آخر الأخبار

الألكسو تختار محمد بكري رمزا للثقافة العربية 2026

شارك

أعلنت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) رسمياً عن اختيار الفنان والمخرج الفلسطيني الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربية لعام 2026. ويأتي هذا الإعلان في إطار الدورة الثانية عشرة لمبادرة الاحتفاء برموز الثقافة العربية الذين تركوا بصمات واضحة في مجالات الفكر والأدب والفنون.

وأكدت وزارة الثقافة الفلسطينية أن هذا الاختيار يمثل تكريماً لمسيرة بكري الحافلة، حيث جعل من الواقع الفلسطيني اليومي مادة خصبة للتأمل الفلسفي والسياسي. وقد نجح الراحل في نقل تحولات المجتمع الفلسطيني إلى منصات الثقافة العالمية بأسلوب فني فريد جمع بين العمق والبساطة.

وقد قوبل قرار 'الألكسو' بترحيب واسع في الأوساط الثقافية العربية، التي رأت فيه إنصافاً لأحد أهم صناع السينما الملتزمة. واعتبر مثقفون أن بكري حول العمل الفني إلى مختبر بصري مفتوح يوثق نضال الإنسان الفلسطيني ويدين ممارسات الاحتلال الإسرائيلي المستمرة.

لم يكن الفن بالنسبة لمحمد بكري مجرد خيار جمالي أو وسيلة لتحقيق الشهرة الرمزية، بل كان يراه ضرورة وجودية لا يمكن الاستغناء عنها. وقد تجلى هذا الإصرار في مساره المهني الذي اتسم بالتضحية والمواجهة المباشرة مع محاولات طمس الهوية الوطنية.

ويستذكر الوسط الفني الملاحقات القضائية الطويلة التي تعرض لها بكري من قبل السلطات الإسرائيلية بسبب فيلمه الشهير 'جنين جنين'. ورغم الضغوط والمنع، أصر الفنان الراحل على تحويل جسده وفنه إلى أداة للتعريف بالقضية الفلسطينية في كبرى المحافل الدولية.

وتشير سيرة صاحب فيلم 'ما تبقى منك' إلى أن الكاميرا كانت قدراً محتوماً في حياته، حيث ارتبطت معظم أدواره بسرديات تعاند الرواية الإسرائيلية. وقد استخدم بكري أدوات التكثيف الجمالي والأداء المسرحي العميق لنقد السلطة والاحتلال بأسلوب ساخر ومؤثر في آن واحد.

منذ اللحظة التي قرر فيها جيش الاحتلال جر بكري إلى المحاكم بتهمة تشويه سمعة الجنود، تكرس موقفه الأخلاقي تجاه السينما. فقد أثبت للعالم أن الفن ليس وسيلة للترفيه فحسب، بل هو رسالة وطنية تتطلب صلابة في المواقف وإخلاصاً تاماً للقضايا العادلة.

السينما عند محمد بكري لم تكن ترفيهاً بل موقفاً أخلاقياً تجاه العالم، ووسيلة لإدانة جرائم الاحتلال.

ويحمل لقب 'رمز الثقافة العربية' دلالة رمزية مضاعفة في ظل استمرار سلطات الاحتلال في منع عرض أعمال بكري داخل الأراضي المحتلة. ورغم محاولات القتل الرمزي، ظلت أفلامه حاضرة بقوة عبر المنصات الرقمية، حيث يعيد الجمهور اكتشافها كشهادات حية لا تقبل المحو.

لقد قدم فيلم 'جنين جنين' وثيقة بصرية قاسية لما حدث في المخيم خلال شهر أبريل من عام 2002، مسجلاً فصلاً من فصول القمع. ويأتي تكريم 'الألكسو' اليوم ليكون امتداداً واعياً لهذا الإرث، وضماناً لاستمرار الشعلة التي أضاءها بكري للأجيال القادمة من المبدعين.

آمن محمد بكري بأن السينما التي لا تخدم قضية إنسانية هي سينما بلا جدوى، ولذلك حرص على أن تكون علاقته بالفن علاقة موقف قبل أن تكون مهنة. وتجلت هذه القناعة في أعماله المكتملة جمالياً مثل 'حكاية الجواهر الثلاث' و'حيفا'، التي وثقت الذاكرة الفلسطينية.

وفي فيلم 'هانا ك' للمخرج العالمي كوستا غافراس، قدم بكري أداءً استثنائياً جسد فيه مأزق الفلسطيني المتهم بالإرهاب في وطنه. وقد أحدث الفيلم صدى عالمياً واسعاً، حيث نجح في موازنة حرارة الشهادة الواقعية مع قوة التخييل السينمائي الرصين.

منحت السينما محمد بكري شرعية إضافية في مواجهة الاحتلال، فكانت بمثابة 'يده اليمنى' في فضح الجرائم المرتكبة على الأرض. وكانت سلطات الاحتلال تدرك خطورة فنه، فكانت تتهيأ لمواجهته في المحاكم مع كل عمل جديد يطرحه للنور.

ساهم بكري بشكل جوهري في ترسيخ حضور السينما الفلسطينية في المهرجانات العالمية، مما مهد الطريق لجيل جديد من المخرجين الشباب. ولم ينفصل هذا الجيل عن إرث بكري، بل نسج معه صلة جمالية عميقة تبحث في تفاصيل الحياة اليومية تحت الاحتلال.

زاوج الراحل في مسيرته بين التمثيل والإخراج، مؤكداً أن الأفلام التي أخرجها كانت نابعة من حاجة العالم لسماع حكايات لا يرويها غيره. وبفضل هذا العشق المزدوج للفن، نجح بكري في اختراق الجغرافيا العربية ليكون سفيراً حقيقياً لفلسطين في أرقى المحافل الدولية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا