كل مكان.
وفي ختام قراءته، أشار إلعاد إلى أن الصمت الدولي تجاه نظام الأبارتهايد يشجع إسرائيل على الانتقال إلى المرحلة الأكثر خطورة وهي التهجير الشامل. إن البقاء الفلسطيني على الأرض هو العائق الوحيد الذي يمنع اكتمال المشروع الصهيوني كما خطط له بن غوريون قبل أكثر من سبعة عقود.
المصدر:
القدس