آخر الأخبار

الحرب على إيران: تحولات النظام الدولي ومستقبل التوازنات الإق

شارك

في خطوة تصعيدية تعكس تفضيل الخيار العسكري على المسارات الدبلوماسية، اختارت الولايات المتحدة وإسرائيل مهاجمة إيران بالقوة العسكرية للمرة الثانية خلال عام واحد. وجاء هذا الهجوم في توقيت حساس كانت فيه المفاوضات غير المباشرة تقترب من تحقيق اختراق حقيقي بشأن الملف النووي، مما يبعث برسالة مفادها أن الدبلوماسية قد تُجهض عمداً عند اقترابها من الحل.

أكدت مصادر دبلوماسية، نقلاً عن وزير الخارجية العماني الذي تقود بلاده جهود الوساطة أن اتفاقاً وشيكاً كان في متناول اليد قبل ساعات فقط من وقوع القصف. إلا أن الواقع الميداني كشف أن الحسابات الاستراتيجية لواشنطن وتل أبيب تتجاوز التفاهمات التقنية، حيث يسعى نتنياهو منذ عقود لتقويض ما يصفه بالتهديد الإيراني الوجودي.

ترى إسرائيل في تنامي القدرات العسكرية الإيرانية، لا سيما في مجال الصواريخ الباليستية والتكنولوجيا غير التقليدية، خطراً يهدد تفوقها النوعي في المنطقة. وتهدف العمليات العسكرية الأخيرة إلى استنزاف هذه المقدرات ومنع طهران من الوصول إلى حالة ردع متبادلة قد تغير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط بشكل نهائي.

من جانبها، تنظر الإدارة الأمريكية إلى إيران كعقبة رئيسية أمام نفوذها المتراجع في المنطقة، وتحاول عبر الضغط العسكري كبح جماح تحالفاتها المتنامية مع الصين. وتأتي هذه التحركات في ظل سعي واشنطن لإعادة ترتيب أوراقها الإقليمية بما يضمن استمرار هيمنتها في مواجهة القوى الصاعدة في النظام الدولي الجديد.

على الصعيد الداخلي الإيراني، أثبتت الوقائع أن الضغوط الخارجية غالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية لما يخطط له مهندسو الحرب. فقد رصدت مصادر ميدانية حالة من التلاحم المجتمعي الواسع، حيث اصطفت قوى معارضة في الداخل والخارج خلف الدولة في مواجهة الهجمات، مما أضعف الرهانات على انهيار النظام من الداخل.

تراقب موسكو المشهد بحذر واهتمام، حيث يمنحها التصعيد في الشرق الأوسط فرصة لتخفيف الضغوط الغربية المسلطة عليها بسبب الحرب في أوكرانيا. كما أن ارتفاع أسعار النفط والغاز الناتج عن التوترات يوفر شريان حياة للاقتصاد الروسي، رغم مخاوفها من انفجار إقليمي قد يطال مناطق نفوذها في القوقاز.

أما بكين، فيتركز قلقها الأساسي على أمن ممرات الطاقة في الخليج العربي ومضيق هرمز، وهو ما يدفعها لدعم مسارات التهدئة ظاهرياً. ومع ذلك، تشير تقارير إلى استمرار الدعم الصيني النوعي لإيران بتقنيات متطورة تساهم في تعزيز دقة الصواريخ والمسيرات الإيرانية في مواجهة التهديدات الخارجية.

القرارات الكبرى في الشرق الأوسط لا تحسم على طاولة المفاوضات، بل يظل ميزان القوة هو سيد الموقف في ظل نظام دولي يتشكل تدريجياً.

يكشف الصراع الراهن عن تآكل القواعد التي حكمت النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة، حيث أصبح القانون الدولي عاجزاً عن ضبط سلوك القوى الكبرى. وباتت المؤسسات الدولية، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية، تتعرض لضغوط وعقوبات أمريكية مباشرة، مما يعزز منطق القوة العسكرية على حساب الشرعية الدولية.

إن امتناع الولايات المتحدة عن دفع مساهماتها المالية للأمم المتحدة، والتي تصل إلى خمس الميزانية العامة، ساهم بشكل مباشر في شلل المنظمات الدولية. هذا الفراغ القانوني والمؤسسي يفسح المجال لبروز نظام عالمي متعدد الأقطاب، لا تستطيع فيه قوة واحدة فرض إرادتها المطلقة على الآخرين.

أظهرت المواجهات الأخيرة قدرة إيرانية على الصمود واستهداف مواقع استراتيجية في العمق الإسرائيلي، بالإضافة إلى تهديد المصالح العسكرية الأمريكية في المنطقة. هذه الاستراتيجية تهدف إلى رفع كلفة الحرب وجعل أي عدوان واسع النطاق مغامرة غير مضمونة النتائج للأطراف المهاجمة.

يجد العالم العربي نفسه اليوم أمام اختبار استراتيجي مفصلي يتطلب تجاوز الانقسامات البينية التي جعلت المنطقة ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى. إن اللحظة الراهنة تفرض على الدول العربية إعادة التفكير في تموضعها بما يضمن لها هامشاً من الاستقلالية في ظل التوازنات العالمية المتغيرة.

يتطلب النجاح في هذا الاختبار تعزيز التنسيق في سياسات الطاقة والاقتصاد، وبناء علاقات متوازنة مع كافة الأقطاب الدولية الصاعدة. فالقدرة على قراءة التحولات الجيوسياسية بواقعية هي السبيل الوحيد لحماية المصالح العربية في عالم يتجه نحو تعددية قطبية لا تعترف إلا بالأقوياء.

إن الحرب على إيران ليست مجرد جولة عسكرية عابرة، بل هي مخاض لنظام دولي جديد تتشكل ملامحه وسط دخان الانفجارات. وفي هذه المرحلة الانتقالية، تتراجع فاعلية القواعد القديمة لصالح توازنات جديدة تعتمد بشكل أساسي على التفوق التكنولوجي والقدرة على الصمود الاستراتيجي.

في الختام، يبقى السؤال الجوهري ليس حول من سيربح المعركة العسكرية فحسب، بل حول طبيعة النظام العالمي الذي سيولد من رحم هذه الأزمات. ومن الضروري أن يحدد العالم العربي موقعه في الجانب الصحيح من التاريخ، مستفيداً من دروس الماضي لبناء مستقبل يحفظ سيادة شعوبه ومقدراتها.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا