لم تعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية مقتصرة على مواجهة حزب الله فحسب، بل امتدت لتشمل ملاحقة ممنهجة لكوادر ومراكز الجماعة الإسلامية. وقد تجلى هذا التوجه في الغارات الأخيرة التي استهدفت مقرات الجماعة في مدينة صيدا، بالإضافة إلى سلسلة من الاغتيالات التي طالت قيادات ميدانية بارزة خلال الأشهر القليلة الماضية.
تجاوز التصعيد الإسرائيلي حدود القصف الجوي ليصل إلى العمليات البرية الخاطفة، حيث نفذت قوة خاصة عملية تسلل في قرية الهبارية الحدودية اختطفت خلالها أحد القياديين من منزله. هذه التحركات تشير إلى أن الاحتلال بات ينظر إلى الجماعة كطرف فاعل ومباشر في المواجهة العسكرية الدائرة على الجبهة الشمالية منذ انطلاق حرب الإسناد.
برز اسم 'قوات الفجر'، الجناح العسكري للجماعة الإسلامية، بشكل لافت عقب أحداث السابع من أكتوبر، حيث أعلنت مسؤوليتها عن تنفيذ رشقات صاروخية وعمليات عسكرية ضد مواقع الاحتلال. ورغم أن هذه العمليات قد لا تضاهي من حيث الكثافة ما يقوم به حزب الله، إلا أنها أعادت التنظيم إلى واجهة العمل المقاوم بعد عقود من الانكفاء.
يعود تاريخ تأسيس قوات الفجر إلى عام 1982، إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان، حيث خاضت مواجهات ضارية في مناطق شرق صيدا والجنوب. ومع ذلك، شهد دورها العسكري تراجعاً ملحوظاً بعد اتفاق الطائف عام 1990 وبسط الدولة اللبنانية سيادتها، تزامناً مع صعود قدرات حزب الله العسكرية المدعومة إقليمياً.
تثير التقارير الميدانية تساؤلات حول طبيعة التنسيق العسكري بين الجماعة الإسلامية وحركة حماس، خاصة مع تداخل إعلانات المسؤولية عن بعض العمليات. فقد لوحظ أن كتائب القسام تنعى أحياناً شهداء سقطوا في صفوف الجماعة، مما يوحي بوحدة حال ميدانية تتجاوز مجرد التنسيق السياسي التقليدي.
لم تقتصر الضغوط على الجانب العسكري الإسرائيلي، بل امتدت لتشمل ملاحقة سياسية ودولية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية. ففي يناير الماضي، أدرجت واشنطن الجماعة الإسلامية على قوائم الإرهاب، وفرضت عقوبات مشددة على أمينها العام محمد طقوش، في خطوة تهدف لتجفيف منابع دعم المقاومة.
تُعرف الجماعة الإسلامية نفسها بأنها تنظيم إسلامي سني يمثل امتداداً لفكر الإخوان المسلمين في لبنان، وقد حصلت على ترخيصها الرسمي في منتصف الستينات. ومنذ نشأتها، وضعت القضية الفلسطينية في صلب أدبياتها السياسية، معتبرة إياها القضية المركزية التي لا يمكن التنازل عنها تحت أي ظرف.
تاريخياً، لعبت الجماعة دوراً محورياً في حماية الوجود الفلسطيني في لبنان، خاصة خلال فترة 'حرب المخيمات' في الثمانينات. فقد تصدت لمحاولات حصار المخيمات وقدمت الدعم اللوجستي والعسكري للمقاتلين الفلسطينيين، في مواجهة القوى التي كانت تسعى لتنفيذ أجندات إقليمية تهدف لتصفية الوجود المسلح للفلسطينيين.
ساهمت الجماعة بشكل مباشر في تأسيس 'الرابطة الإسلامية لطلبة فلسطين'، والتي اعتبرت الحاضنة الأولى للعمل الإسلامي الفلسطيني المنظم في لبنان. هذا الدور التأسيسي سبق انطلاق حركة حماس، وشكل جسراً لانتقال العديد من الكوادر اللبنانية والفلسطينية للعمل تحت لواء الحركة لاحقاً ضمن تفاهمات تنظيمية واضحة.
استمرت العلاقة بين الطرفين في التطور، حيث شكلت الجماعة الإسلامية بيئة حاضنة وحليفة لحركة حماس داخل المجتمع اللبناني بتركيبته الطائفية المعقدة. وفي ظل وجود تيارات لبنانية لا تنظر بود للوجود الفلسطيني، وفرت الجماعة غطاءً سياسياً واجتماعياً مهماً لنشاط الحركة في المخيمات وخارجها.
يرى مراقبون أن التحول النوعي في العلاقة بين الجماعة وحماس في السنوات الأخيرة هو ما دفع إسرائيل لتكثيف استهدافها. فالتعاون لم يعد يقتصر على الجوانب الدعوية أو السياسية، بل انتقل إلى مستويات متقدمة من العمل العسكري المشترك وتبادل الخبرات الميدانية في مواجهة الاحتلال.
إن استهداف مراكز الجماعة في صيدا والجنوب يهدف بالدرجة الأولى إلى ردع المكونات اللبنانية 'غير الشيعية' عن الانخراط في المواجهة العسكرية. تسعى إسرائيل من خلال هذه الاغتيالات إلى خلق شرخ داخلي ومنع تشكل جبهة لبنانية موحدة عابرة للطوائف تساند المقاومة الفلسطينية في غزة.
رغم الضربات الموجعة، تؤكد بيانات الجماعة الإسلامية استمرارها في خيار المقاومة والتمسك بمعادلة الدفاع عن لبنان وإسناد الشعب الفلسطيني. وتشدد الجماعة على أن اغتيال القادة لن يثنيها عن أداء واجبها، بل سيزيد من إصرار قواعدها على الانخراط في العمل الميداني ضد الاعتداءات الإسرائيلية.
في الختام، يبدو أن الساحة اللبنانية تتجه نحو مزيد من التعقيد مع دخول فصائل جديدة في مواجهة مباشرة مع الاحتلال. إن ملاحقة الجماعة الإسلامية تعكس قلقاً إسرائيلياً من اتساع رقعة المقاومة، وتحول العلاقة بين القوى الإسلامية اللبنانية والفلسطينية إلى تحالف استراتيجي يهدد أمن الحدود الشمالية للكيان.
المصدر:
القدس