آخر الأخبار

غسان أبو ستة في بيروت: جراح غزة يرمم جراح أطفال لبنان

شارك

يسابق الطبيب الفلسطيني البريطاني غسان أبو ستة، جراح الترميم الشهير، عقارب الساعة في العاصمة اللبنانية بيروت، بهدف إنقاذ حياة عشرات الأطفال الذين مزقت الغارات الإسرائيلية أجسادهم. وتأتي هذه الجهود في ظل تصعيد عسكري عنيف طال مناطق متفرقة من لبنان، مخلفاً إصابات معقدة تتطلب تدخلات جراحية دقيقة وطويلة الأمد.

ووفقاً لآخر تحديثات وزارة الصحة اللبنانية، فقد تجاوزت حصيلة الضحايا عتبة الألف قتيل، من بينهم ما لا يقل عن 118 طفلاً، فيما أصيب نحو 370 طفلاً بجروح متفاوتة الخطورة. هذه الأرقام تعكس حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها المدنيون، وخاصة الفئات الأكثر ضعفاً التي تجد نفسها في مرمى النيران.

القطاع الصحي اللبناني لم يكن بمنأى عن الاستهداف، حيث أحصت الوزارة مقتل 40 عاملاً في المجال الطبي وإصابة 119 آخرين منذ اندلاع المواجهات. كما تسبب القصف المكثف في إغلاق خمسة مستشفيات بشكل كامل، مما وضع ضغوطاً هائلة على المنشآت الطبية المتبقية التي تحاول استيعاب تدفق الجرحى.

في المركز الطبي للجامعة الأمريكية ببيروت، تستقبل وحدة العناية المركزة للأطفال حالات حرجة وصلت من مختلف أنحاء البلاد. وأمام أبواب هذه الوحدة، يقف الآباء والأمهات في حالة من اليأس والتضرع، آملين في نجاة أطفالهم من إصابات بليغة غيرت ملامح حياتهم في لحظات.

ويروي الدكتور أبو ستة، خلال استراحة قصيرة بين عمليتين جراحيتين، تفاصيل بعض الحالات التي عاينها، ومنها طفلة في الحادية عشرة أصيبت بشظية في البطن وبتر جزء من قدمها. وأكد الطبيب أن وضعها بات مستقراً الآن، لكنها تمثل نموذجاً لمئات الأطفال الذين يواجهون مصيراً مشابهاً جراء القصف العشوائي.

وتشمل الإصابات التي يتعامل معها الفريق الطبي يومياً أطرافاً ممزقة، وإصابات مباشرة في الرأس، وشظايا استقرت في العيون والوجوه، بالإضافة إلى كسور مضاعفة وتضرر عميق في الأنسجة. ويشرح أبو ستة أن الطفل الواحد قد يعاني من كل هذه الإصابات مجتمعة، مما يضطره للخضوع لسلسلة طويلة من العمليات الجراحية.

وعلى وجه الطبيب الخمسيني ترتسم ملامح إرهاق شديد، وهو يتحدث عن ثلاث شقيقات وصلن إلى المستشفى قبل أسبوعين بإصابات حرجة للغاية. ويقول إنه يضطر لإدخالهن غرفة العمليات كل 48 ساعة لتنظيف الجروح وإزالة الأنسجة الميتة، تمهيداً لبدء مراحل الجراحة الترميمية المعقدة لاحقاً.

لا يمكن التأقلم أبداً مع معاناة الأطفال الذين يدفعون ثمناً باهظاً في تلك الحروب، ولا ينبغي أن يتحول الطفل إلى مجرد رقم في حصيلة الضحايا.

بالنسبة لأبو ستة، فإن هذه المشاهد ليست غريبة، فقد كرس حياته المهنية لعلاج جرحى الحروب في الشرق الأوسط، واصفاً النزاعات المسلحة بأنها باتت كـ 'مرض متوطن' في المنطقة. ويشدد على ضرورة عدم التعامل مع الأطفال كأرقام صماء في الإحصائيات، بل كأرواح لها هويات وقصص تستحق الحياة.

بدأت رحلة أبو ستة مع طب النزاعات عام 1991 عندما كان طالباً، حيث عاين آثار حرب الخليج في الكويت التي ولد فيها لأب فلسطيني وأم لبنانية. ومنذ ذلك الحين، تنقل بين غزة خلال الانتفاضة الأولى، وجنوب لبنان عام 1996، وصولاً إلى العراق واليمن، مع حرصه الدائم على العودة لقطاع غزة في كل عدوان.

وفي عام 2023، نجا الطبيب بأعجوبة من القصف الذي استهدف المستشفى المعمداني في غزة، حيث قضى هناك 43 يوماً تحت القصف المستمر. واليوم، يرى أبو ستة تشابهاً مرعباً بين ما حدث في القطاع وما يجري في لبنان، واصفاً المشهد اللبناني الحالي بأنه 'نسخة مصغرة' من مأساة غزة.

وأفادت مصادر طبية بأن الضاحية الجنوبية لبيروت فقدت أربعة مستشفيات حيوية، كان أحدها يضم وحدة عناية مركزة متطورة للأطفال، وذلك بعد إخلائها قسراً تحت وطأة القصف. هذا التوقف القسري للمرافق الصحية يفاقم من معاناة المرضى ويزيد من صعوبة السيطرة على الأزمة الصحية المتصاعدة.

ويشير أبو ستة إلى أن استهداف سيارات الإسعاف يجعل من نقل الأطفال المصابين بين المستشفيات في الجنوب والبقاع عملية محفوفة بالمخاطر القصوى. ويضيف أن عمليات النقل لا يمكن أن تتم إلا في وضح النهار، ومع ذلك فهي تستغرق وقتاً طويلاً بسبب تدمير البنية التحتية والتهديدات الأمنية المستمرة.

ولمواجهة هذه التحديات، أطلق الطبيب 'صندوق غسان أبو ستة للأطفال' في عام 2024، بهدف توفير رعاية طبية متكاملة للأطفال المصابين في غزة ولبنان. ولا تقتصر مهمة الصندوق على العمليات الجراحية العاجلة، بل تمتد لتشمل المتابعة الجسدية والنفسية الطويلة الأمد بعد الخروج من المستشفى.

ويختتم أبو ستة حديثه بقصة طفل في الرابعة من عمره، فقد عائلته بالكامل وبترت رجله وأصيب في رأسه، متسائلاً عن مصير هؤلاء الأطفال بعد انتهاء الحرب. ويؤكد أن الحرب لا تدمر الأجساد فقط، بل تفتك بالبنية الأسرية والاجتماعية، خاصة للعائلات الفقيرة التي لا تملك القدرة على مواجهة تبعات الإصابات الدائمة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا