خيم الحزن والهدوء القسري على مدينة القدس المحتلة في أول أيام عيد الفطر، حيث غابت مظاهر الاحتفال المعتادة نتيجة تشديد الاحتلال قبضته الأمنية ومنع المصلين من الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك. وبدت شوارع المدينة وأزقة البلدة القديمة خالية من الحشود التي دأبت على إحياء شعائر العيد في باحات المسجد، مما حول العيد إلى يوم من القهر والألم.
وأفادت مصادر ميدانية بأن قوات الاحتلال واصلت إغلاق مداخل المسجد الأقصى ومنعت الدخول إليه منذ ساعات الفجر الأولى، وهو إجراء مستمر منذ اندلاع المواجهات العسكرية الأخيرة قبل نحو ثلاثة أسابيع. هذا الواقع انعكس بوضوح على وجوه مئات المواطنين الذين تجمعوا أمام بوابات البلدة القديمة في محاولة يائسة للوصول إلى قبلتهم الأولى.
ووصف المواطن وجدي محمد شويكي الأجواء بأنها مؤلمة للغاية، مشيراً إلى أن حرمان المسلمين من الصلاة في ثالث الحرمين الشريفين يمثل وضعاً كارثياً يتجاوز حدود القدس ليصل إلى كل المسلمين في العالم. وأكد أن مصادرة حق العبادة في هذا اليوم المبارك تزيد من عمق الجرح الفلسطيني النازف جراء الحرب المستمرة.
ومنذ بدء التصعيد العسكري قبل 21 يوماً، فرضت سلطات الاحتلال قيوداً مشددة شملت منع الدخول إلى الأماكن المقدسة في البلدة القديمة، بما في ذلك حائط البراق وكنيسة القيامة والحرم القدسي الشريف. وتذرعت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بأسباب أمنية لفرض حظر على تجمع أكثر من خمسين شخصاً في تلك المناطق الحيوية.
وحاول عدد من المصلين خلال الأيام الماضية كسر الحصار المفروض عبر أداء الصلوات عند أسوار البلدة القديمة وتحت مراقبة لصيقة من عناصر الشرطة. إلا أن هذه المحاولات كانت تقابل غالباً بالاعتداء الجسدي والإبعاد القسري، في محاولة لمنع أي تجمع فلسطيني داخل أو حول المركز التاريخي للمدينة.
ومع بزوغ فجر العيد، توافدت مجموعات صغيرة من الرجال والشباب يحملون سجادات صلاتهم، محاولين الاقتراب من الأبواب وهم يرددون تكبيرات العيد وهتافات الشهادة. واجهت قوات الاحتلال هذه المجموعات باستخدام القوة المفرطة وإطلاق القنابل المسيلة للدموع لتفريقهم ومنعهم من التجمهر في الساحات المؤدية للمسجد.
ورغم القمع المستمر، أصر المصلون على البقاء في أماكنهم، مما دفع شرطة الاحتلال في نهاية المطاف للسماح لهم بأداء صلاة سريعة في عرض الشارع. وأمّ المصلين إمام وقف على كرسي بلاستيكي وسط الطريق، في مشهد يجسد معاناة المقدسيين وإصرارهم على ممارسة شعائرهم رغم التضييق الأمني.
ولم ينتهِ المشهد عند انتهاء الصلاة، إذ قامت قوات الاحتلال بملاحقة المصلين أثناء مغادرتهم المكان عبر الأزقة الضيقة واعتدت على بعضهم بالضرب. ووصف شهود عيان المشهد بأنه غير مألوف وموحش، خاصة عند مقارنته بالسنوات الماضية التي كانت تشهد تدفق أكثر من مئة ألف مصلٍ إلى رحاب الأقصى.
من جانبه، أشار أيمن أبو نجم، أحد سكان بيت حنينا، إلى أن الأصل هو أداء الصلاة داخل المسجد الأقصى وليس في الشوارع المحيطة به. وأكد أبو نجم أن هذه الفترة تعد الأطول في تاريخ الإغلاقات التي تعرض لها المسجد، مما يشير إلى تصعيد غير مسبوق في سياسات الاحتلال تجاه المقدسات.
وعبر المواطن زياد منة عن شعوره بالحزن العميق، موضحاً أن بداية شهر رمضان كانت تبشر بالخير، لكن إغلاق المسجد واندلاع الحرب حولا الفرحة إلى غصة. وأضاف أن الحزن والقهر باتا السمة الغالبة على سكان المدينة الذين يشعرون بالعزلة والحرمان من أبسط حقوقهم الدينية والوطنية.
في المقابل، زعم متحدث باسم شرطة الاحتلال أن قوات الأمن سمحت بإقامة الصلاة في الشارع دون تدخل مباشر في البداية، رغم حالة التأهب القصوى. وادعى أن التدخل جاء فقط عندما تجاوزت الحشود الأعداد المسموح بها وحاولت اقتحام البلدة القديمة، زاعماً أن الإجراءات تهدف لحماية الجمهور من التهديدات الصاروخية.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الحرب والقصف، مما جعل من عيد الفطر هذا العام واحداً من أصعب الأعياد التي تمر على مدينة القدس. ويبقى المسجد الأقصى رهينة للإجراءات العسكرية التي تحرم آلاف الفلسطينيين من الوصول إليه، وسط صمت دولي وتصاعد في وتيرة الانتهاكات اليومية.
المصدر:
القدس