تشهد الكنيسة الأرثوذكسية المصرية في الآونة الأخيرة حراكاً فكرياً ولاهوتياً وُصف بالصحوة، لمواجهة انتشار تيار الصهيونية المسيحية الذي بدأ يتسرب من أوساط أقباط المهجر إلى بعض المجموعات في الداخل المصري. وتأتي هذه التحركات الكنسية كخطوة لحماية العقيدة المسيحية من التفسيرات التي تراها الكنيسة مساساً بجوهر الإيمان وتوظيفاً سياسياً للنصوص الدينية.
ويرى مراقبون أن صمت المؤسسة الكنسية في فترات سابقة شجع بعض الأصوات على المجاهرة بدعم الاحتلال ومخططاته المستقبلية في المنطقة. إلا أن المواقف الأخيرة لعدد من القيادات الكنسية أعادت التأكيد على الثوابت التاريخية الرافضة لدمج المعتقدات الدينية بالأجندات الصهيونية التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية.
على الصعيد الدولي، بلغ تيار الصهيونية المسيحية ذروة تأثيره مع صعود قيادات في الإدارة الأمريكية تتبنى علانية رموزاً وأفكاراً مرتبطة بهذا التوجه. ويبرز ذلك في تصريحات مسؤولين كبار ينظرون إلى التوسع الاستيطاني وتدمير قطاع غزة كجزء من رؤية دينية مرتبطة بنظرية 'الملك الألفي' وعودة المسيح.
وقد ساهمت السجالات الإعلامية الأخيرة، ومنها ما طرحه الإعلامي باسم يوسف حول تغلغل هذا التيار في مفاصل الحكم الأمريكي، في تحفيز النقاش داخل الأوساط المسيحية المصرية. وانقسمت ردود الفعل بين مؤيد لضرورة التصدي لهذا الفكر، وبين متخوف من انعكاسات هذا الجدل على صورة المسيحيين في المجتمع.
وفي هذا السياق، برزت 'الطلقة الكنسية الأولى' من خلال القمص داود لمعي، راعي كنيسة مارمرقس بمصر الجديدة، الذي قدم تفنيداً لاهوتياً يرفض مقولات 'شعب الله المختار' وعودة اليهود بصيغتها الصهيونية. وأكد لمعي أن هذه التوجهات تعتمد على تفسيرات غير دقيقة للنصوص المقدسة تهدف حصراً لخدمة غايات سياسية دنيوية.
ولم تخلُ مواقف القمص لمعي من مواجهة شرسة، حيث تعرض لاتهامات من مؤيدي هذا التيار بمحاولة تسييس الدين أو الانحياز لأطراف إقليمية. ورغم ذلك، استمرت الأصوات الكنسية في التعبير عن موقفها الرافض للتشويش على العقيدة الأرثوذكسية ومحاولات اختراقها فكرياً.
من جانبه، قدم الأنبا رفائيل، الأسقف العام لكنائس وسط القاهرة، نقداً صريحاً عبر القنوات الرسمية للكنيسة، محذراً من الانسياق وراء التفسيرات السياسية للدين. وشدد على أن وصف اليهود بأنهم شعب الله المختار في الوقت الحالي هو مغالطة لاهوتية تتنافى مع المفهوم المسيحي للخلاص والوحدانية الإنسانية.
ويستند الموقف الحالي للكنيسة إلى إرث طويل من العداء للصهيونية، برز بوضوح في عهد البابا شنودة الثالث الذي لُقب بـ 'بابا العرب'. وكان شنودة قد أكد في محاضراته التاريخية أن إسرائيل لم تقم بوعد إلهي بل بوعد بلفور الاستعماري، وظل متمسكاً بمنع زيارة القدس تحت الاحتلال.
ورغم أن البابا الحالي تواضروس قد اتخذ قرارات مغايرة بشأن زيارة القدس، إلا أن المؤسسة الكنسية لا تزال تحتفظ بكيانها الرافض للصهيونية كفكر سياسي. وتشارك الكنيسة الإنجيلية في مصر هذا التوجه، حيث برزت أصوات مثل القس أندريه زكي والدكتور رفيق حبيب في مواجهة هذا التيار الدخيل.
ويكمن الخطر الأساسي، حسب رؤية الكنيسة، في النشاط التبشيري الذي يقوده بعض أقباط المهجر في الولايات المتحدة الذين اعتنقوا الفكر الصهيوني. ويحاول هؤلاء نشر هذه الأفكار داخل المجتمعات المسيحية المشرقية، مما استدعى استنفاراً من القيادات الروحية لقطع الطريق على هذا التمدد.
وفي فلسطين، يبرز صوت المطران عطا الله حنا، رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس، كأحد أهم المدافعين عن عروبة القدس ورفض الصهيونية المسيحية. وأكد حنا في بياناته الأخيرة أنه لا يمكن الجمع بين المسيحية والصهيونية، واصفاً هذا التيار بأنه 'شاذ' وغريب عن القيم الإنجيلية.
وشدد المطران حنا على أن حرب الإبادة التي يتعرض لها قطاع غزة كشفت الأقنعة عن الوجوه التي تتستر بالدين لتبرير سفك الدماء. وأوضح أن الإيمان المسيحي الحقيقي ينظر إلى كل البشر كإخوة في الإنسانية، دون تمييز أو تصنيف لدرجات بين الشعوب.
إن هذه المواقف الكنسية المتلاحقة تعكس وعياً بضرورة الفصل بين الإيمان المسيحي وبين المشاريع الاستعمارية التي تستخدم الدين غطاءً لها. وهي تمثل جزءاً من جبهة وطنية وقومية أوسع ترفض مخططات تفتيت المنطقة وتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه.
ختاماً، يظل الحراك الكنسي المصري والفلسطيني ضد الصهيونية المسيحية صمام أمان لمنع اختطاف الهوية الدينية لصالح أجندات سياسية. وتؤكد هذه 'الانتفاضة اللاهوتية' أن محاولات شرعنة الاحتلال عبر النصوص الدينية ستصطدم دائماً بجدار الوعي التاريخي والإيماني للمؤسسات الكنسية العريقة.
المصدر:
القدس