أطلق رئيس جهاز الاستخبارات التركي، إبراهيم كالن، تحذيرات شديدة اللهجة من التداعيات الاستراتيجية والاجتماعية للحرب الدائرة حالياً، والتي تجمع الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي في مواجهة إيران. وأوضح كالن أن هذا الصراع يتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة، ليهدد بإشعال فتيل صراعات عرقية وثارات دموية قد تمتد لعقود بين المكونات الأساسية للمنطقة من عرب وأتراك وأكراد وفرس.
وجاءت هذه التصريحات خلال كلمة ألقاها كالن في قمة الاتصال الاستراتيجي الدولية 'ستراتكوم' 2026 المنعقدة في مدينة إسطنبول، حيث شدد على أن الحرب الحالية تهدف إلى تفتيت النسيج الاجتماعي الإقليمي. وأشار إلى أن 'فتنة كبيرة' قد أُشعلت، وأن النتائج المحسوبة لهذه المواجهة لا تتوقف عند تدمير القدرات النووية الإيرانية، بل تمتد لتمهيد الطريق أمام صراعات أخوية طويلة الأمد.
وأكد رئيس الاستخبارات التركية أن بلاده ستظل في حالة تيقظ تام لمواجهة هذه المخططات، مشدداً على أن أنقرة لن تكون طرفاً في تأجيج الصراعات. وقال إن تركيا مستعدة لبذل أقصى الجهود لإخماد نار الفتنة، حتى لو تطلب الأمر تحمل أعباء ثقيلة ومخاطر مباشرة لحماية استقرار المنطقة ومنع انزلاقها نحو الهاوية.
وفي سياق تحليله للموقف القانوني، شدد كالن على أن الحرب المعلنة ضد إيران تفتقر إلى أي مستند في القانون الدولي، واصفاً إياها بالعدوان غير المشروع. وأضاف أن القوى التي تقف وراء هذا التصعيد تسعى لفرض واقع جيوسياسي جديد يعتمد على التدمير والضم والاحتلال، مستغلة حالة الفوضى لتنفيذ أجندات توسعية في دول الجوار.
ونبه المسؤول التركي إلى أن ما يحدث في لبنان حالياً يمثل محاولة صريحة لتكرار سيناريو احتلال مرتفعات الجولان عام 1974، وتحويله إلى سياسة أمر واقع تشرعن الاحتلال. وأوضح أن الاستخبارات التركية تكثف جهودها الدبلوماسية والميدانية لمنع تحويل الأراضي اللبنانية والسورية والفلسطينية إلى ساحات مفتوحة للضم الإسرائيلي الدائم.
وتطرق كالن إلى اتساع رقعة الصراع لتشمل منطقة الخليج العربي، محذراً من أن استمرار الهجمات المتبادلة لا يخدم استقرار أي طرف في المنطقة. واعتبر أن استهداف دول الخليج أمر مرفوض تماماً، كما هو الحال بالنسبة للهجمات على إيران، داعياً إلى ضرورة إدراك الأطراف الإقليمية لطبيعة المخطط الذي يستهدف الجميع دون استثناء.
وكشف كالن عن مشاورات مستمرة تجريها أنقرة مع الدول الشقيقة في الخليج لتبني منظور أمني موحد يراعي ديناميكيات المنطقة الخاصة بعيداً عن التدخلات الخارجية. وأكد على ضرورة العمل الجماعي لإنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن، مع عدم إغفال الطرف الرئيسي الذي تسبب في إشعال فتيل هذه الأزمة الإقليمية والدولية.
وفيما يخص الجهود الدبلوماسية، أعلن كالن دعم تركيا الكامل للمبادرة التي طرحتها باكستان للوساطة وتهيئة الظروف للحوار، معرباً عن ثقته في قدرة إسلام آباد على لعب دور فاعل. ومع ذلك، حذر من أن الاحتلال الإسرائيلي يعمل بشكل دؤوب على تخريب أي قناة للتواصل أو مبادرة للتفاوض، مستشهداً بالهجمات الأخيرة التي شنتها تل أبيب لعرقلة المسار السياسي.
وترى المصادر التركية أن التصعيد الحالي يتماشى مع خطابات غربية سابقة وصفت الصراع بأنه 'حملة صليبية'، وهو ما يعزز المخاوف من أبعاد دينية وأيديولوجية للحرب. ويشير هذا الخطاب، بحسب تقارير سابقة، إلى محاولة الغرب الإنجيلي تجريد شعوب المنطقة من ثرواتهم المادية والروحية عبر توظيف العنف وتهميش حقوق الإنسان.
وتعتقد أنقرة أن السياسات الغربية تجاه المنطقة لا تزال متأثرة بجذور الاستشراق التي مهدت للاستعمار القديم، حيث يتم التعامل مع شعوب المنطقة ككتلة واحدة في صراع وجودي. هذا المنظور، وفقاً للمحللين، يبرر للقوى الكبرى استخدام القوة المفرطة وتجاوز القوانين الدولية تحت ذريعة مكافحة التهديدات، بينما الهدف الحقيقي هو إعادة رسم الخرائط.
وشدد كالن على أن تركيا، بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، تعمل ليل نهار لتهيئة أرضية صلبة لإطلاق مسار تفاوضي جاد ينهي نزيف الدماء. وأوضح أن الهدف النهائي هو إرساء بنية أمنية إقليمية مستقلة تستند إلى مصالح دول المنطقة، وتكون قادرة على إصلاح الأضرار الهائلة التي خلفتها الحرب الحالية.
كما لفت الانتباه إلى أن النخب في المنطقة يجب أن تتحلى بالوعي التاريخي لمواجهة هذه التحديات، محذراً من الانجرار وراء الأيديولوجيات الجامدة التي تعيق التطور والاستجابة للأزمات. وأشار إلى أن التجارب التاريخية أثبتت أن القوى الكبرى توظف الخطاب الديني والقومي لتحقيق مآرب سياسية بحتة على حساب الشعوب.
وفي ختام تصريحاته، دعا كالن المجتمع الدولي إلى زيادة الضغط على تل أبيب باعتبارها المسؤول الأول عن إشعال الصراع ومنع تحوله إلى حرب إقليمية شاملة. وأكد أن تركيا لن تحيد عن مسارها في الدفاع عن قيم العدالة والاستقرار، وستواصل التحرك بناءً على رؤيتها الخاصة التي تميز بوضوح بين الصديق والعدو في هذا الظرف التاريخي المعقد.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات دراماتيكية، حيث تسعى أنقرة لتثبيت دورها كلاعب إقليمي ضامن للاستقرار ومنع انهيار الدول الوطنية. وتؤكد المصادر أن التنسيق التركي مع القوى الإقليمية سيستمر لمنع سيناريو 'الفتنة الكبرى' الذي قد يغير وجه الشرق الأوسط لعدة أجيال قادمة.
المصدر:
القدس