آخر الأخبار

الاحتلال يعيد رسم حدود غزة: ماذا يحدث خلف الخط الأصفر؟

شارك

يرقب الفلسطينيون القاطنون على مقربة من الخط الأصفر في قطاع غزة تحركات عسكرية إسرائيلية نشطة تهدف إلى إقامة سواتر رملية ضخمة، وذلك لتحصين مواقع مستحدثة داخل عمق القطاع. وتتزامن هذه الأنشطة مع استمرار عمليات الهدم الممنهج والنسف لما تبقى من مربعات سكنية في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الاحتلال، وسط استهداف مباشر للمواطنين المقيمين على الأنقاض.

وأفادت مصادر ميدانية بأن جيش الاحتلال عمد إلى تدمير وتجريف كافة المباني القائمة لإزالة العوائق البصرية أمام ثكناته العسكرية، التي باتت تظهر بوضوح للسكان في المناطق المجاورة. كما يعمل الجيش على تزويد هذه المواقع بوسائل إنارة متطورة تعمل على مدار الساعة، مع تعزيز الوجود العسكري بآليات وجرافات لا تتوقف عن العمل في تسوية الأرض.

وفي مخيم جباليا شمال قطاع غزة، أشار مواطنون إلى أن الاحتلال يحرص على تثبيت رافعات حديدية شاهقة تعتليها أجهزة رقابة إلكترونية دقيقة، مما يسهل على الجنود استهداف أي حركة خارج الخط الأصفر. ويشتكي السكان من إطلاق النار العشوائي والقذائف المدفعية التي تصيب منازلهم بشكل متكرر، مما يحول حياتهم إلى خطر دائم ومستمر.

ويعد الخط الأصفر في منطقة جباليا النقطة الأعمق لاختراق القطاع، حيث يلتهم مساحات واسعة ويضع نحو 60% من مساحة المخيم تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة. ورغم التفاهمات التي تقضي بانسحاب القوات من داخل المدن، إلا أن الاحتلال يواصل التملص من التزاماته، رابطاً تراجعه بشروط أمنية معقدة تتعلق بنزع سلاح المقاومة.

وأكد مصدر أمني مسؤول في غزة أن جيش الاحتلال يعمل وفق إستراتيجية متعددة الاتجاهات، تبدأ بتحويل أراضي المواطنين إلى ثكنات عسكرية ثابتة ومؤقتة تمنع أصحابها من الوصول إليها. ويهدف هذا الإجراء إلى تكريس واقع السيطرة بالقوة وتحويل المناطق الحيوية إلى نقاط تمركز للآليات العسكرية التي تقطع أوصال المناطق السكنية.

وتشمل عمليات الاحتلال تدمير البنية التحتية الأساسية من طرق وشبكات مياه وكهرباء ومرافق عامة داخل نطاق الخط الأصفر، لضمان بقاء هذه المناطق غير صالحة للحياة البشرية مستقبلاً. وتأتي هذه السياسة في إطار إحداث تغيير ميداني دائم في معالم المنطقة، بما يخدم الأهداف الأمنية طويلة الأمد لجيش الاحتلال.

الاحتلال يعيد رسم خريطة غزة لتقسيمها إلى كانتونات معزولة أمنياً، مما يجعل أي انسحاب مستقبلي مجرد إعادة تموضع وليس خروجاً حقيقياً.

وكشف المصدر الأمني عن توجه خطير يتمثل في تهيئة بيئة أمنية تخدم الوجود العسكري عبر تسهيل عمل عصابات محلية تستغل حالة الفوضى الناتجة عن العدوان. وتقوم هذه المجموعات بأدوار تخدم أجندة الاحتلال من خلال الإضرار بالممتلكات العامة وسرقة المساعدات الإنسانية، مما يفاقم من حالة عدم الاستقرار الاجتماعي داخل المجتمع الغزي.

من جانبه، يرى الباحث في الشأن الأمني رامي أبو زبيدة أن التحركات الإسرائيلية تندرج ضمن رؤية إستراتيجية لإعادة هندسة القطاع جغرافياً وأمنياً. ويوضح أن الهدف هو تحويل المساحات الشرقية إلى مناطق عازلة تمنع عودة السكان، وتؤمن في الوقت ذاته حرية الحركة النارية للجيش لتنفيذ ضربات محددة دون الحاجة لاجتياحات برية واسعة.

وتعتمد إسرائيل في هذه المناطق على ما يسمى بـ 'السيطرة الذكية'، حيث يتم اختبار منظومات تكنولوجية تعتمد على الذكاء الاصطناعي وبصمة الوجه عند نقاط التفتيش. وتهدف هذه الهندسة التكنولوجية إلى التحكم الكامل في حركة الأفراد، وربط احتياجاتهم الأساسية من غذاء ودواء بمعادلة الهدوء الأمني المطلق.

كما يسعى الاحتلال من خلال تعزيز وحدات الاستطلاع والجهد الاستخباراتي خلف الخط الأصفر إلى تحديث بنك أهدافه باستمرار ومنع المقاومة من التعافي أو إعادة التنظيم. ويشدد خبراء على أن ما يجري هو تقسيم فعلي لغزة إلى كانتونات معزولة، مما يجعل أي حديث عن انسحاب مستقبلي مجرد إعادة تموضع تقني على التخوم.

وفي سياق متصل، يلخص مدير المركز الفلسطيني للدراسات السياسية رامي خريس الأنشطة الإسرائيلية في أربعة مستويات، تبدأ بالتجريف الشامل للأرض لتحويلها إلى 'منطقة قتل مفتوحة'. ويلي ذلك إقامة بنية عسكرية شبه دائمة تشمل سواتر ترابية مرتفعة وطرقاً عسكرية داخلية تربط المواقع المستحدثة ببعضها البعض لضمان سرعة التحرك.

ويخلص خريس إلى أن الهدف النهائي هو فرض سيطرة نارية دائمة تمنع عودة السكان حتى في حال حدوث انسحابات جزئية، مما يحول الخط الأصفر إلى حزام إنذار مبكر. ويرى أن هذا البعد الإستراتيجي يهدف إلى إعادة رسم حدود قطاع غزة فعلياً بقوة السلاح، بعيداً عن أي اتفاقيات سياسية أو قرارات دولية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا