آخر الأخبار

الركود الاقتصادي في الضفة الغربية: أزمة الرواتب وحصار نابلس

شارك

تجوب عربة البائع المتجول 'أبو شاهين' شوارع مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية، محملة بالخضار الموسمية، لكن صوته الذي اعتاد المارة سماعه لم يلقَ الصدى المعتاد هذا العام. فرغم دخول العشر الأواخر من شهر رمضان واقتراب عيد الفطر، تبدو الحركة التجارية خافتة ومثقلة بهموم الحرب والتوترات الإقليمية التي ألقت بظلالها على سلوك المستهلك الفلسطيني.

يصف أبو شاهين حال الأسواق بـ 'التعيس'، مشيراً إلى أن الخوف من المجهول دفع الكثيرين إلى تقليص إنفاقهم بشكل حاد والاكتفاء بالحد الأدنى من المشتريات. ويرى البائع أن المواطنين باتوا يفضلون الاحتفاظ بالسيولة النقدية بدلاً من التسوق، تحسباً لأي تطورات أمنية أو اقتصادية قد تطرأ في ظل التصعيد المستمر في المنطقة.

من جانبها، تعبر الموظفة الحكومية منى الأغبر عن الضغوط المضاعفة التي تواجهها الأسر الفلسطينية، حيث تزامن موسم العيد مع أزمة رواتب خانقة وتوتر سياسي متصاعد. وأوضحت أن عدم انتظام صرف المستحقات المالية دفعها لإعادة ترتيب أولوياتها، مقتصرة على شراء الضروريات فقط لضمان توفير ملابس العيد لأطفالها الثلاثة.

وتواجه مدينة نابلس، التي تعد مركزاً اقتصادياً حيوياً، حصاراً عسكرياً مشدداً يفرضه الاحتلال الإسرائيلي على مداخلها الرئيسية، مما أدى إلى عزلها عن محيطها من القرى والبلدات. هذا الإغلاق الميداني تسبب في غياب 'القدرة الشرائية الخارجية' التي تعتمد عليها أسواق المدينة بشكل أساسي، خاصة المتسوقين القادمين من الريف ومن فلسطينيي الداخل.

وأكد تجار في المدينة أن إغلاق الحواجز، مثل حاجز بيت فوريك، لعدة أيام متتالية تسبب في شلل تام لبعض القطاعات التجارية. ويرى هؤلاء أن استمرار التضييق على حركة التنقل يشكل العائق الأكبر أمام أي محاولة لانتعاش السوق، خاصة في المواسم التي يفترض أن تشهد ذروة المبيعات السنوية.

وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن السوق الفلسطيني خسر نحو 9 مليارات دولار منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، نتيجة تعطل العمال الممنوعين من الوصول لأماكن عملهم. هذا النزيف المالي أدى إلى انخفاض ملموس في القدرة الشرائية العامة، مما جعل رب الأسرة يوجه إنفاقه المحدود نحو السلع التموينية والوقود فقط.

وفي قطاع الملابس والتجزئة، يتحدث التاجر أيمن المصري عن تكدس البضائع في المخازن نتيجة عزوف المواطنين عن السلع غير الأساسية. وأوضح المصري أن التجار يعيشون حالة من عدم اليقين، حيث تجمدت رؤوس أموالهم في بضائع موسمية قد لا تجد من يشتريها، مما يهدد قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية تجاه الموردين.

الناس تخوّفت وضبّت جيبتها؛ يمسكون أيديهم عن الشراء ويفضّلون الاحتفاظ بالنقد تحسباً لأي طارئ.

ويضيف المصري أن النمط الاستهلاكي تحول بشكل جذري نحو التخزين المنزلي للمواد الغذائية والغاز، خوفاً من انقطاع الإمدادات أو إغلاق المعابر بشكل كامل. هذا التحول خلق فجوة كبيرة في السوق، حيث تعاني قطاعات الرفاهية من ركود حاد، بينما تشهد قطاعات السلع الأساسية ضغطاً كبيراً قد يؤدي لنقص في بعض الأصناف.

من جهته، أوضح ياسين دويكات، الناطق باسم الغرفة التجارية في نابلس أن المدينة شهدت بوادر انتعاش طفيفة قبل رمضان، لكنها تبددت سريعاً مع تصاعد التوترات الإقليمية. وأشار إلى أن غياب المتسوقين من الداخل المحتل، الذين يمثلون ركيزة تجارية هامة، ساهم في تعميق الأزمة المالية التي تعصف بالمحلات التجارية.

ولفت دويكات إلى أن الأزمات المالية المتراكمة، وعلى رأسها احتجاز الاحتلال لأموال المقاصة الفلسطينية التي تقدر بـ 255 مليون دولار شهرياً، تسببت في شح السيولة. هذا الواقع وضع التجار تحت ضغوط مزدوجة، حيث يواجهون تكاليف المخزون المتراكم في ظل غياب تام للحركة الشرائية المعتادة في مثل هذه الأيام.

وفي محاولة لتحريك المياه الراكدة، لجأ العديد من التجار إلى تقديم عروض وتنزيلات ضخمة على الملابس والأحذية والحلويات. ويهدف هؤلاء من خلال هذه الخطوات إلى تحصيل أي قدر من السيولة النقدية لتغطية مصاريفهم التشغيلية، رغم إدراكهم أن الخوف المسيطر على المستهلك أقوى من أي إغراءات سعرية.

وعلى صعيد الأمن الغذائي، أكدت مصادر رسمية في وزارة الاقتصاد أن المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية مثل الطحين والزيت والسكر يكفي لمدة ستة أشهر. ومع ذلك، حذر دويكات من أن التهافت غير المدروس على التخزين قد يخلق أزمات مصطنعة في الأسواق، داعياً المواطنين للشراء وفق الحاجة الفعلية فقط.

وتراقب الأوساط الاقتصادية بقلق تداعيات التوتر في الممرات المائية الدولية، مثل مضيق هرمز، وتأثير ذلك على أسعار السلع عالمياً. ويرى خبراء أن أي ارتفاع في تكاليف الشحن أو أسعار الطاقة العالمية سينعكس حتماً على السوق الفلسطيني المثقل أصلاً بالأزمات، مما قد يؤدي لموجة غلاء جديدة لا ترحم المستهلك.

يبقى المشهد في أسواق الضفة الغربية معلقاً بين آمال التجار بانفراجة قريبة وواقع ميداني وسياسي يزداد تعقيداً. وبينما تستعد العائلات لاستقبال العيد بأقل الإمكانيات، تظل المحلات التجارية ممتلئة بالبضائع وخالية من الزبائن، في صورة تلخص عمق الأزمة الاقتصادية التي خلفتها الحرب والحصار.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا