أطلقت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) صرخة تحذير دولية حيال المخاطر المتصاعدة التي يفرضها النزاع الإقليمي المستمر، مؤكدة أن استمرار إغلاق مضيق هرمز يهدد بدفع أكثر من 700 مليون شخص نحو شبح الجوع. وأوضحت المنظمة أن الاضطرابات الحالية لا تقتصر آثارها على منطقة الشرق الأوسط، بل تمتد لتطال دولاً بعيدة مثل أستراليا والفلبين نتيجة النقص الحاد في إمدادات الأسمدة الضرورية للزراعة.
وفي تصريحات أدلى بها لوسائل إعلام عربية، أكد الدكتور ماكسيمو توريرو، كبير الاقتصاديين في المنظمة أن استقرار الأسواق العالمية يعتمد حالياً على سرعة إنهاء النزاع. وأشار توريرو إلى أن المخزونات الحالية قد تكفي لفترة وجيزة، إلا أن أي تصعيد يتجاوز الأسبوعين سيؤدي إلى ارتباك لا يمكن تداركه في الموسم الزراعي المقبل، مما يرفع أسعار الغذاء إلى مستويات قياسية.
وحدد الخبير الأممي أربعة عوامل رئيسية تهدد سلاسل الإمداد، يتصدرها إغلاق مضيق هرمز الذي يعد الشريان الحيوي لنقل النفط والغاز اللازمين لإنتاج الطاقة والعمليات اللوجستية. كما لفت إلى أن النزاع يعطل صادرات الأسمدة ومادة الكبريت الأساسية لإنتاج حمض الفوسفور المستخدم في التسميد الزراعي، وهو ما يضع ضغوطاً هائلة على المزارعين في مختلف القارات.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تشهد فيه المنطقة توترات عسكرية غير مسبوقة، حيث تصر واشنطن على شروط قاسية تشمل تسليم إيران لـ 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب وفتح المضيق تحت رقابة دولية. وفي غضون ذلك، برزت تكتيكات سياسية جديدة مع إعلان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب تعليق الهجمات على منشآت الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام لفتح نافذة للمفاوضات التي يديرها محمد باقر قاليباف.
ميدانياً، لا تزال التداعيات الإنسانية للصراع تلقي بظلالها الثقيلة، حيث تحولت قطاعات واسعة من غزة إلى ركام وسط انتشار آلاف الخيام الممزقة التي تؤوي النازحين. وقد سجلت تقارير ميدانية مأساة إضافية بسقوط شظايا صواريخ إيرانية فوق القطاع، أسفرت عن استشهاد أربع نساء داخل صالون حلاقة، في وقت يصر فيه الفلسطينيون على البقاء ورفض مخططات التهجير القسري رغم الجوع المستشري.
وعلى الصعيد السياسي، كشفت مصادر عن توجهات متطرفة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي صرح بأن القوة والشر هما فلسفة النجاح، مشبهاً نهجه بأسلوب جنكيز خان. وتتزامن هذه التصريحات مع ضغوط يمارسها 'مجلس السلام' المرتبط بترامب، والذي يطالب فصائل المقاومة الفلسطينية بتسليم سلاحها بالكامل كشرط أساسي للبدء في عمليات إعادة إعمار ما دمرته الحرب.
وبالعودة إلى تقرير 'الفاو'، فإن الدول الإفريقية مثل السودان والصومال وكينيا تظل الأكثر عرضة للخطر بسبب اعتمادها الكلي على استيراد المدخلات الزراعية. كما حذر توريرو من أن دول الخليج العربي ستواجه تحديات جسيمة في تأمين احتياجاتها الغذائية، نظراً لأنها تستورد ما بين 70% إلى 90% من طعامها عبر الممرات المائية المهددة حالياً بالإغلاق الدائم.
واقترحت المنظمة الأممية حلولاً عاجلة لتقليل المخاطر، من بينها البحث عن مرافئ بديلة في سلطنة عُمان والبحر الأحمر، أو تحويل مسارات الشحن عبر الأراضي التركية. وشدد توريرو على ضرورة استلهام الدروس من الحرب الروسية الأوكرانية لتأمين وصول الموارد الغذائية للدول الهشة مثل بنغلاديش وباكستان وسريلانكا قبل فوات أوان الموسم الزراعي الجديد.
وفيما يتعلق بالداخل الإيراني، توقعت المصادر الاقتصادية أن تشهد الأسواق المحلية ارتفاعاً جنونياً في الأسعار نتيجة الحصار والعمليات العسكرية المستهدفة. وأوضحت تقارير أن الهدف الاستراتيجي من التصعيد الحالي، وفقاً لتقديرات استخباراتية، هو إضعاف النظام الإيراني وتقليص نفوذه الإقليمي بدلاً من الإطاحة الفورية به، وهو ما يطيل أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.
وتضع 'الفاو' حالياً أولويات قصوى لحماية الفئات الأكثر تأثراً، من خلال تعزيز مبادرات الصمود الزراعي والاستدامة، مثل مشاريع الأمونيا الخضراء والإنتاج المحلي. وتؤكد المنظمة أن المهمة الأساسية للمجتمع الدولي يجب أن تتركز على ضمان استقرار سلاسل الإمداد وحماية الدول الفقيرة من أن تصبح ضحية مباشرة للصراعات الجيوسياسية الكبرى في المنطقة.
ختاماً، يبقى مصير الأمن الغذائي العالمي معلقاً بمدى القدرة على لجم التصعيد العسكري في مضيق هرمز وتجنيب القطاع الزراعي ويلات الحرب. فبينما تتصارع القوى الكبرى على النفوذ واليورانيوم، يواجه مئات الملايين من البشر خطر الجوع الحقيقي، مما يتطلب تحركاً دولياً عاجلاً يفصل بين الملفات السياسية وحق الشعوب في الحصول على الغذاء والدواء.
المصدر:
القدس