في وقت تتجه فيه أنظار العالم نحو التصعيد العسكري المباشر بين إسرائيل وإيران، تسجل الأرقام القادمة من قطاع غزة فصلاً جديداً من فصول الإبادة الممنهجة التي تجري بعيداً عن الأضواء. وبينما يترقب المجتمع الدولي انفجاراً إقليمياً شاملاً، تواصل قوات الاحتلال ترسيخ واقع ميداني جديد يحول مناطق الانسحاب المفترض إلى ثكنات عسكرية دائمة، مستغلة 'غطاء النار' الإقليمي لتنفيذ مخططات احتلالية طويلة الأمد.
وأفادت مصادر طبية في قطاع غزة بارتفاع حصيلة ضحايا العدوان المستمر منذ أكتوبر 2023 إلى 72 ألفاً و268 شهيداً، فيما تجاوز عدد المصابين حاجز 171 ألفاً. وأوضحت المصادر أن الساعات الـ48 الماضية شهدت سقوط مزيد من الضحايا، مما يرفع حصيلة الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار الساري نظرياً إلى مئات الشهداء والجرحى منذ تفعيله في أكتوبر الماضي.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الاحتلال يمارس ما يوصف بـ'الانهيار الصامت' للتهدئة، حيث تحولت فترات الهدوء الظاهري إلى أداة لاستنزاف أمني مستمر. ويرى مراقبون أن استمرار الغارات الجوية والضربات المتفرقة يهدف إلى إبقاء السكان في حالة رعب دائم، مما يعطل أي أفق حقيقي لإعادة الإعمار أو عودة الحياة الطبيعية إلى المناطق المنكوبة.
وفي تطور ميداني خطير، كشفت تقارير صحفية عن مخطط إسرائيلي لتكريس الوجود العسكري عبر ما يسمى 'الخط الأصفر'. هذا الخط الذي بدأ كترتيب مؤقت، تحول إلى واقع ثابت يضم 32 موقعاً عسكرياً وحاجزاً برياً يمتد لمسافة 17 كيلومتراً، مما يعزز قبضة جيش الاحتلال على مساحات واسعة من أراضي القطاع.
ونفذ جيش الاحتلال أعمال بنية تحتية واسعة شملت بناء بؤر استيطانية تحت مسمى مواقع عسكرية، ونقل معدات ثقيلة لترسيخ هذا المحور. ويشكل 'الخط الأصفر' حالياً أداة جغرافية لفصل شمال القطاع عن جنوبه، ومنع عودة النازحين إلى ديارهم، حيث تحولت المنطقة المحيطة به إلى ساحة إطلاق نار نشطة تستهدف كل من يقترب منها.
وأكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في تصريحات أخيرة أن القوات الإسرائيلية لن تتراجع عن هذا الخط 'بمليمتر واحد'. هذا الموقف يعكس نية واضحة لتحويل أجزاء واسعة من غزة إلى منطقة عسكرية مغلقة تحت ذريعة 'نزع السلاح'، وهو ما يتماشى مع تصريحات رئاسة الأركان التي اعتبرت الخط الأصفر حدوداً جديدة للدولة.
ومنذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، شيد الجيش الإسرائيلي 7 بؤر جديدة، وقام بتعبيد الأرض بالأسفلت في عدة مواقع لضمان نشاط عملياتي طويل الأمد. وتنتشر هذه البؤر وسط أنقاض المناطق الزراعية والسكنية، بل إن بعضها أقيم فوق أنقاض مساجد ومقابر دمرت خلال العمليات العسكرية المستمرة.
وحذر مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة من أن غياب التحديد الواضح لهذا الخط يعرض حياة المدنيين لخطر داهم، حيث سقط العديد من القتلى أثناء محاولتهم العودة لمنازلهم. وتتغير معالم هذا الخط بشكل متكرر، مما يجعل المدنيين يعبرونه عن غير قصد ليجدوا أنفسهم في مرمى نيران القناصة والمدفعية الإسرائيلية.
وبعيداً عن الجغرافيا، يمتد الاستغلال الإسرائيلي للمشهد الإقليمي ليشمل تصفية القضية الفلسطينية سياسياً ورقابياً. وحذرت قيادات فلسطينية من أن الاحتلال يستغل انشغال وسائل الإعلام بمسارات الصواريخ الباليستية لتكثيف اعتداءات المستوطنين واقتحامات المدن في الضفة الغربية، في محاولة لفرض واقع ديموغرافي جديد لا يمكن التراجع عنه.
وفي سياق متصل، تسعى الحكومة الإسرائيلية المتطرفة لتمرير 'قانون إعدام الأسرى' عبر الكنيست، مستغلة التعتيم الإعلامي المرافق للحرب مع إيران. وقد أقرت لجنة الأمن القومي مشروع القانون بعد تعديلات غامضة، مما يمهد الطريق للتصويت النهائي عليه وتحويل عمليات القتل إلى إطار تشريعي وقانوني ملزم يحصن مرتكبي الجرائم.
ويرى محللون أن إسرائيل تتبع استراتيجية 'المقايضة الصامتة' مع القوى الكبرى، حيث تقدم ضبط النفس تجاه طهران مقابل إطلاق يدها بالكامل في الأراضي الفلسطينية. هذا التوجه أدى إلى تراجع ملف غزة في أجندة الدول الكبرى، التي باتت تخشى من اندلاع حرب إقليمية شاملة أكثر من خشيتها على مصير المدنيين في القطاع.
إن ما يجري حالياً هو تنفيذ هادئ لما يعرف بـ'خطة الجنرالات'، التي انتقلت من أروقة التخطيط إلى واقع التثبيت الميداني بالجرافات والأسمنت. فالاحتلال لا ينتظر اتفاقات سياسية لترسيم الحدود، بل يصنعها على الأرض مستغلاً حالة الانقسام الإقليمي وانشغال العالم بمراقبة الترسانات العسكرية في المنطقة.
وعلى الصعيد الإنساني، تواصل سلطات الاحتلال سياسة 'الاختناق الممنهج' عبر إغلاق المعابر وتقنين دخول المساعدات الغذائية والطبية. ويُستخدم هذا الحصار كسلاح استراتيجي لانتزاع تنازلات سياسية، في ظل تحول غزة إلى قضية ثانوية أمام هاجس الحفاظ على توازن القوى الإقليمي ومنع انهيار الجبهات المتعددة.
ختاماً، يمثل تشريع إعدام الأسرى وتثبيت الخط الأصفر إعلاناً رسمياً عن مرحلة جديدة من الصراع تهدف إلى تصفية الوجود الفلسطيني. وتتطلب هذه التطورات تدخلاً دولياً عاجلاً لوقف 'تقنين الإبادة' ومنع تحويل قطاع غزة إلى سجن كبير مقسم بأسلاك شائكة وجدران أسمنتية تحميها قوانين انتقامية متطرفة.
المصدر:
القدس