يجد مئات الجرحى الفلسطينيين في قطاع غزة أنفسهم مضطرين للتعايش مع آلام مزمنة ناتجة عن استقرار رصاصات وشظايا إسرائيلية داخل أجسادهم. يأتي ذلك في ظل تدهور حاد في المنظومة الصحية وغياب الأجهزة الطبية المتقدمة اللازمة لإجراء عمليات جراحية دقيقة لاستخراج هذه الأجسام الغريبة دون إحداث أضرار دائمة.
تروي صقر لمصادر صحفية أن الأطباء في مستشفى الصليب الأحمر أكدوا لها أن الرصاصة قريبة جداً من الأعصاب الحيوية، مما يجعل الجراحة مغامرة غير مأمونة العواقب. وتضيف أنها تعاني من انتفاخات مستمرة وفقدان للقدرة على تحريك يدها في كثير من الأحيان، ولا تجد سبيلاً لتخفيف الوجع سوى المسكنات.
لا تقتصر المعاناة على الألم الجسدي، بل تمتد للأمل المفقود في العلاج بالخارج، حيث تتمنى سهير السفر لإجراء عملية دقيقة تنقذها من هذا الثقل. وتستذكر الشابة حالات لمصابين آخرين انتهت محاولات علاجهم بإعاقات دائمة، مما يزيد من هواجسها تجاه أي تدخل جراحي محلي.
في سياق متصل، تعيش المواطنة مروة شراب (أم محمد) مأساة مزدوجة، حيث فقدت ابنتها دعاء في قصف استهدف منزلهم، بينما لا تزال تحمل في ظهرها شظايا صاروخ إسرائيلي. ورغم خضوعها لعمليات سابقة، إلا أن بعض الشظايا ظلت عالقة في أماكن حساسة يصعب الوصول إليها جراحياً.
أوضحت شراب أن الكوادر الطبية في مستشفى غزة الأوروبي، قبل تعرضه للتدمير، نصحوها بترك الشظية لتتليف داخل الجسم أو يطردها الجسم طبيعياً مع الوقت. وتصف أم محمد نوبات التشنج التي تصيب ظهرها وتمنعها من الحركة، متسائلة عن مصيرها في ظل انعدام الخيارات العلاجية المتاحة.
حالة زوج مروة شراب تعكس جانباً آخر من غرابة الإصابات، حيث اكتشف بعد فترة طويلة من النزوح وجود شظية في رأسه لم تظهر في الفحوصات الأولية. وقد تمكن جسمه من دفع الشظية نحو السطح، مما أتاح للأطباء في نقطة طبية بسيطة استخراجها بعد معاناة طويلة مع الصداع الحاد.
من جانبه، يشرح الجراح الفلسطيني عماد عابد المعايير الطبية المتبعة في التعامل مع هذه الحالات المعقدة داخل القطاع المحاصر. ويشير إلى أن القرار الطبي يعتمد بشكل أساسي على موازنة المصالح والمفاسد، فإذا كان خطر استخراج الشظية أكبر من بقائها، يتم تركها لتتأقلم مع أنسجة الجسم.
ويؤكد عابد أن الشظايا القريبة من الشرايين الرئيسية أو التي تسبب تهيجاً مباشراً للأعصاب تتطلب تدخلاً عاجلاً، بينما يمكن ترك تلك المستقرة في العضلات. ومع ذلك، يشدد على أن الرصاص المستقر داخل المفاصل يجب إزالته حتماً لتجنب فقدان الوظيفة الحركية للعضو المصاب.
تعكس هذه القصص الفردية واقعاً كارثياً أفرزته حرب الإبادة المستمرة منذ أكتوبر 2023، والتي استهدفت بشكل ممنهج البنية التحتية الصحية. فقد أدى تدمير المستشفيات الكبرى وحصار القطاع إلى خروج أجهزة الرنين المغناطيسي والأدوات الجراحية المتقدمة عن الخدمة بشكل شبه كامل.
وفقاً لآخر إحصائيات وزارة الصحة، فقد تجاوز عدد المصابين 171 ألف جريح، يعاني جزء كبير منهم من إصابات معقدة تتطلب مراكز تأهيل متخصصة. وتؤكد المصادر الطبية أن آلاف الحالات المسجلة تندرج تحت تصنيف 'التعايش مع الإصابة' لعدم توفر البدائل العلاجية أو إمكانية التحويل للخارج.
ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، إلا أن الانتهاكات الإسرائيلية اليومية تزيد من أعداد الجرحى وتعمق الأزمة الإنسانية. وتستمر طائرات الاحتلال في شن غارات متفرقة، مما يضع ضغوطاً إضافية على النقاط الطبية الميدانية التي تعمل بأقل الإمكانيات.
إن بقاء هذه الأجسام الغريبة في أجساد الفلسطينيين ليس مجرد قضية طبية، بل هو شاهد حي على حجم العنف المستخدم ضد المدنيين في غزة. وتطالب المؤسسات الحقوقية بضرورة فتح ممرات إنسانية دائمة لخروج الجرحى الذين يحتاجون لعمليات دقيقة لإنقاذهم من الإعاقة الدائمة.
يبقى الجرحى في غزة بين فكي كماشة؛ ألم الشظايا التي تنهش أجسادهم، وعجز المنظومة الطبية التي أنهكتها سنوات الحصار والحروب المتتالية. وفي انتظار حلول جذرية، تظل المسكنات هي الرفيق الوحيد لآلاف الفلسطينيين الذين يحملون في أجسادهم بقايا صواريخ ورصاص الاحتلال.
المصدر:
القدس