تحولت أجواء التحضير لعيد الفطر في بلدة بيت عوا، الواقعة جنوب غرب مدينة الخليل، إلى مأساة وطنية شاملة بعد أن استهدف الموت تجمعاً للنساء في أحد صالونات التجميل. فبينما كانت النسوة يستعددن لاستقبال العيد بروح متجددة، اخترقت شظايا صاروخ اعتراضي سقف الصالون المعدني، محولة المكان إلى ساحة من الدماء والدمار.
وأكدت مصادر طبية وشهود عيان أن الحادثة أسفرت عن ارتقاء أربع شهيدات، من بينهن نساء حوامل، بالإضافة إلى إصابة أكثر من عشر نساء بجروح متفاوتة. وقد خيم الحزن العميق على كافة بيوت البلدة التي كانت تتهيأ للفرح، لتجد نفسها فجأة في موكب تشييع جنائزي مهيب يودع زهرات من بناتها.
وتروي الجريحة هديل مسالمة، البالغة من العمر 24 عاماً، تفاصيل اللحظات المرعبة التي عاشتها داخل الصالون، حيث كانت تعمل مع شريكتها الشهيدة ساهرة مسالمة. وتقول هديل إن التيار الكهربائي انقطع فجأة وانعدمت الرؤية، لتكتشف لاحقاً أن شريكتها ساهرة قد فارقت الحياة فور سقوط الشظية على 'الكرفان' الذي يتخذنه مقراً لعملهن.
ولم تتوقف الفاجعة عند ساهرة، بل امتدت لتطال الشابة أسيل مسالمة، التي كانت تخضع لجلسة تجميل وقت وقوع الحادثة، حيث ارتقت شهيدة وهي حامل في شهرها الثاني. هديل التي أصيبت بشظايا في وجهها وجسدها، أصرت على مغادرة المستشفى رغم جراحها لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على رفيقة دربها وحلمها المهني.
وفي منزل آخر من عائلة مسالمة، تعيش الأم حنان غطاشة صدمة فقدان ابنتها أمل البالغة من العمر 27 عاماً، والتي كانت تحلم بإكمال دراساتها العليا في تخصص المحاسبة. أمل، التي كانت حاملاً أيضاً، ذهبت لتجهيز نفسها للعيد مع طفلتها، لكن شظايا الاحتلال كانت أسرع من أحلامها، مخلفة وراءها أطفالاً يتساءلون بمرارة عن غياب أمهم.
وتصف حماة الشهيدة أمل حالة الانكسار التي تعيشها العائلة، مشيرة إلى أن زوج الشهيدة كان قد اشترى لها ملابس العيد التي لن ترتديها أبداً. وأوضحت أن الانفجارات دوت بعد دقائق قليلة من خروج أمل من المنزل، لتبدأ رحلة البحث عنها في المستوصفات والمستشفيات قبل تأكيد خبر استشهادها.
أما عائلة الشهيدة ميس مسالمة، فقد كانت تنتظر عودتها للاحتفال بعيد ميلادها الثاني والعشرين، حيث وعدت ميس عائلتها بتحضير قالب من الكعك لهذه المناسبة. وبدلاً من الاحتفال، استقبلت العائلة جثمان ابنتها التي قضت في الحادثة ذاتها، لتنتهي وعود الفرح تحت أنقاض الصالون المدمر.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن بلدة بيت عوا تعيش قلقاً دائماً بسبب موقعها الجغرافي المحاط بالمستوطنات الإسرائيلية مثل 'شيكف' و'أماتسيا'. وتفتقر البلدة، كغيرها من القرى الفلسطينية، إلى أي بنى تحتية حامية أو ملاجئ، مما يجعل السكان عرضة لمخاطر الصواريخ الاعتراضية التي تسقط فوق رؤوسهم باستمرار.
وأوضحت وزارة الداخلية في بيان لها أن التحقيقات الأولية أثبتت أن الدمار والوفيات نتجت عن سقوط مباشر لشظايا صاروخ اعتراضي أصاب السقف المعدني الهش للصالون. وتتوزع نقاط منظومات القبة الحديدية بشكل ملاصق للبلدات الفلسطينية، دون مراعاة لسلامة المواطنين الفلسطينيين أثناء عمليات الاعتراض الجوي.
من جانبه، أكد مدير بلدية بيت عوا، محمد مسالمة أن المصاب الذي ألمّ بالبلدة جلل وغير مسبوق، مشدداً على خطورة غياب المعلومات الرسمية حول مواقع منصات الاعتراض. وأضاف أن هذا الغموض يمنع الجهات المحلية من تقديم إرشادات دقيقة للمواطنين لضمان سلامتهم في ظل التهديدات العسكرية المستمرة.
وتسود حالة من الغضب في الشارع الفلسطيني وسط اتهامات للاحتلال بتعمد توجيه المنظومات الاعتراضية لتسقط شظاياها فوق المناطق المأهولة بالسكان. وقد تكررت حوادث سقوط الشظايا في عدة بلدات مثل كفر قاسم وجلجولية خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، مما يشير إلى نمط خطير من الاستهتار بحياة المدنيين.
ويرى مراقبون أن أنظمة الدفاع الإسرائيلية تتعامل مع القرى والبلدات الفلسطينية باعتبارها 'مناطق مفتوحة' خالية من السكان، مما يسمح بتفجير الصواريخ فوقها. ويُعد هذا التعامل وجهاً جديداً من أوجه التمييز العنصري، حيث يتم تفضيل حماية المستوطنات على حساب أرواح الفلسطينيين في الضفة والداخل.
وقد شيعت جماهير غفيرة في محافظة الخليل جثامين الشهيدات الأربع في جنازة عسكرية وشعبية مهيبة انطلقت من مستشفى دورا الحكومي. ورفع المشيعون شعارات تندد بالجرائم المستمرة بحق الشعب الفلسطيني، مطالبين بتوفير حماية دولية للمدنيين العزل الذين يقتلون في بيوتهم وأماكن عملهم.
ومع مواراة الشهيدات الثرى، يبقى صالون التجميل في بيت عوا شاهداً بآثار دمائه ودماره على فاجعة ستبقى محفورة في ذاكرة البلدة. لقد تحول العيد إلى مأتم مفتوح، وبقيت ملابس العيد الجديدة معلقة في الخزائن، تذكر الأيتام والأمهات المكلومات بأحبة خطفهم الموت في لحظة غدر صاروخية.
المصدر:
القدس