دخلت الحرب التي يشنها التحالف الأمريكي الإسرائيلي على إيران أسبوعها الرابع، مخلفةً حالة من الذعر غير المسبوق في أسواق الطاقة العالمية. وتتجاوز تداعيات هذا التصعيد البعد العسكري المباشر لتضرب قلب النظام الاقتصادي العالمي، بالنظر إلى ثقل إيران كمنتج رئيسي للنفط وموقعها الجيوسياسي المتحكم في مضيق هرمز، الشريان الأهم للتجارة الدولية.
وتشير البيانات الميدانية إلى أن إيران تضخ نحو 3.2 مليون برميل يومياً، وتصدر فعلياً 1.5 مليون برميل رغم الحصار، في حين تظل المنطقة ككل مسؤولة عن ثلث الإمدادات العالمية. ومع استمرار العمليات العسكرية، بات مضيق هرمز الذي يعبره 20% من نفط العالم و25% من الغاز المسال، تحت تهديد الإغلاق الفعلي، ما قد يؤدي إلى كارثة اقتصادية.
أفادت مصادر اقتصادية بأن أسعار النفط شهدت بالفعل قفزات حادة بنسبة تجاوزت 15% خلال أيام قليلة من بدء العدوان. وتضع بيوت الخبرة الدولية سيناريوهات قاتمة تشير إلى أن أي تعطيل جزئي للإمدادات قد يدفع الأسعار لتتراوح بين 120 و150 دولاراً للبرميل، بينما قد يكسر السعر حاجز 200 دولار في حال اندلاع مواجهة شاملة تعطل الملاحة تماماً.
وعلى الصعيد السياسي، أظهرت استطلاعات رأي حديثة تراجعاً حاداً في شعبية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتصل إلى 36%، وهو أدنى مستوى له منذ عودته للبيت الأبيض. ويعزو المحللون هذا التراجع إلى الرفض الشعبي الواسع للحرب، حيث يعارض 61% من الأمريكيين الضربات العسكرية، بالإضافة إلى الاستياء من الارتفاع الجنوني في أسعار الوقود المحلية.
وفي الداخل الأمريكي، اقترب سعر البنزين من 4 دولارات للجالون الواحد، ما دفع الإدارة إلى اتخاذ إجراءات استثنائية شملت تعليق بعض الضرائب لتخفيف العبء عن الأسر. وتؤكد التقارير أن 25% فقط من الناخبين يؤيدون تعامل الإدارة الحالية مع تكاليف المعيشة، وسط اتهامات لترامب ونتنياهو بالانجرار لحرب غير مدروسة النتائج.
من جانبه، حذر الجنرال السابق في الاستخبارات، أوري هالبيرين، من أن الحرب بدأت بتخطيط غير كافٍ واستعانة بقدرات الخصم. وأوضح هالبيرين أن إيران تتبع استراتيجية 'الحرب غير المتكافئة' التي تهدف لإطالة أمد الصراع واستنزاف المهاجمين، مؤكداً قدرة طهران على شل حركة الملاحة في الخليج عبر ترسانة صواريخها الساحلية المتطورة.
ولا تتوقف الأزمة عند حدود النفط، بل تمتد لتشمل قطاع الغاز الطبيعي المسال، حيث تعتمد دولة قطر بشكل أساسي على مضيق هرمز لتصدير أكثر من 77 مليون طن سنوياً. وأي استهداف لمنشآت الغاز أو إعاقة للمرور سيعيد للأذهان أزمة الطاقة الأوروبية، مع توقعات بارتفاعات قياسية قد تتجاوز 300% في أسعار الغاز العالمية.
وفي محاولة يائسة لاحتواء انفجار الأسعار، لجأت واشنطن إلى سياسة مزدوجة تمثلت في تخفيف الضغوط جزئياً عن تدفق النفط الإيراني المتجه للأسواق الآسيوية، وخاصة الصين. وتهدف هذه الخطوة الضمنية إلى الحفاظ على توازن السوق ومنع انهيار الاقتصادات الكبرى، رغم استمرار العمليات العسكرية والضغوط السياسية المعلنة ضد طهران.
وعلى المستوى العالمي، حذرت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) من أن النزاع يهدد بوقوع 700 مليون شخص في براثن الجوع. ويرتبط هذا التحذير بالارتفاع المتوقع في تكاليف النقل والأسمدة، حيث يؤدي كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر برميل النفط إلى زيادة معدلات التضخم العالمية بنحو 0.3 نقطة مئوية بشكل مباشر.
بدأت الدول المستوردة للطاقة، مثل مصر وتركيا، في استشعار الخطر عبر إجراءات تقشفية قاسية؛ ففي القاهرة، برزت سياسات لترشيد استهلاك الكهرباء وتقليص الإضاءة العامة. وتكلف كل زيادة بدولار واحد في سعر النفط الموازنة المصرية مئات الملايين من الدولارات، ما يضع ضغوطاً هائلة على احتياطيات النقد الأجنبي والقدرة الشرائية للمواطنين.
أما تركيا، التي تستورد أكثر من 90% من احتياجاتها الطاقية، فقد وجدت نفسها أمام فاتورة سنوية تتجاوز 90 مليار دولار. وقد لجأت الحكومة التركية إلى تخفيضات ضريبية على الوقود لمحاولة كبح جماح التضخم المرتبط بتكاليف النقل، إلا أن استمرار الحرب يهدد بانهيار هذه التوازنات المالية الهشة واتساع العجز التجاري.
وفي القارة الأوروبية، التي تعتمد بنسبة 90% على النفط المستورد، عادت سياسات ترشيد الطاقة إلى الواجهة مع ارتفاع فواتير الكهرباء بنسبة 50%. ويخشى القادة الأوروبيون من تكرار سيناريوهات الأزمات السابقة التي أدت إلى ركود اقتصادي واضطرابات اجتماعية، خاصة مع غياب البدائل الفورية للإمدادات القادمة من منطقة الخليج.
يرى خبراء عسكريون أن السيطرة على الموقف تتطلب عمليات برية معقدة لحرمان إيران من رافعتها الاقتصادية، وهو أمر يبدو بعيد المنال في ظل الظروف الراهنة. وتظل الاستراتيجية الإيرانية القائمة على 'منع الخصم من الفوز' هي العائق الأكبر أمام طموحات التحالف الأمريكي الإسرائيلي في تغيير النظام أو السيطرة على موارد الطاقة.
ختاماً، يقف العالم أمام معادلة صفرية تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع أمن الطاقة في مشهد شديد التعقيد. فالتصعيد العسكري في الخليج لا يهدد الأنظمة السياسية فحسب، بل يمتد أثره إلى كل مصنع وبيت في العالم، ما يجعل وقف العدوان ضرورة اقتصادية عالمية قبل أن ينزلق الاقتصاد الدولي إلى كساد شامل لا يمكن التنبؤ بنهايته.
المصدر:
القدس