أفادت تقارير تحليلية نشرتها مجلة 'نيويورك فور بوكس ريفيو' بأن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بدأت فعلياً بتصدير ما يُعرف بـ 'عقيدة غزة' إلى جبهات أخرى في الشرق الأوسط. وتعتمد هذه الاستراتيجية، التي طُبقت سابقاً في ضاحية بيروت الجنوبية وقطاع غزة، على استهداف البنى التحتية المدنية بشكل مباشر لدفع السكان نحو النزوح الجماعي القسري.
وفي تطور ميداني يعكس هذا النهج، قصفت طائرات الاحتلال في الثالث عشر من مارس الجاري مركزاً صحياً في قرية برج قلاوية جنوبي لبنان. وأسفرت الغارة عن استشهاد اثني عشر شخصاً من الأطباء والممرضين والمرضى، في حين نجا عامل واحد فقط بإصابات بليغة وفق ما نقلته مصادر صحفية.
وتشير المعطيات إلى أن الحرب التي انخرطت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران قد امتدت تداعياتها بشكل عنيف إلى الساحة اللبنانية. وقد جاء هذا التصعيد عقب غارة مشتركة أدت إلى اغتيال مرشد الثورة الإيرانية في طهران، مما فجر مواجهة شاملة على عدة جبهات إقليمية.
وتكشف الإحصائيات الصادرة عن جهات دولية عن حجم الكارثة الإنسانية، حيث نزح أكثر من أربعة ملايين شخص من إيران ولبنان في غضون أسبوعين فقط. وتوزع النازحون بين 3.2 مليون في الجانب الإيراني وما يزيد عن مليون نازح في لبنان، تزامناً مع أوامر إخلاء إسرائيلية شملت مساحات واسعة.
وفي الداخل الإيراني، تضررت أكثر من 65 ألف منشأة مدنية نتيجة القصف المتواصل، من بينها 236 منشأة صحية تعرضت لأضرار متفاوتة. وقد وثقت منظمة الصحة العالمية هجمات مباشرة أدت إلى مقتل كوادر طبية وتعطيل أقسام حيوية مثل مستشفى غاندي في العاصمة طهران.
أما في لبنان، فقد رصدت وزارة الصحة ما لا يقل عن 128 غارة استهدفت مرافق طبية وسيارات إسعاف، لا سيما في المناطق الجنوبية. وأدت هذه الهجمات إلى استشهاد 40 عاملاً في القطاع الصحي، مما تسبب في إغلاق عشرات مراكز الرعاية الأولية والمستشفيات نتيجة التهديدات المباشرة.
ويرى مراقبون أن استهداف المنظومة الصحية يمثل ركيزة أساسية في 'عقيدة غزة' لضمان عدم بقاء أي مقومات للحياة تدفع السكان للبقاء في أراضيهم. فمن خلال تدمير آخر شريان حياة طبي، يجد المدنيون أنفسهم مضطرين للرحيل بحثاً عن العلاج والأمان في مناطق أخرى.
وقد تباهت أوساط إسرائيلية بهذا النهج عبر إلقاء منشورات فوق بيروت تذكر السكان بما وصفته بـ 'النجاح الكبير' الذي تحقق في قطاع غزة. ويشمل هذا النجاح المزعوم التفكيك المنهجي للأنظمة الحيوية، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية دولية يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.
وبالعودة إلى سجل الانتهاكات في غزة، يظهر أن الاحتلال شن نحو 937 هجوماً على المرافق الصحية خلال الفترة الماضية. ولم يسلم أي من مستشفيات القطاع الستة والثلاثين من الاستهداف، حيث تعرضت للحصار والتدمير الممنهج تحت ذريعة استخدامها لأغراض عسكرية دون تقديم أدلة ملموسة.
وفي سياق متصل، اتهمت مصادر طبية القوات الإسرائيلية بارتكاب 'خيانة طبية' عبر استخدام سيارات إسعاف وارتداء زي أطقم طبية لتنفيذ عمليات عسكرية. ووقعت إحدى هذه الحوادث في بلدة نبي شيت اللبنانية، حيث تنكر جنود بزي مسعفين للوصول إلى مقبرة البلدة، مما أدى لاندلاع اشتباكات دامية.
وتكررت هذه التكتيكات في الضفة الغربية أيضاً، حيث استخدمت قوات الاحتلال سيارات إسعاف لاقتحام مخيم بلاطة، كما نفذت عمليات اغتيال داخل مستشفيات جنين بزي أطباء. وتعد هذه الأفعال جرائم حرب صريحة بموجب القانون الدولي الذي يحظر استغلال الشارات الطبية لأغراض قتالية.
وعلى الصعيد السياسي، يبدو أن هناك توجهاً أمريكياً إسرائيلياً للتنصل من الالتزامات القانونية الدولية بشكل علني. فقد صرح مسؤولون في واشنطن وتل أبيب بأن 'القوة' هي المعيار الوحيد في هذه المواجهة، معلنين عدم حاجتهم للالتزام بالقوانين التي تحمي المدنيين والمنشآت الطبية.
وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن التحول في موازين القوة هو الضمان الوحيد لوجود كيانه، متجاهلاً أي ذكر للنظام القانوني الدولي. ويعكس هذا الخطاب حالة من 'نشوة السلطة' التي تبرر التدمير الشامل كأداة سياسية وعسكرية مشروعة في نظرهم.
ختاماً، يحذر خبراء من أن تقويض النظام الدولي الذي أُسس بعد الحرب العالمية الثانية سيؤدي إلى زيادة وتيرة الهجمات على الكوادر الطبية عالمياً. ومع تسجيل معدلات قياسية للاعتداءات على المستشفيات في عام 2024، يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة المجتمع الدولي على لجم القوة الغاشمة.
المصدر:
القدس