حاتم عبد القادر: محاولات إدخال قربان الفصح إلى "الأقصى" تعكس إصرار الجماعات الاستيطانية المتطرفة على تحويله إلى ساحة صراع ديني مفتوح
د. حسن خاطر: غياب الموقف العربي والإسلامي تجاه استهداف "الأقصى" يشجع "جماعات الهيكل" ومن يدعمها على مواصلة مخططاتها ومؤامراتها
د. أحمد رفيق عوض: الحرب على إيران تفرض وقائع خطيرة تحاول تطبيع فكرة منع الصلاة في "الأقصى" لدى الرأي العام تحت ذرائع أمنية مختلفة
إسماعيل مسلماني: دلالات دينية وسياسية خطيرة لاستغلال "جماعات الهيكل" إغلاق المسجد الأقصى وطرح فكرة إدخال "قربان الفصح"
د. سليمان أبو ستة: الإجراءات بحق "الأقصى" تمهيد لهدمه وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليه وتحويله إلى كنيس خاص بالمتطرفين الصهيونيين
يشهد المسجد الأقصى المبارك تصعيداً خطيراً تقوده ما تسمى "جماعات الهيكل" الاستيطانية المتطرفة، مستغلة الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، وما فرضته سلطات الاحتلال من إغلاق للأقصى ومنع المصلين من دخوله، إذ تروج هذه الجماعات لفرض ما يسمى "قربان الفصح" داخل باحات المسجد، بالتزامن مع اقتراب عيد الفصح اليهودي، وتنشر أيضاً مواد دعائية وصور تخيلية تحاكي إقامة طقوس دينية داخله.
في هذا التقرير يتحدث عدد من الكُتّاب والشخصيات المقدسية لـ"ے" عن ذلك التصعيد الخطير، مسلطين الضوء على أهدافه ومخاطره المبيّتة.
محاولة لفرض التقسيم المكاني والزماني في المسجد الأقصى
يحذر حاتم عبد القادر، الأمين العام للهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات، من الخطوات البالغة الخطورة للدعوات التحريضية التي أطلقتها ما تُسمى بجماعات "أمناء الهيكل"، لإطلاق حملة تهدف إلى إدخال قربان الفصح إلى داخل المسجد الأقصى المبارك. ويؤكد عبد القادر أن هذه الدعوات تمثل تصعيداً خطيراً واستفزازاً لمشاعر المسلمين، ومحاولة لفرض وقائع توراتية داخل المسجد الأقصى.
ويضيف عبد القادر أن هذه الدعوات تأتي في سياق تصعيد خطير من جانب شرطة الاحتلال التي تواصل إغلاق المسجد الأقصى منذ بدء الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، وتحرم مئات الآلاف من المسلمين من أداء الصلاة فيه، خاصة في شهر رمضان.
ويوضح أن استمرار إغلاق المسجد الأقصى بالتوازي مع تصاعد محاولات جماعات الهيكل المسّ بقدسيته، ويشير إلى وجود مخطط ومنهج يهدف إلى إستفراد المستوطنين في المسجد الأقصى بعيداً عن أعين حراس المسجد والمصلين.
بالتزامن مع الحرب.. "جماعات الهيكل" تحاول تهويد المسجد الأقصى
من جانبه، يؤكد الكاتب المختص بشؤون القدس والاقصى د. حسن خاطر أن "جماعات الهيكل" تحاول مواكبة ما تقوم به دولة الاحتلال من حروب في غزة ولبنان وإيران، من أجل تحقيق إنجازاتها الخاصة على مستوى تهويد المسجد الأقصى ومدينة القدس، هناك تنافس كبير بين ما تقوم به هذه الجماعات وبين ما تقوم به دولة الاحتلال.
ويشير خاطر إلى أن "جماعات الهيكل" تعتبر نفسها هي التي تقف خلف إغلاق المسجد الأقصى في شهر رمضان، وهو عمل غير مسبوق حتى في أيام كورونا عام 2020 لأن الإغلاق حينها كان بموافقة من الأوقاف الإسلامية لحماية المصلين. أما اليوم، فالقرار هو من دولة الاحتلال لأهداف أخرى قد يكون آخرها سلامة المصلين.
ويرى خاطر أن تقديم القرابين الحيوانية في عيد الفصح داخل الأقصى هو حلم "منظمات الهيكل" التي عملت عليه لسنوات طويلة، ولكن اليوم هناك وزير أمن وكذلك قائد شرطة جديد للقدس وهم يؤمنون بما تؤمن به هذه المنظمات، الأمر الذي يرجح حدوث اختراق جديد في هذا الموضوع، خصوصاً إذا استمر هذا الإغلاق، واستمر غياب المصلين عن المسجد الأقصى في هذا الشهر المبارك الذي كان يفترض أن يكون هو شهر القوة والحضور للمسجد الأقصى.
ويستذكر خاطر أن في شهر رمضان كانت تشد الرحال إلى الأقصى وتقام فيه الصلوات في الليل والنهار، وتقام فيه صلاة الجمعة، والتراويح، وقيام الليل والاعتكاف في الـ10 الأواخر، وتُحيا ليلة القدر، إلى جانب الإفطارات الرمضانية في ساحات الأقصى. مشيراً إلى أن كل هذه التفاصيل المهمة والأساسية أصبحت اليوم غائبة بفعل قرار الاحتلال وأصبح الأقصى فارغاً تماماً من المصلين، باستثناء بعض الموظفين من الأوقاف. وهذا يجعل من الأقصى لقمة سهلة "لمنظمات الهيكل" ومن يقف وراءها في هذه الظروف العصيبة.
ويؤكد خاطر أن ما يزيد في مأساة الأقصى هو استمرار غياب الموقف العربي والإسلامي الذي يفترض أن يكون حاضراً دائماً، ويحذر من أن استمرار هذا الغياب غير المفهوم يعطي هذه المنظمات ومن يدعمها ضوءاً أخضر للاستمرار في مخططاتها ومؤامراتها على أقدس مقدسات المسلمين.
الحرب منحت إسرائيل فرصة نادرة للاستفراد بالمسجد الأقصى
ويحذر المحلل السياسي د. أحمد عوض من أن الحرب الدائرة على إيران منحت إسرائيل فرصة نادرة للاستفراد بالمسجد الأقصى المبارك، من خلال منع المصلين وعرقلة وصول الفلسطينيين المسلمين إليه، الأمر الذي يفتح المجال أمام حكومة الاحتلال والأحزاب الدينية والحريدية لفرض سيطرة أوسع على المسجد وتنفيذ سياسات لم يكن بالإمكان تطبيقها في الظروف العادية.
ويوضح عوض أن المسجد الأقصى خلال هذه الحرب لا يواجه فقط خطر الإهمال ومنع الوصول والصلاة فيه، بل تبرز كذلك مخاطر أخرى كبيرة قد تستغلها إسرائيل في ظل الظروف الراهنة. ويشير إلى أن هذه المرحلة قد تُستخدم لفرض وقائع جديدة، وربما توظيف أي أحداث أو توترات لاتهامات سياسية وأمنية تخدم رواية الاحتلال.
ويوضح عوض أن من أخطر هذه التطورات التغيير في طبيعة اقتحامات الجماعات اليهودية للمسجد الأقصى، سواء من حيث الزمان أو المكان أو الرموز والطقوس التوراتية التي تقام داخله، بما يهدف إلى تكريس فكرة أن المسجد الأقصى لم يعد مكان عبادة خالصاً للمسلمين.
ويرى عوض أن هذه الظروف تمثل فرصة خطيرة وغير مسبوقة، إذ تسمح إسرائيل اليوم بإجراءات لم تكن تسمح بها في السابق، كما قد تُستغل لنزع أو تقليص الولاية والإشراف العربي والإسلامي على المسجد الأقصى.
ويضيف أن من أخطر التداعيات أيضاً محاولة تطبيع فكرة منع الصلاة في المسجد الأقصى لدى الرأي العام العربي والفلسطيني تحت ذرائع أمنية مختلفة، إلى جانب تعزيز الإجراءات الأمنية والمراقبة وتغيير بعض المعالم داخل محيط المسجد.
ويؤكد عوض أن هذه التطورات قد تؤسس لمخاطر طويلة المدى، وتبعث برسائل تطبيعية خطيرة مفادها أن إخلاء المسجد الأقصى أو إغلاقه قد يصبح أمراً ممكناً ومقبولاً، وهو ما وصفه بأنه تطور بالغ الخطورة.
ويدعو عوض الأطراف الفلسطينية والعربية والإسلامية، إضافة إلى المجتمع الدولي، إلى عدم ترك المسجد الأقصى وحيداً في مواجهة هذه السياسات، ويحذر من أن الصمت أو الإهمال قد يرسخ سابقة خطيرة تتمثل في إغلاق المسجد الأقصى في أي وقت وتحت أي ذريعة أمنية، الأمر الذي يشكل عملية تطبيع خطيرة مع مسألة إغلاق المسجد الأقصى.
المساس بالوضع القائم قد يفجر توتراً واسعاً
ويقول الكاتب والمحلل السياسي توفيق طعمة إن إطلاق "جماعات الهيكل" حملة لفرض "قربان الفصح" داخل المسجد الأقصى يحمل دلالات سياسية ودينية خطيرة، خاصة في ظل استمرار منع المصلين من الوصول إليه. ويشير إلى أن هذه الجماعات تسعى إلى إدخال طقوس توراتية داخل باحات المسجد الاقصى، وهو ما يمثل محاولة عملية لتغيير الوضع الديني والتاريخي القائم في الحرم القدسي.
ويرى طعمة أن استمرار القيود التي تفرضها سلطات الاحتلال على دخول المصلين المسلمين يخلق فراغاً في المكان، تستغله هذه الجماعات للدفع بخطوات تصعيدية قد يصعب التراجع عنها لاحقاً. ويفيد بأن فرض طقوس مثل "قربان الفصح" قد يكون خطوة إضافية نحو تكريس التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، وهو ما تعتبره الأوقاف الإسلامية خطاً أحمر يمهد لتغيير هوية المكان.
ويؤكد طعمة أن هذه الحملات غالباً ما تُستخدم لاختبار ردود الفعل الفلسطينية والعربية والإسلامية والدولية، لمعرفة مدى القدرة على المضي قدماً في خطوات أكبر. ويلفت طعمة أن المساس بالوضع القائم في الأقصى قد يفجر توتراً واسعاً في القدس والمنطقة، لأن الأقصى يعد من أكثر الملفات حساسية. ويرى أن الخطوة تحمل أبعاداً سياسية تتعلق بمحاولة تغيير الوضع التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى، مستفيدة من الظروف الأمنية وإغلاق المسجد أمام المصلين.
"قربان الفصح" خطورة تمس هوية المسجد الأقصى
ويرى الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي إسماعيل مسلماني أن استغلال "جماعات الهيكل" لإغلاق المسجد الأقصى وطرح فكرة إدخال "قربان الفصح" يحمل دلالات دينية سياسية خطيرة. ويقول إن هذه الجماعات تسعى منذ سنوات لفرض طقوس دينية يهودية داخل الأقصى، و"قربان الفصح" تحديداً يعد رمزاً مركزياً في العقيدة اليهودية المرتبطة بما يسمى "الهيكل". لذلك فإن طرحه داخل الأقصى يعني محاولة نقل الصراع من مجرد اقتحامات إلى فرض شعائر دينية يهودية بشكل علني داخل المسجد.
ويشير مسلماني إلى أنه من الناحية السياسية والميدانية، فإن استغلال إغلاق الأقصى ومنع المصلين من الوصول إليه يهدف إلى خلق أمر واقع جديد. فغياب الحضور الإسلامي يفتح المجال أمام الجماعات المتطرفة للضغط على الحكومة والشرطة الإسرائيلية لتوسيع مساحة الطقوس اليهودية في المسجد، وهو ما يشكل خطوة إضافية في مسار تقسيم الأقصى زمانياً ومكانياً بين المسلمين واليهود.
أما على مستوى الأثر، يفيد مسلماني أن مثل هذه الدعوات تزيد التوتر حول المسجد الأقصى وقد تشعل موجات غضب واسعة، لأن الأقصى يُعد رمزاً دينياً ووطنياً حساساً لدى الفلسطينيين والمسلمين. لذلك فإن إدخال طقوس مثل "قربان الفصح" لا يُنظر إليه كحدث ديني عابر، بل كخطوة تمس هوية المسجد الأقصى ووضعه التاريخي والقانوني، ما يجعلها قضية شديدة الحساسية في الصراع القائم.
ويؤكد مسلماني أن طرح جماعات الهيكل لفكرة "قربان الفصح" الآن تحديداً يرتبط بعدة عوامل سياسية وميدانية. أولاً، استغلال إغلاق المسجد الأقصى ومنع أعداد كبيرة من المصلين من الوصول إليه يخلق فرصة لهذه الجماعات لزيادة الضغط وطرح مطالب كانت تُعد سابقاً حساسة جداً. في ظل غياب الحضور الواسع للمصلين، ترى هذه الجماعات أن الظروف أصبحت أكثر ملاءمة لمحاولة فرض طقوس جديدة داخل المسجد.
من جانب آخر، التوقيت مرتبط أيضاً بموسم الأعياد اليهودية، خاصة عيد الفصح الذي يُعد مرتبطاً تقليدياً بفكرة "القربان" في الرواية الدينية اليهودية. لذلك تحاول هذه الجماعات في كل عام تقريباً الدفع باتجاه إدخال القربان إلى محيط الأقصى أو داخله، لكن في أوقات التوتر أو القيود الأمنية تكثّف الضغط لأنها تعتقد أن الحكومة قد تتساهل معها تحت عنوان إدارة الوضع الأمني.
ويشير مسلماني إلى أن هناك بعداً سياسياً أوسع، إذ تسعى جماعات الهيكل إلى تغيير الواقع القائم تدريجياً في المسجد الأقصى عبر خطوات صغيرة ومتراكمة، فبعد أن كانت الاقتحامات محدودة، أصبحت شبه يومية، ثم انتقلت إلى أداء صلوات وطقوس علنية، والآن يُطرح موضوع القربان. ويقول إن كثير من المراقبين يرون أن الهدف هو ترسيخ واقع ديني جديد داخل الأقصى خطوة بعد خطوة.
الاستلهام من هبة البوابات الإلكترونية للدفاع عن الأقصى
ويؤكد الكاتب والمحلل السياسي د. سليمان أبو ستة أن إغلاق المسجد الأقصى المبارك ومنع المصلين من الوصول إليه في شهر رمضان يُعد تطوراً طبيعياً لسلسلة الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل على مدار العقدين الماضيين ضد المسجد الأقصى، بدءاً من الاقتحامات المتكررة للمسؤولين الإسرائيليين، مروراً بحظر المرابطين والمرابطات، واعتقال المعتكفين في المسجد الأقصى، وعزل المسجد عن المصلين القادمين من الضفة الغربية المحتلة، وحظر الحركة الإسلامية في الداخل المحتل.
ويوضح أبو ستة أن جميع هذه الإجراءات كانت تهدف إلى الوصول إلى هذه الحالة من عزل المسجد الأقصى عن المصلين وحرمانهم من أدوات الدفاع عنه، على غرار ما جرى في هبة البوابات الإلكترونية وهبة باب الرحمة. ويضيف أن الأيام الأخيرة شهدت نقلة أخرى في سلسلة الإجراءات العدوانية ضد المسجد، تمثلت في الإغلاق الكامل للمسجد الأقصى في وجه المصلين.
ويشير أبو ستة إلى أن الحديث عن فرض "قربان الفصح" يُعد الخطوة التالية بعد إغلاق المسجد، إذ يأتي أيضاً في إطار هذه الإجراءات المتواصلة التي تهدف إلى تطبيع هذا العدوان في أذهان الجمهور الفلسطيني والعربي والإسلامي المعني بالدفاع عن المسجد الأقصى، بحيث يصبح تقديم القرابين أمراً طبيعياً، حتى لو لم يتم ذلك هذه المرة، إذ قد يحدث في فترات قريبة قادمة.
ويؤكد أنه لا يرى في هذه الإجراءات التي تُتخذ بحق المسجد الأقصى إلا تمهيداً حقيقياً وليس وهما أو ادعاءً لهدم المسجد الأقصى وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليه، وتحويله إلى كنيس خاص بالمتطرفين الصهيونيين.
ويشير إلى أن المطلوب من الفلسطينيين هو شد الرحال إلى المسجد الأقصى، وفي ظل إغلاقه شد الرحال إلى أقرب نقطة ممكنة منه والرباط فيها، واستلهام ما جرى في هبة البوابات الإلكترونية، والصلاة على أعتاب المسجد الأقصى المبارك. ويختتم أبو ستة بالقول إن الهجمة الصهيونية على كل ما هو فلسطيني كبيرة، لكن في نهاية المطاف نحن أمام معركة مصيرية تتعلق بالمسجد الأقصى وبمستقبل الوجود الفلسطيني والسيادة الفلسطينية على هذا المسجد المبارك.
المصدر:
القدس