آخر الأخبار

معاناة عائلة مقداد في مخيم الشاطئ: حياة فوق الركام في غزة

شارك

في قلب مخيم الشاطئ المنهك شمال غرب مدينة غزة، تتجسد مأساة السكن في أبشع صورها داخل بناية مدمرة تفتقر للدرج والسلالم، حيث تتخذ عائلة المواطن جهاد مقداد من الطابق الرابع مأوىً لها. هذه البناية التي تبدو كصرح يئن من وطأة الحرب، باتت تحتضن أحلام العائلة المعلقة بين سكون الأطلال وخشية الانهيار المفاجئ في أي لحظة.

يروي جهاد مقداد، الملقب بأبي محمد، تفاصيل قاسية عن رحلة النزوح والعودة خلال حرب الإبادة، حيث تلقى تهديداً بالإخلاء القسري من جيش الاحتلال، ليخرج مع عائلته بلا أمتعة أو طعام. وبعد وقت قصير من النزوح، عاد ليجد منازل الجيران قد سويت بالأرض، بينما بقي منزله هيكلاً خرسانياً تائهاً بين الحياة والموت، يفتقر للإنارة والأمان.

تصف العائلة العيش في هذا المكان بأنه اختبار يومي للصبر، حيث تحولت أبسط المهام الحياتية إلى مخاطرة حقيقية. فعملية جلب الماء من الصهاريج في الشارع تتطلب رحلة شاقة لرفعه إلى الطابق الرابع عبر بقايا الدرج المحطم، مما يضع أفراد العائلة في مواجهة دائمة مع خطر الانزلاق والسقوط.

أطفال عائلة مقداد، الذين غاب عن وجوههم بريق اللعب، باتوا يتقنون لغة الصمت أكثر من أي شيء آخر، بينما تلاحقهم أسئلة وجودية حول مستقبلهم المجهول. يعيش هؤلاء الصغار في عزلة فرضتها الحرب، حيث تحيط بهم جدران متصدعة وشرفات معلقة بلا حماية، مما يجعل كل حركة داخل المنزل مغامرة غير مأمونة العواقب.

وفي حديثه لمصادر صحفية، أوضح أبو محمد أن العائلة عانت مرارة لا توصف، وانتهى بها المطاف للنوم في الطرقات قبل العودة إلى هذا الحطام. وأشار إلى أن المنزل أضحى متهالكاً ومنهكاً للغاية، حيث لا يوجد سلم للصعود ولا إنارة تضيء عتمة الليالي التي يقضونها في ترقب دائم.

من جانبها، تروي فاطمة مقداد لحظات الرعب التي عاشتها عندما انزلقت قدمها أثناء محاولتها تركيب حبال الغسيل على الشرفة المتضررة. شعرت فاطمة في تلك اللحظة أن حياتها تلاشت في الهواء، مؤكدة أن الخوف من السقوط بات يطارد الكبار والصغار على حد سواء في هذا البناء الآيل للسقوط.

تؤكد فاطمة أن مطالب العائلة بسيطة ولا تتعدى الرغبة في الحصول على 'كرفان' أو غرفة متنقلة تقيهم خطر الانهيار، إلا أن هذه الأحلام تصطدم بتعنت الاحتلال. وتضيف بمرارة أن الرغبة في البقاء هي ما يبقيهم ثابتين في هذا المكان، رغم فقدان الأمان وتحول العيش إلى اختبار يومي للجوع والعطش.

هذا الحطام قد يكون أفضل قليلاً من الشارع.. نتمنى من الله أن يفرّجها علينا وعلى أمة محمد أجمعين.

البناية التي تأوي العائلة ليست سوى هيكل خرساني يتألف من أربعة طوابق تعرضت لدمار جزئي هائل أدى لاختفاء الدرج بالكامل. الجدران المتصدعة والشرفات المفتوحة على الفراغ تفتقر لأبسط مقومات الحياة، بينما يبرز حطام مصعد الجيران كتهديد إضافي قد يؤدي لانهيار السقف في أي لحظة.

تختزل حكاية غياب السلالم في هذا المنزل قصة شعب صعد سلم المعاناة إلى منتهاه، حيث تضطر العائلة لاستخدام سلم خشبي بدائي لنقل احتياجاتها الأساسية. يقول أبو محمد إن حمل غالونات المياه الثقيلة والصعود بها يمثل عبئاً جسدياً ونفسياً كبيراً، خاصة مع اهتزاز المبنى وتحديه للجاذبية.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن المنزل يقف على أعمدة صامدة رغم كل الدمار، حيث تنام العائلة وعيونها معلقة بالسماء، ليس طلباً للنجوم بل خشية من سقوط السقف. ويحذر أبو محمد من أن ثقل محرك المصعد المدمر الجاثم فوق سقف شقتهم يمثل قنبلة موقوتة قد تنهي حياتهم في لحظة غفلة.

على الصعيد العام، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 92% من الوحدات السكنية في قطاع غزة قد تضررت أو دمرت بالكامل بحلول مطلع عام 2026. هذا الواقع المرير ترك مئات آلاف العائلات بلا مأوى حقيقي، مما فاقم من معاناة السكان في ظل الشتاء القارس والحصار المستمر الذي يمنع إعادة الإعمار.

ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي، والذي نص على تسهيل دخول المساعدات الإيوائية، إلا أن الواقع على الأرض يثبت عكس ذلك. تفرض سلطات الاحتلال قيوداً مشددة على المعابر، وتمنع دخول الكرفانات والمساكن المؤقتة التي تمثل طوق نجاة لآلاف الأسر المشردة.

تفيد مصادر إغاثية بأن عشرات الشاحنات المحملة بمواد الإيواء تظل عالقة لأيام طويلة بذريعة الدواعي الأمنية، مما يعطل تنفيذ بنود التهدئة. هذا التعطيل المتعمد حول الاتفاقات الدولية إلى وعود منقوصة، وأبقى عائلات مثل عائلة مقداد رهينة للركام والبرد القارس دون أفق قريب للحل.

يبقى الكرفان الممنوع من العبور حلماً مؤجلاً لعائلة مقداد، التي تجد نفسها مضطرة للمفاضلة بين العراء وبين سقف قد ينهار في أي لحظة. إنها حكاية الصمود الفلسطيني التي تتجلى في التمسك بالحياة فوق الأنقاض، بانتظار فرج قريب ينهي فصول هذه المأساة المستمرة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا