سلط تقرير حديث لمجلة 'إيكونوميست' الضوء على حالة الارتباك التي تعيشها جماعات الضغط المؤيدة للاحتلال في واشنطن، تزامناً مع التحولات العميقة في المواقف السياسية الأمريكية تجاه الحرب. وأشار التقرير إلى عودة كتاب 'جماعات الضغط الإسرائيلية والسياسة الخارجية الأمريكية' لصدارة القوائم الأكثر مبيعاً، بعد عقدين من اتهام مؤلفيه بالمعاداة للسامية، ما يعكس تغيراً في قراءة الشارع الأمريكي لدور هذه الجماعات.
تجادل الأطروحات العائدة للواجهة بأن تحالفاً فضفاضاً من جماعات الضغط يمارس نفوذاً يتجاوز المصالح القومية الأمريكية، ويدفع صناع القرار نحو مسارات كارثية. وقد تجلى هذا القلق مؤخراً مع انخراط واشنطن في مواجهات عسكرية إلى جانب الاحتلال ضد إيران، وهو ما أعاد فتح النقاش حول مدى تضرر المصالح الأمريكية من هذا الدعم غير المشروط.
تظل اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة 'أيباك' اللاعب الأبرز في هذا المشهد، حيث عملت على مدار سبعة عقود لتعزيز الروابط الثنائية. وتعتمد اللجنة في تمويلها على تبرعات ضخمة من مواطنين أمريكيين، وتفتخر بقدرتها على استقطاب قيادات من الحزبين الديمقراطي والجمهوري لضمان إجماع سياسي حول أمن الاحتلال.
بيد أن هذا الإجماع التقليدي بدأ يتآكل بشكل ملحوظ، خاصة مع توجه حكومة بنيامين نتنياهو نحو أقصى اليمين وتصاعد الانتقادات داخل الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي. وقد تسارع هذا الاتجاه عقب الحرب على غزة، حيث بدأ حتى بعض الجمهوريين بمراجعة العلاقة انطلاقاً من مبدأ 'أمريكا أولاً' والتحذير من الانجرار لحروب إقليمية.
أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة، ومنها استطلاع مؤسسة 'غالوب' أن نظرة الأمريكيين الإيجابية تجاه دولة الاحتلال تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ أربعة عقود. ولم تساهم الحرب ضد إيران في تحسين هذه الصورة، بل زادت من الشكوك الشعبية حول جدوى التحالف العسكري وتكلفته السياسية والاقتصادية على الولايات المتحدة.
في خطوة لافتة، استقال جو كينت من منصبه كرئيس للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، موجهاً اتهامات صريحة لدونالد ترامب بالتعرض للخداع من قبل اللوبي الإسرائيلي. واعتبر كينت أن جماعات الضغط مارست ضغوطاً مضللة للدفع نحو مواجهة عسكرية مباشرة، وهو موقف بات يتردد صداه في أروقة سياسية كانت تعتبر سابقاً حصينة ضد الانتقاد.
كشف استطلاع مشترك بين 'إيكونوميست' و'يوغوف' أن غالبية الأمريكيين يعتقدون أن إسرائيل هي المستفيد الأكبر من التصعيد العسكري الحالي، بينما تتحمل واشنطن الأعباء. وأفاد نحو ثلث المشاركين في الاستطلاع بأن جماعات الضغط المؤيدة للاحتلال تمارس نفوذاً مفرطاً وغير متناسب على قرارات الحكومة الفيدرالية.
رداً على صعود الأصوات المنتقدة، غيرت 'أيباك' استراتيجيتها بشكل جذري منذ عام 2018، حيث انتقلت من الضغط السياسي إلى التدخل المباشر في نتائج الانتخابات. وارتفع إنفاقها من مبالغ رمزية إلى نحو 100 مليون دولار في الدورات الانتخابية الأخيرة، بهدف إقصاء أي مرشح يظهر تعاطفاً مع القضية الفلسطينية أو ينتقد سياسات الاحتلال.
استخدمت اللجنة أدوات مالية معقدة ومجموعات بالوكالة بأسماء محايدة لتجنب إثارة الانقسامات المجتمعية، مثل 'مشروع الديمقراطية المتحدة'. واستهدفت هذه الحملات مرشحين في ولايات مفصلية مثل نيوجيرسي وإلينوي، حيث تم ضخ ملايين الدولارات لهزيمة أصوات معتدلة طالبت بمراجعة الدعم العسكري المقدم للاحتلال.
رغم هذا الإنفاق الهائل، يرى مراقبون أن النتائج جاءت متفاوتة ولم تحقق الأهداف المرجوة بالكامل، حيث فاز ناشطون مؤيدون للفلسطينيين في بعض الدوائر المستهدفة. وحذرت أوساط سياسية من أن هذا النهج المتشدد قد يعزز الصور النمطية السلبية ويؤدي إلى مقاطعة أوسع لتمويل 'أيباك' من قبل قيادات الحزب الديمقراطي في المستقبل.
المصدر:
القدس