آخر الأخبار

يوم الأرض: 50 عاماً من الاستيطان المتجذر في فلسطين

شارك

عبد الله أبو رحمة: جوهر الصراع منذ 1948 على الأرض وبقي محور السياسة الإسرائيلية وأساس مشاريعها الاستعمارية
د. أحمد رفيق عوض: المشروع الصهيوني توسّع بصورة هائلة ما جعل ذكرى يوم الأرض تبدو هامشية قياساً بحجم الكوارث المستمرة
د. خليل تفكجي: ما يجري في الأراضي الفلسطينية من توسع استيطاني وعمليات تطهير عرقي امتداد لمسار إسرائيل منذ "يوم الأرض"
د. حسن بريجية: الصراع لا يزال يتمحور حول الأرض باعتبارها الدولة والحلم والمستقبل للفلسطينيين الذين لم يعد أمامهم سوى الصمود
د. تمارا حداد: المشروع الاستيطاني تحول إلى شبكة جغرافية مترابطة عبر ربط الكتل الاستيطانية بالمستوطنات لإعادة هندسة الضفة
نزار نزال: الاستيطان محاولة لحسم الصراع.. ومواجهته تكمن في الجمع بين الصمود الميداني والضغط الدولي وإعادة بناء النظام السياسي

رام الله - خاص بـ "القدس"-


تأتي الذكرى الخمسين ليوم الأرض التي تحل ذكراها اليوم، في ظل عمق التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية، في وقت يبقى جوهر الصراع ثابتاً: الأرض والهوية، وتصاعد الاستيطان.
منذ عام 1976 وحتى اليوم، تتواصل السياسات الهادفة إلى السيطرة على الجغرافيا الفلسطينية، عبر توسع استيطاني متسارع، وتشريعات تُعيد إنتاج ذات النهج الذي بدأ بالمصادرة المباشرة لينتقل إلى منظومة أشمل من الأدوات القانونية والأمنية والاقتصادية. وبعد نصف قرن على يوم الأرض تغيّرت السياقات السياسية والإقليمية، لكن الشعب الفلسطيني ظل يواجه ذات المعادلة التي تقوم على محاولات انتزاع الأرض من أصحابها الأصليين.
وخلال العقود الماضية، اتخذ الاستيطان أشكالاً متعددة، بدءاً من إنشاء المستوطنات الكبرى والبؤر الاستيطانية العشوائية، وصولاً إلى إنشاء الجدار، والطرق الالتفافية، وتقييد التوسع العمراني الفلسطيني إلى أدوات هندسة ديمغرافية وجغرافية شاملة.
وتزامن ذلك مع اتساع دائرة العنف المنظّم الذي تمارسه مجموعات المستوطنين، وفرض واقع ميداني جديد في مناطق مختلفة بالضفة الغربية، خاصة الأغوار والمناطق الرعوية والقرى المهددة.
ويرى مختصة ومسؤولون وكتاب ومحللون سياسيون، في أحاديث لـ"ے"، أنه في ظل انشغال العالم بأزمات إقليمية ودولية، وجدت إسرائيل فرصة لتعزيز مشروع طويل الأمد يقوم على إعادة تشكيل الضفة الغربية وقطع تواصلها الجغرافي، عبر تعميق الاستيطان والسيطرة لتمتد الأطماع ليس إلى كامل فلسطين بل إلى دول الجوار، مشيرين إلى أنه رغم تعقّد المشهد وتراجع مركزية القضية الفلسطينية دولياً في فترات عدة، بقي الصمود الشعبي ركناً أساسياً في مواجهة هذه السياسات، سواء عبر البقاء في الأرض، أو تفعيل أشكال المقاومة الشعبية، أو اللجوء إلى المسار القانوني والدبلوماسي، مؤكدين ضرورة بناء رؤية وطنية جامعة تعيد صياغة آليات المواجهة وتوحيد الجهود الفلسطينية.



الصراع على الأرض

يؤكد مدير عام دائرة العمل الشعبي في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عبد الله أبو رحمة أن جوهر الصراع منذ عام 1948 وحتى اليوم لم يتغير، إذ بقي الصراع على الأرض محور السياسة الإسرائيلية وأساس مشاريعها الاستعمارية.
ويوضح أبو رحمة أن كل المخططات الاستيطانية الإسرائيلية، منذ "ألون" و"دروبلس" و"شارون" وصولاً إلى سياسات نتنياهو وطموحات سموتريتش، تشترك في هدف واحد: الاستيلاء على الأرض الفلسطينية وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليها.
ويؤكد أبو رحمة أن هذه الخطط لا تُنفّذ دفعة واحدة، بل تُمرَّر في توقيتات مدروسة تتناسب مع الظرف السياسي والإقليمي، مشيراً إلى أن الاحتلال بدأ بإنشاء الدولة عام 1948، ثم توسّع باحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 ثم احتلال سيناء والجولان، لينتقل لاحقاً إلى بناء المستوطنات، ثم جدار الفصل العنصري، ثم البؤر الاستيطانية التي تشكل أدوات عملية للسيطرة على الجغرافيا الفلسطينية وضم الضفة الغربية تدريجياً.

مشروع استيطاني لم يتوقف

ويشير أبو رحمة إلى أن التحولات الجارية اليوم، سواء في سوريا عبر تمدد السيطرة الإسرائيلية جنوباً، أو في لبنان عبر توغلات عسكرية وتصريحات رسمية تتبنى رؤية "إسرائيل من النهر إلى البحر"، تؤكد أن المشروع التوسعي لم يتوقف، بل يتسارع مستفيداً من ظروف الحروب الإقليمية ومن حالة الانشغال الدولي بالصراعات الكبرى.
ويرى أبو رحمة أن ما جرى في يوم الأرض عام 1976 كان جزءاً من هذه المخططات، لكن الاختلاف يكمن في تغير الظروف؛ فبينما شكّلت هبّة سخنين وعرابة والمثلث رداً شعبياً قوياً، بات الواقع اليوم أكثر تعقيداً مع اشتداد الحروب منذ 7 أكتوبر 2023، وما تلاها من تصعيد إقليمي، ما أتاح لإسرائيل تمرير سياساتها بوتيرة أعلى.

الصمود الشعبي هو الأساس

وفي ما يتعلق بسبل مواجهة التوسع الاستيطاني، يشدد أبو رحمة على أن الصمود الشعبي هو الأساس الذي لا يمكن تجاوزه، رغم ما يواجهه الفلسطينيون من مخاطر مباشرة على حياتهم وحياة أسرهم.
ويعتبر أبو رحمة أن بقاء الفلسطينيين في أرضهم ورفض الهجرة هو "العمود الفقري وحجر الزاوية" في الحفاظ على الحق الفلسطيني.
ويلفت أبو رحمة إلى أن هذا الصمود يحتاج إلى دعم من الفصائل الفلسطينية التي يقع على عاتقها دور مركزي في تفعيل المقاومة الشعبية، سواء عبر فعاليات منظمة أو مبادرات ميدانية، وليس فقط من خلال ردود الفعل.

لجان الحماية في التجمعات المهددة

ويشدد أبو رحمة على ضرورة إنشاء وتعزيز لجان الحماية في التجمعات المهددة، نظراً لعمل ميليشيات المستوطنين بشكل منظم ومباغت، وبفضل التسليح والدعم الحكومي الذي يجعلها قادرة على إيقاع خسائر كبيرة بالفلسطينيين.
ويشير أبو رحمة إلى أن تنظيم هذه اللجان، وتنسيق الجهود، وتسهيل التواصل بين الأهالي، واليقظة الدائمة، هي عوامل حاسمة في التصدي لاعتداءات المستوطنين، بحيث تكون المبادرة بيد الفلسطينيين في مواجهة أي محاولة اقتحام أو اعتداء.

أهمية الملاحقة القانونية

ويشدد أبو رحمة على أهمية الملاحقة القانونية، عبر توثيق الاعتداءات ورفع الشكاوى في الشرطة الفلسطينية ثم عبر الارتباط العسكري، إلى جانب توثيق محاولات منع الوصول للأراضي لحمايتها من المصادرة.
ويؤكد أبو رحمة ضرورة نقل هذه الملفات إلى المستوى الدولي، لملاحقة المستوطنين المجرمين والمسؤولين السياسيين الذين يوفرون لهم الغطاء والدعم.
ويدعو أبو رحمة المجتمع الدولي إلى وضع أسماء المستوطنين وقياداتهم على قوائم سوداء لمنع سفرهم واعتقالهم في أي دولة تتبنى القوانين الدولية، مشيراً إلى أن الحكومة الإسرائيلية شريك مباشر في الجرائم عبر التسليح، والدعم اللوجستي، وشرعنة البؤر الاستيطانية.
ويؤكد أبو رحمة أن الحراك الدبلوماسي جزء لا يقل أهمية عن الأدوات الأخرى، من خلال الضغط الدولي، والمقاطعة، وفرض العقوبات، وسحب الاستثمارات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية شديدة الصعوبة، لكن الصمود والمقاومة هما الأساس الذي يُبقي الفلسطيني على أرضه رغم كل الانتهاكات.

نصف قرن على يوم الأرض

يشدد الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض على أن نصف قرن من الزمن كان كافياً ليشهد المشهد السياسي والاجتماعي في إسرائيل وفلسطين تحولات جوهرية وعميقة، جعلت ذكرى يوم الأرض تتراجع من حدث وطني مقاوم إلى رمز ثقافي وإنساني في ظل انفجار تحديات أكبر وأكثر خطورة.
ويوضح عوض أن المجتمع الإسرائيلي خلال العقود الخمسة الماضية انتقل إلى حالة أكثر عدوانية ووحشية وفاشية، ولم يعد يتأثر بالمظاهرات أو أشكال الاحتجاج الفلسطينية، بل على العكس، تعاظمت قدرته على فرض القيود وتشديد السياسات القمعية تجاه الفلسطينيين عبر قوانين تستهدف الأرض، وضرائب مُرهقة، ومنع التوسع العمراني في القرى والمدن العربية داخل الخط الأخضر.

حدث رمزي

ويشير عوض إلى أن الجمهور الفلسطيني في الداخل طور هو الآخر أدواته وتكتيكاته، محولًا ذكرى يوم الأرض إلى حدث رمزي للتأكيد على وجود شعب ما يزال يطالب بحقوقه رغم ما يعانيه من تهميش وإهمال واستلاب.
ويلفت عوض إلى أن الاهتمام الشعبي والعربي والدولي بالذكرى تراجع بشكل كبير بسبب تعدد الأزمات الكبرى والحروب والمجازر التي باتت تطغى على المشهد الفلسطيني والعالمي.

توسع هائل في المشروع الصهيوني

ويبيّن عوض أن المشروع الصهيوني توسّع بصورة هائلة خلال الخمسين عاماً الأخيرة، فاحتل أراضٍ واسعة، وطارَد الفلسطينيين في كل أماكن وجودهم، سواء داخل فلسطين أو في دول الجوار، مما جعل ذكرى يوم الأرض تبدو هامشية قياساً بحجم الكوارث المستمرة.
ويشير عوض إلى أن التحولات الإقليمية والدولية، وتغير المزاج العالمي، كلها عوامل دفعت هذه الذكرى إلى موقع أقل أهمية رغم رمزيتها المتجذّرة.
ويؤكد عوض أن مواجهة الواقع الاستيطاني تشكل معضلة مركّبة تتطلب عملاً على مستويات دبلوماسية وقانونية وشعبية ودولية، مشيراً إلى أن سياسة الاستيطان "مجرمة ومعقدة وطويلة ومكلفة".

