تتجسد مأساة جرحى قطاع غزة في حكاية الخمسيني علاء محمد حسين، الذي تحول من معيل لأسرة كبيرة تضم 25 فرداً إلى جريح مقعد يعتمد على الكرسي المتحرك والمشاية. حسين الذي أصيب بـ50 شظية جراء قنبلة أطلقتها مسيرة إسرائيلية في حي تل الهوا، يعيش اليوم في خيمة بالية بدير البلح، مصارعاً آلاماً مضاعفة في الرئتين والرقبة دون أمل قريب في الشفاء.
ورغم امتلاك حسين إذناً طبياً للسفر إلى بلجيكا منذ تسعة أشهر، إلا أن القيود الإسرائيلية الصارمة على معبر رفح حالت دون وصوله إلى وجهته العلاجية. هذه المعاناة لا تقتصر عليه وحده، بل يشاركه فيها أكثر من 20 ألف جريح ومريض يواجهون خطر الموت في ظل الانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية داخل القطاع المحاصر.
داخل الخيمة ذاتها، تصارع ابنته ميساء (31 عاماً) مرض سرطان الثدي الذي اكتشفته قبيل اندلاع الحرب، لكن رحلات النزوح القسري وتدمير مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني حرمها من تلقي جرعات العلاج الكيماوي. ميساء، وهي أم لأربعة أطفال، تعيش اليوم بلا وجهة علاجية واضحة، معتمدة على التكايا الخيرية لتأمين قوت يوم أطفالها بعد إصابة زوجها وعجزه عن العمل.
وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة إلى واقع كارثي، حيث لم يسافر سوى 490 مريضاً منذ إعادة فتح معبر رفح في فبراير الماضي. هذه الأرقام تعكس عدم التزام الاحتلال باتفاق وقف إطلاق النار، إذ لا تتجاوز نسبة التنفيذ الفعلي للبنود المتعلقة بسفر الحالات الإنسانية نحو 19% فقط من المتفق عليه.
وينص اتفاق وقف إطلاق النار الساري على السماح بسفر 150 مريضاً يومياً، إلا أن الواقع الميداني يظهر مماطلة إسرائيلية متعمدة تسببت في وفاة ما بين 6 إلى 10 مرضى يومياً وهم على قوائم الانتظار. ومنذ اجتياح مدينة رفح في مايو 2024، فقد نحو 1400 مريض حياتهم نتيجة حرمانهم من حقهم الأساسي في العلاج بالخارج.
وحذر المهندس زاهر الوحيدي، مدير وحدة نظم المعلومات الصحية، من وجود 195 حالة خطيرة جداً تصنف بأنها في 'أعقاب الحياة'، مهددة بالموت في أي لحظة. كما تضم قوائم الانتظار الطويلة نحو 4 آلاف طفل و4 آلاف مريض أورام، يحتاجون لتدخلات جراحية وعلاجية غير متوفرة في مستشفيات غزة المنهكة.
وأوضح الوحيدي أن الاحتلال لا يسمح حالياً إلا لـ24 حالة فقط بالسفر يومياً مع مرافقيهم، وهو عدد ضئيل جداً مقارنة بالحاجة الفعلية التي تتطلب إجلاء ما بين 200 إلى 400 حالة يومياً. هذا البطء المتعمد في الإجراءات يعني أن إنهاء ملف الجرحى الحالي قد يستغرق سنوات، بينما لا يملك المرضى ترف الوقت.
وتمر عملية الإجلاء الطبي بإجراءات معقدة تبدأ من التقييم الطبي المحلي في مستشفيات غزة، حيث تقوم لجان متخصصة بفرز الحالات وتصنيفها إلى طارئة وعاجلة وروتينية. ويتم رفع هذه القوائم عبر منظومة 'صحتي' الإلكترونية لضمان حصر الأعداد وتحديث بيانات المرضى بشكل مستمر لمتابعتها مع الجهات الدولية.
وتلعب منظمة الصحة العالمية دور المنسق الدولي في هذه العملية، حيث تتسلم القوائم المعتمدة وتعرضها على الدول المستضيفة مثل قطر والإمارات وتركيا ودول أوروبية. وبمجرد حصول المريض على موافقة طبية من الدولة المستضيفة، تبدأ المرحلة الأكثر تعقيداً وهي الحصول على 'التنسيق الأمني' من سلطات الاحتلال.
وتمثل الموافقة الأمنية الإسرائيلية العائق الأكبر، حيث يخضع المرضى ومرافقوهم لتدقيق أمني صارم يؤدي في كثير من الأحيان إلى رفض المرافقين أو تأخير السفر لمدد طويلة. هذا التعنت يحول دون استفادة مئات المرضى من التأشيرات الطبية التي حصلوا عليها بالفعل من دول عربية وأجنبية.
وفي ظل استمرار إغلاق المعابر أو تقنين العمل فيها، تزداد الحالة الصحية للمصابين سوءاً، حيث تظهر تداعيات جديدة للإصابات القديمة مثل الانزلاق الغضروفي والتهابات الرئة الحادة. ويؤكد الأطباء أن العديد من العمليات الجراحية الدقيقة تتطلب إمكانيات تقنية وغرف عمليات مجهزة لا تتوفر حالياً في قطاع غزة.
وتستغل سلطات الاحتلال التوترات الإقليمية لتشديد الخناق على القطاع، مما ينعكس مباشرة على حركة المسافرين عبر معبر رفح الذي يعد المنفذ الوحيد لمليوني فلسطيني. هذا الواقع جعل من السفر للعلاج 'حلماً' بعيد المنال، حتى لأولئك الذين حصلوا على تحويلات طبية رسمية منذ أكثر من عام.
إن استمرار هذه السياسة الممنهجة في عرقلة الإجلاء الطبي يضع المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان أمام مسؤولية تاريخية لوقف ما يصفه حقوقيون بـ 'الإعدام البطيء' للجرحى. فكل يوم تأخير في فتح المعبر بشكل كامل يعني فقدان أرواح كان من الممكن إنقاذها بتدخل طبي بسيط في الخارج.
ويبقى الجريح علاء حسين وعائلته، كآلاف غيرهم، معلقين بين أمل السفر وواقع الألم، ينتظرون لحظة فتح المعبر دون قيود أمنية تقتل أحلامهم في الشفاء. إنها صرخة وجع تخرج من خيام النازحين، تطالب بحق إنساني بسيط كفلته كافة القوانين الدولية، وهو الحق في العلاج والحياة.
المصدر:
القدس