الحدث الاقتصادي
أولاً: الإطار التحليلي – الحرب كأداة اقتصادية
لا يبدو أن أي توقف محتمل للعدوان الأمريكي–الإسرائيلي على إيران—في حال لم يُفضِ إلى اختراق استراتيجي حاسم يُعيد تشكيل بنية النظام الإيراني أو موقعه في توازنات القوى—سيعني نهاية التوتر. بل على العكس، فإن سيناريو حرب بلا حسم يحمل، من منظور أمريكي، مخاطر اقتصادية عميقة، إذ قد يفتح الباب أمام أزمة مالية–اقتصادية واسعة داخل الولايات المتحدة، تستحضر في ملامحها تداعيات عام 2008، التي جاءت – جزئياً - نتيجة تعثر مشروع إعادة تشكيل الإقليم بفعل الصمود الفلسطيني – اللبناني بين عامي 2000 و2006 .
فمن منظور الاقتصاد السياسي، لا يمكن فصل الحرب عن طبيعة الاقتصاد الأمريكي، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاقتصاد الرمزي/الافتراضي - اقتصاد المال والأسواق والمشتقات - حيث لا تُعدّ القوة العسكرية مجرد أداة جيوسياسية، بل رافعة لإدارة التوقعات، وضبط التدفقات المالية، وإعادة إنتاج الهيمنة. في هذا السياق، يصبح اصطناع الأزمات البعيدة جغرافياً وسيلة هروب من تفجّر أزمات عميقة وواسعة داخلياً .
ثانياً: الجذر التاريخي – من الصمود المحلي إلى اضطراب النظام العالمي
يمكن تتبع الجذور التفسيرية لهذه الدينامية من خلال المسار الممتد من انتفاضة الأقصى عام 2000، مروراً بتحرير جنوب لبنان، وصولاً إلى صمود المقاومة اللبنانية عام 2006. لم تكن هذه الأحداث مجرد محطات صراع، بل شكلت لحظة تراكمية عطّلت مشروع "الشرق الأوسط الجديد"، وأجبرت القوى الإمبريالية على إعادة هندسته . غير أن الأثر الأعمق لهذا التعطيل لم يكن سياسياً فحسب، بل اقتصادياً-مالياً بالدرجة أيضاً؛ إذ أدى إلى انقلاب في توقعات المستثمرين الذين راهنوا على نجاح مشروع إعادة تشكيل الإقليم، ما أطلق سلسلة من التفاعلات داخل المركز الرأسمالي :
هذا التحول في التوقعات، مترافقاً مع هشاشة البنية المالية ذاتها وتعاظم حالة عدم اليقين، ساهم في تهيئة البيئة لانفجار الأزمة المالية العالمية عام 2008. وبذلك، لم يكن التعطيل مجرد حدث إقليمي، بل لحظة أثرت في إعادة تشكيل الدورة الاقتصادية العالمية . هذه الأزمة التي بدأت من الولايات المتحدة الأمريكية شكّلت الأرضية الاستراتيجية لتقدم نوعي لقوى صاعدة جديدة على رأسها الصين وروسيا في حينه.
ثالثاً: الحاضر – الحرب كخيار وجودي
في السياق الراهن، تكتسب الحرب بعداً أكثر حدة، إذ يمكن قراءتها بوصفها خياراً وجودياً لقوة مهيمنة تسعى للحفاظ على موقعها في نظام دولي آخذ في التحول. فالولايات المتحدة، بحكم موقعها، لا تخوض الصراع كحدث تكتيكي، بل كجزء من معركة على الحفاظ على وجودها كقوّة أولى عالمياً .
هذا يفرض على المعتدي الأمريكي الاسرائيلي منطقاً مزدوجاً :
رابعاً: سيناريو إعادة تشكيل الإقليم
في حال تحقق سيناريو استسلام النظام الإيراني أو سقوطه، فإن الأثر لن يكون محلياً أو إقليمياً فقط، بل بنيوياً. إذ قد يؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل مركز القوة في الإقليم عبر تتويج إسرائيل كقوة إمبريالية إقليمية مهيمنة . غير أن هذا التحول يتطلب أكثر من إضعاف عسكري لإيران؛ بل يستدعي إعادة هندسة شاملة للبيئة الاقتصادية الإقليمية. وهو ما يفسر نمط التصعيد المركب والموجه الذي يستهدف بالتوازي القوة العسكرية الإيرانية والثقل الاقتصادي لدول الخليج باعتبارها مركز الثروة والسيولة في الإقليم بما يؤدي إلى إعادة توزيع موازين القوة على المستويين الإقليمي والدولي لصالح هيمنة إسرائيلية .
خامساً: المفارقة البنيوية – خطر الانعكاس على المركز
رغم ذلك، ينطوي هذا المسار على مفارقة عميقة: فتعطّل أو فشل مشروع إعادة هندسة الإقليم – مشروع الشرق الأوسط الجديد بنسخته الحالية - قد لا يؤدي فقط إلى إطالة الصراع، بل إلى تفجير أزمة عالمية جديدة يكون مركزها الولايات المتحدة . وفي ظل صعود وجاهزية قوى دولية منافسة - وفي مقدمتها الصين وروسيا - قد تتحول هذه الأزمة إلى لحظة انتقال تاريخي في النظام الدولي، تعيد توزيع مراكز القوة بشكل أكثر جذرية .
سادساً: الخلاصة – من إدارة الصراع إلى إدارة التحول
تكشف هذه القراءة كما نعتقد أنّ سعي الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إطالة أمد الصراع وتوسعته يمثّل سيناريو/احتمال بنيوي نابع من تداخل الجيوسياسة مع الاقتصاد العالمي. فالحروب في هذا المستوى لا تُدار فقط لتحقيق أهداف عسكرية مباشرة، بل لإعادة تشكيل التوقعات، وإعادة توجيه رأس المال، وضبط إيقاع التحولات في النظام الدول، وتجبر الولايات المتحدة الأمريكية الآن على المفاضلة بين خيارين: وقف الحرب دون حسم ما قد يؤدي إلى تفجّر أزمة اقتصادية ومالية عميقة وواسعة لديها، أو إطالة أمد العدوان وتوسيع نطاق ودائرة التوتر وتعميق الأزمات هروباً من سيناريو عام 2008، وهو السيناريو الذي ترجحه هذه المقال .
وعليه، لا تبدو المنطقة مجرد ساحة صراع، بل فضاءً مركزياً لإدارة مرحلة انتقالية في النظام العالمي. في هذا السياق، يصبح استمرار التوتر – بعد الفشل في حسمه - أداة لإدارة هذا الانتقال، إما نحو إعادة إنتاج الهيمنة القائمة عبر ضرب إيران ومن خلفها إضعاف الصين وروسيا، أو نحو تمهيد الطريق لنظام دولي جديد لا تكون فيه الولايات المتحدة القوة العالمية الأولى ولا تكون فيه إسرائيل القوة الإقليمية الأولى .
المصدر:
الحدث