مشروع استيطاني يتمدد

ويرى عوض أن كبح هذا المشروع لا يعتمد على الفلسطينيين وحدهم، بل على مجمل الوضع في الإقليم والعالم، لأن إسرائيل لا تصعّد الاستيطان إلا عندما يكون الفلسطينيون والدول المحيطة والمجتمع الدولي في أضعف حالاتهم.
وبحسب عوض، فإن الاستيطان جزء جوهري من العقلية الاحتلالية التي تقوم على "الحصول على أرض أكثر وسكان أقل"، وهو مشروع ممتد منذ أكثر من سبعين عاماً، ولا يمكن وقفه دون إيقاف الاحتلال نفسه.
ويؤكد عوض أن الفلسطينيين لا يملكون إجابة كاملة حول كيفية إنهاء هذا الوضع، لأن وقف الاستيطان يتطلب رداً واسعاً ومنسقاً يشارك فيه أطراف عديدة، في وقت يعاني فيه الفلسطينيون من أضعف ظروفهم التاريخية.

السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض

يؤكد الخبير في شؤون الاستيطان د. خليل تفكجي أن ما يجري اليوم في الأراضي الفلسطينية من توسع استيطاني وعمليات تطهير عرقي هو امتداد مباشر للمسار الذي بدأته إسرائيل منذ يوم الأرض عام 1976، حين شرعت بخطط واضحة لتهويد الجليل والنقب والسيطرة الممنهجة على الأرض بهدف منع قيام دولة فلسطينية مستقبلًا.
ويوضح تفكجي أن القوى الوطنية في الداخل وفي الضفة الغربية وقطاع غزة أدركت مبكرًا أن جوهر السياسة الإسرائيلية يتمثل في السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض، معتبرًا أن ذلك النهج تعمّق واتسع خلال العقود اللاحقة دون توقف.

قضم الأرض وسياسات متواصلة

ويلفت تفكجي إلى أن إسرائيل واصلت، منذ 50 عاماً وحتى اليوم، "قضم الأرض" عبر إنشاء مستوطنات كبرى في الجليل—أبرزها مستوطنة "كرمائيل"—وتكثيف عمليات التطهير العرقي في النقب ضد التجمعات البدوية.
ويشير تفكجي إلى أن المشهد الحالي في الضفة الغربية يؤكد استمرار هذا البرنامج، من خلال تسارع عمليات التهويد، ومصادرة الأراضي، وتفريغ المناطق الفلسطينية من سكانها، خصوصاً في الأغوار والمناطق الرعوية التي أصبحت هدفًا مباشرًا للمستوطنين وللمزارع الاستيطانية الجديدة، التي تُستخدم كأداة توسع فعلي على الأرض.
ويؤكد تفكجي أن إسرائيل تعمل كذلك على إعادة تفعيل مستوطنات أُخليت سابقًا، وفرض وقائع ميدانية في مناطق مصنفة (أ) مثل مستوطنة "إيبال" على جبل عيبال شمال نابلس، بالإضافة إلى التحركات الاستيطانية في منطقة النبي يونس بالخليل.

عملية السلام وُضعت في الثلاجة

ويبيّن تفكجي أن عملية السلام وُضعت في الثلاجة منذ سنوات، بينما استمرت الحكومات الإسرائيلية—خصوصًا اليمينية منها—ببناء وتوسيع المستوطنات وفرض السيطرة الكاملة على الضفة الغربية، حتى باتت المساحات الخاصة بالفلسطينيين تتقلص يومًا بعد يوم.
ويؤكد تفكجي أن الخطاب الإسرائيلي اليميني بات أكثر وضوحًا، ويعلن صراحة أن "ما بين النهر والبحر دولة واحدة"، أي نفي إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.

برنامج فلسطيني غائب

وينتقد تفكجي غياب أي برنامج فلسطيني مواجه لهذا الواقع، مؤكدًا أن التعامل الرسمي والشعبي اقتصر على "إحياء ذكرى يوم الأرض" من دون وجود رؤية واضحة أو خطوات عملية لحماية الأرض أو دعم التجمعات الفلسطينية المهدَّدة.
ويشير تفكجي إلى أن الاعتداءات المتصاعدة للمستوطنين—من هجمات على حوارة إلى المغير وترمسعيا—تعكس سياسة منظمة تهدف إلى التطهير العرقي وإجبار الفلسطينيين على الرحيل القسري.

مناسبة رمزية "لا تحمل سوى الذكرى"

ويؤكد تفكجي أن استمرار الوضع القائم سيحوّل يوم الأرض إلى مجرد مناسبة رمزية "لا تحمل سوى الذكرى"، في ظل تسارع الاستيطان، وتزايد المصادرات، وتصاعد العنف المنظم الذي يمارسه المستوطنون باعتبارهم "الأداة التنفيذية للحكومة الإسرائيلية".

تحولات أكثر خطورة

ويحذّر تفكجي من أن السنوات المقبلة قد تشهد تحولات أكثر خطورة إذا لم يُبنَ برنامج فلسطيني عملي يحمي ما تبقى من الأرض، مؤكدًا أن المعادلة الحالية تُظهر مشروعًا إسرائيليًا طويل النفس، مقابل غياب رؤية فلسطينية مستقبلية.

الصراع على الأرض جوهر الصراع

يوضح الباحث في شؤون الاستيطان د. حسن بريجية أن الذكرى الخمسين ليوم الأرض تعيد التأكيد على جوهر الصراع القائم منذ عقود، وهو الصراع على الأرض باعتبارها أساس الهوية والمستقبل الفلسطيني.
وبحسب بريجية، فإن الأدوات الإسرائيلية تطورت وتغيّرت، فبينما ارتكب الجيش والحكومة الجرائم بشكل مباشر عام 1976، باتت إسرائيل اليوم تعمل عبر منظومة أوسع تشمل المستوطنين والجهاز القضائي والشرطة والجيش، لتوفير غطاء رسمي للتمدد الاستيطاني المتسارع.
ويوضح بريجية أن إسرائيل باتت تستخدم المستوطنين كواجهة لتنفيذ السياسات نفسها التي كانت تنفذها الحكومة بشكل مباشر سابقاً، ما يجعل المواجهة أكثر تعقيداً.
ويشير بريجية إلى أن الصراع بعد كل هذه العقود لا يزال يتمحور حول الأرض باعتبارها الدولة والحلم والمستقبل والحق الطبيعي للفلسطينيين.

الصمود على الأرض

وحول الخيارات المتاحة بعد خمسة عقود من التوسع الاستيطاني، يشدد بريجية على أن الفلسطينيين لا يملكون إلا خياراً واحداً واضحاً: الصمود على الأرض، والحفاظ على الوحدة واللحمة المجتمعية، والبقاء المتجذر في المكان.
ويؤكد بريجية أن هذا الصمود هو الطريق الوحيد لصدّ "غول الاستيطان" وحماية ما تبقى من الجغرافيا الفلسطينية لأجيال قادمة.

إعادة قراءة التحولات العميقة

تؤكد الكاتبة والباحثة السياسية د. تمارا حداد أن الذكرى الخمسين ليوم الأرض تمثل محطة مركزية لإعادة قراءة التحولات العميقة التي شهدتها القضية الفلسطينية، معتبرة أن مجرد صمود الفلسطيني على أرضه يشكّل بحد ذاته فعل مقاومة متجذّر.
وتشير حداد إلى أن يوم الأرض لم يكن حدثاً عابراً، بل أصبح جزءاً من الوعي الوطني الفلسطيني، كونه يرتبط مباشرة بهوية الشعب ووجوده وجغرافيته وديمغرافيته، ويعكس عمق الصراع على الأرض في ظل التسارع الاستيطاني غير المسبوق.
وتوضح حداد أن ما جرى عام 1976 من مصادرة للأراضي كان بداية لتحول استراتيجي في أدوات السيطرة الإسرائيلية، ففي حين كان الاحتلال يعتمد سابقاً على المصادرة العلنية والقرارات المباشرة لإفراغ الأرض من سكانها الأصليين، انتقلت إسرائيل خلال العقود الخمسة الماضية إلى منظومة قانونية وإدارية أكثر تعقيداً، تشمل تصنيف الأراضي وفرض قيود تخطيطية صارمة.

استغلال تصنيفات الأرض

وتشير حداد إلى أن الاحتلال يستغل تصنيفات مناطق (أ) و(ب) و(ج) لفرض سيطرته على أوسع مساحة ممكنة، عبر منع التوسع العمراني الفلسطيني، وإصدار أوامر الهدم بحجة عدم الترخيص، وإعلان مناطق واسعة كمحميات طبيعية أو مناطق عسكرية.
وتبيّن حداد أن الهدف الاستراتيجي لهذه السياسات هو حشر الفلسطينيين في مراكز المدن، وتحويلها إلى كانتونات معزولة جغرافياً وديمغرافياً، بما يعيق إمكانية قيام دولة فلسطينية مترابطة.

المشروع الاستيطاني شبكة جغرافية مترابطة

وتؤكد حداد أن المشروع الاستيطاني لم يعد مجرد مستوطنات متفرقة، بل تحول إلى شبكة جغرافية مترابطة عبر ربط الكتل الاستيطانية الكبرى بالمستوطنات والبؤر العشوائية، في محاولة لإعادة هندسة الضفة الغربية بالكامل.
وتوضح حداد أن الاحتلال يسعى أيضاً إلى إضعاف أدوات صمود الفلسطينيين عبر نشر ما يزيد عن ألف حاجز في الضفة الغربية، والضغط الأمني والميداني لخنق أي حراك شعبي أو احتجاجات مستقبلية، وصولاً إلى إحباط الروح المجتمعية الفلسطينية.

الانشغال بالأزمات العالمية والإقليمية

وتشير حداد إلى أن الانشغال الدولي بالأزمات العالمية والإقليمية، ومنها المواجهة الأمريكية–الإيرانية، سمح لإسرائيل بفرض مزيد من الوقائع على الأرض في ظل تراجع نسبي في مركزية القضية الفلسطينية دولياً.
وتؤكد حداد أن التحولات الإقليمية وإعادة ترتيب أولويات الشرق الأوسط انعكست سلباً على مستوى الضغط السياسي لوقف المصادرة، بينما تواصل إسرائيل تنفيذ خطة طويلة المدى عنوانها "إسرائيل الكبرى" عبر تفكيك الجغرافيا الفلسطينية وقطع التواصل الجغرافي والاجتماعي والاقتصادي بين التجمعات السكانية.

أهمية تعزيز صمود المواطنين

وحول الخيارات الفلسطينية، تشدد حداد على أن تعزيز صمود المواطنين يبقى أهم أدوات مواجهة الاستيطان، عبر دعم الزراعة والمشاريع الاقتصادية المحلية وحماية التجمعات المهددة. وتدعو حداد إلى استمرار المسار الدبلوماسي والقانوني واللجوء للمحاكم الدولية، وتفعيل الاتصالات مع الدول المؤثرة لإعادة وضع القضية الفلسطينية في مقدمة الأولويات الدولية.
وترى حداد أن غياب استراتيجية سياسية فلسطينية موحّدة يضعف القدرة على مواجهة مشروع استيطاني طويل الأمد، مؤكدة ضرورة بناء رؤية وطنية جامعة لتحويل الجهود المتفرقة إلى تأثير فعلي.
وتشدد حداد على أهمية تشكيل لجان الحماية الشعبية في المناطق المهددة، وتعزيز الضغط الإعلامي الدولي عبر سردية حقوقية وقانونية تقوم على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
وتؤكد حداد أن الصراع لم يعد على قطعة أرض بقدر ما أصبح على إعادة تشكيل الجغرافيا والسياسة الفلسطينية بالكامل، وأن مستقبل القضية يعتمد على الجمع بين الصمود الميداني والنضال السياسي والقانوني في آن واحد، باعتبارهما الركيزة الأساسية لحماية الأرض والهوية.

جوهر الصراع: الأرض والهوية

يؤكد الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي وقضايا الصراع نزار نزال أن التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية منذ عام 1976 – تاريخ انطلاق يوم الأرض – ضخمة وعميقة، لكن جوهر الصراع ظل ثابتاً: الأرض والهوية. ويوضح نزال أن ما بدأ حينها بمصادرة آلاف الدونمات في الجليل، اتسع اليوم ليصبح منظومة استعمارية كاملة تلتهم الجغرافيا الفلسطينية بأكملها، وتحوّل المشروع الاستيطاني إلى مشروع سياسي شامل لا يقتصر على المساحات بل يستهدف مصير الشعب الفلسطيني ووجوده.
ويشير نزال إلى أن الانتقال من الاستيطان داخل أراضي 1948 إلى التهام الضفة الغربية بالكامل، رافقته عمليات توسع ممنهجة عبر البؤر الاستيطانية، وشق الطرق الالتفافية، وتوسيع جدران الفصل العنصري، والسيطرة على مناطق (ج) التي تشكل أكثر من 60% من الضفة.

يوم الأرض رمز وطني جامع

ويرى نزال أن يوم الأرض الذي بدأ داخل الداخل أصبح اليوم رمزاً وطنياً جامعاً للفلسطينيين في الضفة وغزة والداخل والشتات.
ويبيّن نزال أن أدوات السيطرة الإسرائيلية شهدت تطوراً كبيراً، أبرزها التشريعات والقوانين الاستعمارية التي أقرّها الكنيست، وإنشاء الإدارة المدنية العسكرية، واستخدام أدوات اقتصادية لخنق التنمية الفلسطينية وخلق بيئة طاردة للحياة في غزة والضفة.
ويشير نزال إلى أن التكنولوجيا والمراقبة أصبحت جزءاً أساسياً من منظومة السيطرة عبر رصد السكان وتتبع حركتهم والتحكم في تفاصيل حياتهم اليومية.

تراجع مركزية القضية الفلسطينية

ويشير نزال إلى أن القضية الفلسطينية شهدت تراجعاً في مركزيتها الدولية خلال فترات متعددة بسبب صعود ملفات إقليمية كبرى مثل إيران وأوكرانيا، إلا أنه بالمقابل عاد الزخم الشعبي العالمي ليتجدد من خلال حركات المقاطعة BDS ونشاط الجامعات العالمية.
ويوضح نزال أن هذا الصمود الشعبي الفلسطيني يقابله تآكل جغرافي واضح بفعل التمدد الاستيطاني المتواصل، ما جعل الصراع بعد نصف قرن صراعاً على ما تبقى من إمكانية قيام كيان فلسطيني متصل وليس على أرض محددة فقط.

خيارات صعبة لكنها ممكنة

ويقدّم نزال رؤية من أربعة مسارات لمواجهة الاستيطان، مؤكداً أنها خيارات صعبة لكنها ممكنة: أولها المسار القانوني الدولي عبر تفعيل قرارات محكمة العدل الدولية، وملاحقة الاستيطان بوصفه انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، والاستفادة من تقارير مجلس حقوق الإنسان.
والمسار الثاني وفق نزال، المقاومة الشعبية والميدانية، عبر تبني المقاومة الشعبية السلمية كما في تجربة الانتفاضة الأولى، وحماية الأرض عبر البقاء والزراعة والوجود الدائم، ومواجهة التوسع الاستيطاني خاصة في المناطق المهددة مثل مسافر يطا.
ويشير نزال إلى المسار الثالث وهو الوحدة السياسية الفلسطينية عبر إنهاء الانقسام وبناء استراتيجية موحدة لفضح السياسات الإسرائيلية عالمياً، والتأكيد أن أي أدوات أخرى تصبح محدودة دون وحدة داخلية.
ويلفت نزال إلى المسار الرابع وهو المسار الدولي الدبلوماسي والاقتصادي من خلال تعزيز المقاطعة والعقوبات على المستوطنات والمستوطنين، وإعادة تدويل القضية الفلسطينية وتفعيل الحضور الفلسطيني في المؤسسات الدولية، وإعادة تعريف الصراع ضمن حل الدولتين أو طرح خيار الدولة الواحدة القائمة على المساواة.

محاولة لحسم الصراع على الأرض

ويؤكد نزال أن الاستيطان ليس مجرد توسع جغرافي، بل محاولة لحسم الصراع على الأرض قبل أي حسم سياسي، مؤكداً أن المواجهة الأكثر واقعية للاستيطان تكمن في الجمع بين الصمود الميداني، والضغط الدولي، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا