كشفت تقارير إعلامية وبيانات ملاحية حديثة عن تقديم السلطات المصرية دعماً لوجستياً وعسكرياً غير مباشر للاحتلال الإسرائيلي، في إطار المواجهة العسكرية التي يشنها الجيش الإسرائيلي مدعوماً بالولايات المتحدة ضد إيران منذ أواخر فبراير الماضي. وتأتي هذه التطورات لتثير تساؤلات جدية حول حقيقة الموقف المصري الرسمي الذي يعلن الحياد في الأزمة الإقليمية المتصاعدة.
وأفادت مصادر مطلعة بأن شركة 'أركيا'، ثاني أكبر شركات الطيران في إسرائيل، قد نقلت مركز عملياتها إلى مدينتي طابا المصرية والعقبة الأردنية، وذلك نتيجة تأزم الملاحة في مطار بن غوريون جراء القصف الإيراني للمرافق الحيوية. ويتم نقل المسافرين الإسرائيليين عبر الحافلات إلى مطار سيناء لمواصلة رحلاتهم الدولية تحت حماية وتسهيلات أمنية مصرية.
وفي سياق متصل، أكدت بيانات صادرة عن السفارة الأمريكية في إسرائيل وجود تسهيلات واسعة للمسافرين القادمين من إسرائيل عبر معبر طابا ومطاري طابا وشرم الشيخ. وتشمل هذه التسهيلات منح تأشيرات دخول فورية لمدة 30 يوماً أو أختام دخول مجانية للسفر داخل جنوب سيناء، مما يعزز من قدرة الجانب الإسرائيلي على المناورة اللوجستية خلال الحرب.
من جانبها، رصدت حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) وصول سفينة الحاويات 'MSC Danit' إلى ميناء أبوقير بالإسكندرية في الرابع والعشرين من مارس الجاري. وأوضحت الحركة أن السفينة تحمل شحنات من الفولاذ العسكري الهندي المخصص لإنتاج آلاف القذائف المدفعية لصالح شركتي 'إلبيت سيستمز' و'آي إم آي' الإسرائيليتين، وهما الموردان الرئيسيان للذخيرة.
وأشارت التحليلات الملاحية إلى أن السفينة اضطرت للجوء إلى الموانئ المصرية بعد أن واجهت صعوبات بالغة في الرسو بموانئ إسبانيا وإيطاليا واليونان وتركيا، نتيجة الاحتجاجات الشعبية الرافضة لتزويد الاحتلال بالسلاح. ويقدر خبراء أن الشحنة تحتوي على نحو 600 طن من الفولاذ الكافي لإنتاج 13 ألف قذيفة مدفعية من عيار 155 ملم.
ولا تعد هذه الواقعة معزولة، حيث رصدت تقارير سابقة رسو السفينة 'MV Kathrin' في ميناء الإسكندرية خلال أكتوبر 2024، وهي محملة بمواد شديدة الانفجار مخصصة للصناعات العسكرية الإسرائيلية. كما سجلت بيانات ملاحية قيام سفن ترفع العلم المصري برحلات مكوكية بين موانئ بورسعيد والدخيلة وميناء أشدود الإسرائيلي خلال فترات التصعيد العسكري.
ويرى باحثون في العلاقات الدولية أن ما تمارسه القاهرة يندرج تحت مفهوم 'الحياد الوظيفي'، حيث لا تشارك الدولة في العمليات القتالية بشكل مباشر، لكنها لا تعرقل تدفق الموارد العسكرية الحيوية عبر أراضيها وموانئها. ويُعتبر هذا السلوك جزءاً من إدارة الصراعات الحديثة التي تعتمد بشكل أساسي على استدامة سلاسل الإمداد اللوجستي.
وتواجه مصر ضغوطاً اقتصادية وجيوسياسية هائلة منذ اندلاع الحرب في فبراير الماضي، حيث تراجعت إيرادات قناة السويس بشكل حاد وتأثر قطاع السياحة، بالإضافة إلى هروب مليارات الدولارات من سوق الدين المحلي. وقد أدى هذا الضغط إلى هبوط قيمة العملة المحلية لتتجاوز حاجز 52 جنيهاً مقابل الدولار الأمريكي الواحد في الأسواق.
وفي الوقت الذي تطالب فيه قوى دولية بوقف إمدادات الأسلحة لإسرائيل، يرى مراقبون أن الموانئ المصرية باتت تمثل 'طوق نجاة' للشحنات العسكرية التي يرفض العالم استقبالها. وتثير هذه السياسة غضباً في الأوساط الشعبية والحقوقية التي ترى فيها تناقضاً مع الالتزامات القومية والأخلاقية تجاه القضايا العربية العادلة.
وعلى الصعيد الإقليمي، تشترط إيران في مفاوضاتها الجارية عبر وساطة باكستانية إدراج الملف اللبناني في أي تسوية لوقف إطلاق النار، مع المطالبة بوقف الاغتيالات والاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز. وتتخوف طهران من تعرضها لخداع دبلوماسي جديد، مما يدفعها للاستمرار في التصعيد العسكري كأداة ضغط في المفاوضات.
وفي تركيا، أظهرت التقارير تراجعاً حاداً في احتياطيات الذهب والعملات الأجنبية منذ بدء المواجهة الأمريكية الإيرانية، حيث بلغت مبيعات العملات الصعبة نحو 26 مليار دولار. ويعكس هذا التدهور الاقتصادي حجم التداعيات العابرة للحدود التي خلفتها الحرب على القوى الإقليمية الكبرى في المنطقة بما فيها مصر وتركيا.
ويؤكد خبراء عسكريون أن الفولاذ العسكري الذي يمر عبر الموانئ المصرية يمكن تجهيزه برؤوس حربية متنوعة، تشمل المتفجرات التقليدية والذخائر العنقودية المحرمة دولياً. وهذا ما يجعل من تسهيل مرور هذه الشحنات مساهمة غير مباشرة في العمليات العسكرية التي تستهدف المدنيين والبنى التحتية في المنطقة.
إن تحول الممرات البحرية والموانئ إلى أدوات تأثير جيوسياسي يعيد تعريف مفهوم المشاركة في الحروب؛ فالدول لم تعد تُقاس فقط بما تطلقه من صواريخ، بل بما تسمح له بالرسو والعبور. وفي هذا الإطار، يظل التساؤل قائماً حول الثمن الذي تدفعه القاهرة مقابل هذا الدور اللوجستي الحساس في ظل الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن.
ختاماً، تضع هذه التطورات النظام المصري أمام مأزق أخلاقي وسياسي، حيث تتزايد الدعوات الشعبية لمنع استخدام الموانئ المصرية في إيصال أدوات القتل للاحتلال. ومع استمرار الحرب وتوسع رقعتها، قد تتحول هذه الممرات من نقاط 'حياد وظيفي' إلى بؤر اختبار حقيقية للانحيازات الاستراتيجية في المنطقة.
المصدر:
القدس