آخر الأخبار

أهداف الحرب الصهيونية الأمريكية وأبعادها الدينية والاقتصادية

شارك

تشير القراءات السياسية الراهنة إلى أن الحرب الأخيرة في المنطقة تتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة، لتصب في خانة مشروع صهيوني توسعي يهدف لتحقيق حلم 'دولة يهودا والسامرة'. ويرى مراقبون أن بنيامين نتنياهو يسعى لتوظيف هذه المواجهة لتحويل إسرائيل إلى القوة المهيمنة الوحيدة في الشرق الأوسط، مستنداً إلى دعم أمريكي غير مسبوق يتبنى لغة القوة فوق أي اعتبارات أخلاقية أو قانونية دولية.

تتجلى الأبعاد العقائدية لهذه الحرب في تصريحات أقطاب الإدارة الأمريكية الجديدة، حيث برز وزير الدفاع بيت هيغسيث كأحد الأصوات التي تدمج بين المصطلحات الدينية والمبررات العسكرية. وقد رصدت تقارير إعلامية لجوء الوزير إلى توظيف المبررات المسيحية المتصهينة داخل أروقة البنتاغون، وهو ما يتقاطع مع رؤية الرئيس ترامب الذي يتحدث عن 'مهمة إلهية' لإنقاذ بلاده وإعادة صياغة النظام العالمي.

لا تقتصر الأطماع الأمريكية على الجغرافيا العربية، بل تمتد لتشمل رؤية استعمارية واسعة النطاق تستهدف الهيمنة على منابع الطاقة العالمية. وتكشف التحركات الأخيرة عن رغبة واشنطن في السيطرة على بترول وغاز المنطقة، بالتزامن مع ضغوط تمارسها على دول مثل كندا والدنمارك لضم أراضٍ أو فرض سيادة اقتصادية، مما يعكس نهجاً يتجاوز التحالفات التقليدية نحو فرض الإرادة بالقوة.

في سياق الصراع الدولي، تبرز الصين كهدف رئيسي للاستراتيجية الأمريكية التي تسعى لحرمان بكين من مصادر الطاقة الحيوية القادمة من إيران وفنزويلا. ومن خلال التهديد باستهداف البنية التحتية النفطية الإيرانية والسيطرة على مضيق هرمز، تحاول واشنطن إحكام الخناق على الاقتصاد الصيني الذي يعتمد بشكل كبير على هذه الإمدادات لضمان استمرار نموه الصناعي والتقني.

تؤكد المعطيات الميدانية أن ترامب حدد مهلة زمنية قصيرة لا تتجاوز خمسة أيام قبل البدء باستهداف المنشآت الحيوية الإيرانية، في خطوة تهدف لفرض شروط قاسية تتضمن وقف تخصيب اليورانيوم. وتأتي هذه التهديدات في وقت تشهد فيه المنطقة حراكاً دبلوماسياً تقوده باكستان، التي تلعب دور الوسيط الرئيسي والراعي للمصالح الإيرانية في واشنطن منذ عقود، لمحاولة نزع فتيل الانفجار الشامل.

وعلى الرغم من نفي طهران الرسمي لإجراء مفاوضات مباشرة مع الجانب الأمريكي، إلا أن مصادر دبلوماسية أكدت استمرار تبادل الرسائل عبر وسطاء دوليين لتجنب المواجهة الكبرى. ويقود قائد الجيش الباكستاني عاصم منير جهوداً مكثفة للتواصل مع فريق ترامب، بينما يسعى رئيس الوزراء شهباز شريف لفتح قنوات اتصال تضمن خفض التصعيد العسكري في منطقة الخليج ومضيق هرمز.

يرى محللون أن السياسة الأمريكية الحالية قد تؤدي إلى 'بداية النهاية' للإمبراطورية بسبب خسارة الحلفاء التقليديين في أوروبا وكندا نتيجة السياسات الضريبية والتوسعية. إن فرض السلام بالقوة والتعامل مع الدول كأدوات لتحقيق المصالح الاقتصادية الضيقة أضعف الروابط التاريخية التي كانت تعتمد عليها واشنطن في حروبها الدولية السابقة، مما يتركها وحيدة في مواجهة أزمات معقدة.

القوة هي الأساس وليست الأخلاق؛ هكذا يرى نتنياهو مستقبل الشرق الأوسط في ظل تحالفه مع الإدارة الأمريكية الجديدة.

في المقابل، يبرز التناقض الصارخ في الموقف الدولي تجاه الحكومات اليمينية المتطرفة في إسرائيل، حيث تحظى بدعم وغطاء كاملين رغم سياساتها القمعية. وفي حين تُحارب القوى الوطنية والإسلامية المعتدلة في المنطقة العربية تحت مسميات مختلفة، يتم استيعاب ودعم الأحزاب الصهيونية الأكثر تطرفاً، مما يكشف عن ازدواجية معايير تهدف لإبقاء المنطقة في حالة من التمزق والتبعية.

إن استهداف الحركات العقائدية في المنطقة ينبع من إدراك القوى الاستعمارية بأن الشعوب التي تمتلك إرادة صلبة يصعب هزيمتها عسكرياً، كما أثبتت التجارب في غزة وأفغانستان. لذا، يتم العمل على إثارة الصراعات الداخلية وتأليب الحكومات ضد المكونات الشعبية لضمان تفتيت الجبهات الداخلية وإشغال الأمة بصراعات جانبية تستنزف طاقاتها البشرية والمادية.

تعتبر الصين 'طريق الحرير الحديث' وسيلة لكسر الهيمنة الأمريكية، وهو ما يفسر الشراسة في التعامل مع الملف الإيراني كونه حلقة وصل أساسية في هذا المشروع. إن السيطرة على طرق التجارة والموانئ وخطوط الأنابيب أصبحت جوهر الصراع العالمي الجديد، حيث تسعى واشنطن لعرقلة أي تقدم اقتصادي قد يزيحها عن عرش الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030.

على الصعيد الميداني، تشير التقارير إلى أن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس ينسق بشكل وثيق مع بنيامين نتنياهو لضمان توافق العمليات العسكرية مع الأهداف السياسية المشتركة. هذا التنسيق العالي يعكس رغبة الطرفين في فرض واقع جديد على الأرض قبل انتهاء المهل الزمنية الممنوحة للوسطاء، مما يضع المنطقة على فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة.

إن التاريخ يشهد بأن محاولات فرض الهيمنة المطلقة غالباً ما تصطدم بمقاومة الشعوب، وأن التحالفات المبنية على المصالح الضيقة تنهار أمام أول اختبار حقيقي. ومع استمرار التصعيد في الجبهات المختلفة، يبقى الرهان على وعي الشعوب العربية والإسلامية بضرورة التوحد لمواجهة المشاريع التي تستهدف وجودها وهويتها ومقدراتها الاقتصادية.

ختاماً، فإن المشهد الراهن يتطلب قراءة دقيقة للتحولات الجيوسياسية، حيث لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية بل هي صراع إرادات على مستقبل الطاقة والتجارة العالمية. إن ما يحدث في فنزويلا وإيران وأوكرانيا ليس إلا فصولاً في رواية واحدة عنوانها السعي الأمريكي لاستعادة القطبية الأحادية مهما كان الثمن الإنساني أو الأخلاقي.

يبقى السؤال المطروح حول قدرة القوى الإقليمية على المناورة في ظل هذه الضغوط الهائلة، ومدى نجاح الوساطات الدولية في لجم الطموحات التوسعية لنتنياهو وترامب. إن الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد مسار المنطقة، فإما الذهاب نحو تسويات شاملة تحفظ الحقوق، أو الانزلاق نحو حرب كبرى تعيد رسم خارطة العالم من جديد.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا