ترجمة الحدث
نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية تقريراً تناول تحذيرات بعث بها كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات النفط والطاقة الأميركية إلى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على خلفية التداعيات المتصاعدة للحرب مع إيران وما تسببت فيه من اضطراب واسع في أسواق الطاقة العالمية. ويشير التقرير إلى أن الرسالة التي حملتها تلك الشركات للإدارة الأميركية لم تكن مجرد تقييم تقني لحالة السوق، بل تضمنت تحذيراً سياسياً واقتصادياً من أن استمرار الحرب قد يقود إلى أزمة طاقة عالمية ذات آثار عميقة في الاقتصاد الدولي، بما في ذلك الاقتصاد الأميركي نفسه.
وبحسب ما نقلته الصحيفة، فإن شركات الطاقة الكبرى في الولايات المتحدة، ومن بينها شركات مثل "إكسون موبيل" (ExxonMobil) و"شيفرون" (Chevron) و"كونوكو فيليبس" (ConocoPhillips)، أبدت قلقاً متزايداً من التحولات السريعة التي تشهدها سوق النفط منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى؛ فمع اتساع دائرة المواجهة العسكرية، بدأت حركة نقل النفط في منطقة الخليج تتعرض لاضطرابات غير مسبوقة، الأمر الذي انعكس مباشرة على مستويات الأسعار وعلى توقعات العرض العالمي.
ويشير التقرير إلى أن الأزمة لا تتعلق فقط بتعطل شحنات النفط الإيرانية أو بانخفاض صادرات بعض الدول، بل ترتبط بشكل أساسي بالمخاطر الأمنية التي باتت تهدد حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم؛ فالمضيق يمر عبره ما يقارب خمس تجارة النفط العالمية، ما يجعله شرياناً حيوياً للاقتصاد الدولي. ومع تصاعد الهجمات على ناقلات النفط والسفن التجارية في الخليج العربي وبحر العرب خلال الأسابيع الأخيرة، بدأت شركات الشحن وشركات الطاقة بإعادة تقييم المخاطر المرتبطة بإرسال السفن عبر هذا الممر.
ويذكر التقرير أن عدداً متزايداً من ناقلات النفط بات يتجنب المرور عبر المضيق أو يؤجل رحلاته بانتظار تحسن الوضع الأمني، وهو ما أدى إلى انخفاض ملموس في حجم الشحنات المتجهة من الخليج إلى الأسواق العالمية. وفي بعض الحالات، اضطرت شركات النفط إلى خفض الإنتاج مؤقتاً بسبب صعوبة نقل الإمدادات إلى المشترين، خصوصاً لدى بعض الدول العربية التي تعتمد بشكل كبير على تصدير النفط عبر هذا المسار البحري.
وبحسب تقديرات نقلتها الصحيفة عن مصادر في قطاع الطاقة، فإن حجم الإمدادات النفطية المعرضة للخطر قد يصل إلى ما يقارب عشرة ملايين برميل يومياً، إذا استمرت الاضطرابات الحالية أو تفاقمت. ويعد هذا الرقم كبيراً للغاية في سوق النفط العالمية، إذ يمكن لأي نقص بهذا الحجم أن يدفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة جداً ويؤدي إلى موجة تضخم عالمية. وقد انعكست هذه المخاوف بالفعل على حركة الأسعار في الأسواق، حيث ارتفعت أسعار النفط خلال فترة قصيرة بنحو 40%، وفقاً لما أوردته الصحيفة؛ فبعد أن كانت الأسعار تدور حول مستويات أقل من 90 دولاراً للبرميل قبل اندلاع الحرب، اقتربت سريعاً من حاجز الـ 100 دولار، وسط توقعات بأن تستمر في الارتفاع إذا لم يتم احتواء الأزمة الأمنية في الخليج.
وفي هذا السياق، نقلت الصحيفة أن مسؤولي شركات الطاقة ناقشوا مع مسؤولين في الإدارة الأميركية عدداً من الخيارات الممكنة للتعامل مع الأزمة، ومن بين هذه الخيارات استخدام الاحتياطي النفطي الاستراتيجي للولايات المتحدة لتعويض جزء من النقص في السوق العالمية، وهو المخزون الذي تحتفظ به واشنطن لمواجهة حالات الطوارئ في أسواق الطاقة.
كما جرى الحديث عن إمكانية تخفيف بعض القيود المفروضة على إمدادات النفط العالمية، سواء عبر تسهيل عودة بعض الدول إلى السوق أو عبر تشجيع الإنتاج في مناطق أخرى لتعويض النقص المحتمل، إلا أن مسؤولي القطاع النفطي حذروا من أن مثل هذه الإجراءات قد توفر حلولاً مؤقتة فقط، ولا يمكنها تعويض أي اضطراب واسع في إمدادات الخليج إذا استمرت الحرب لفترة طويلة.
ومن بين المقترحات التي ناقشتها الإدارة الأميركية أيضاً إمكانية توفير حماية عسكرية لناقلات النفط التي تعبر مضيق هرمز، عبر عمليات مرافقة بحرية تنفذها البحرية الأميركية بالتعاون مع حلفائها. ويهدف هذا الخيار إلى إعادة الثقة لشركات الشحن وشركات الطاقة، وتشجيعها على استئناف نقل الإمدادات عبر الممرات البحرية الحيوية. غير أن تنفيذ مثل هذه العمليات قد يكون معقداً ومكلفاً؛ إذ يتطلب انتشاراً عسكرياً واسعاً في الخليج وقد يزيد من خطر الاحتكاك المباشر مع إيران، الأمر الذي قد يؤدي بدوره إلى تصعيد أكبر في النزاع.
ويشير التقرير إلى أن القلق داخل قطاع الطاقة لا يتعلق فقط بالأسعار أو بحجم الإمدادات الحالية، بل يمتد أيضاً إلى التأثيرات الأوسع للحرب في الاقتصاد العالمي؛ فارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يضغط على الاقتصادات الكبرى، ويزيد من معدلات التضخم، ويؤثر سلباً في الطلب العالمي على النفط والغاز على المدى المتوسط.
كما أن استمرار التوتر في الخليج قد يدفع بعض الدول المستوردة للطاقة إلى البحث بشكل أسرع عن بدائل أخرى، سواء عبر تسريع التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة أو عبر تنويع مصادر الاستيراد بعيداً عن الشرق الأوسط. ويرى بعض المسؤولين في القطاع أن مثل هذه التحولات قد يكون لها أثر طويل الأمد في هيكل سوق الطاقة العالمية.
ويخلص التقرير إلى أن الرسالة الأساسية التي تحاول شركات النفط إيصالها إلى الإدارة الأميركية تتمثل في ضرورة إدارة الصراع بطريقة تقلل من المخاطر التي تهدد تدفق الطاقة العالمي؛ فبالنسبة لقطاع النفط، لا تمثل الحرب مجرد حدث جيوسياسي عابر، بل أزمة يمكن أن تعيد تشكيل توازنات سوق الطاقة العالمية إذا استمرت لفترة طويلة أو اتسعت رقعتها.
المصدر:
الحدث