تعيش مدينة القدس خلال شهر رمضان المبارك، ولا سيما في العشر الأواخر منه، ظروفًا استثنائية لم يعتدها المقدسيون. ففي الوقت الذي اعتاد فيه المسلمون التوافد بأعداد كبيرة إلى المسجد الأقصى لإحياء الليالي المباركة بالصلاة والاعتكاف، يبدو المشهد هذا العام مختلفًا بشكل واضح، إذ تكاد ساحات الأقصى تكون خالية من المصلين، في ظل المخاطر الأمنية جراء التصعيد في المنطقة.
ورغم ذلك، يواصل أبناء شعبنا في القدس إحياء شعائر رمضان وأداء الصلوات في المساجد داخل الأحياء أو في بيوتهم، حرصًا على استمرار العبادة مع الحفاظ على سلامة الناس.
الأقصى شبه خالٍ والمصلون يتوجهون لمساجد الأحياء
اعتاد المقدسيون في كل عام أن تمتلئ شوارع البلدة القديمة بالمصلين القادمين إلى المسجد الأقصى، خاصة خلال العشر الأواخر من شهر رمضان. لكن هذا العام يبدو المشهد مختلفًا؛ فالمسجد الأقصى يكاد يكون خاليًا من المصلين، وهو أمر لم يشهده المقدسيون منذ عقود طويلة.
ويقول أحد المواطنين المقدسيين إنّ أجواء رمضان هذا العام غير معتادة، إذ اعتاد الناس رؤية آلاف المصلين في ساحات الأقصى، لكن الظروف الحالية حالت دون ذلك. ويوضح أنّ أبناء شعبنا في القدس ما زالوا يحرصون على أداء الصلوات في المساجد داخل الأحياء والبلدات، محافظين على روح رمضان وإحياء الشعائر الدينية بقدر ما تسمح به الظروف.
رسالة شرعية: حفظ النفس مقدم على تعريضها للخطر
من جانبه يؤكد وكيل وزارة الأوقاف لشؤون الدعوة سابقًا د. خميس عابدة أنّ الشريعة الإسلامية تقوم على اليسر ورفع الحرج عن الناس، وأنّ حفظ النفس يعد من المقاصد الكبرى في الإسلام.
ويشير د. عابدة إلى أنّ الصلاة في المسجد لها فضل كبير، خاصة في العشر الأواخر من رمضان، إلا أنّ وجود خطر حقيقي على حياة الناس يجعل الصلاة في المساجد القريبة أو في البيوت أمرًا جائزًا ولا حرج فيه. ويضيف أنّ العلماء قرروا أنّ درء الضرر مقدم على جلب المصلحة، وأنّ المسلم غير مطالب بتعريض نفسه للهلاك أو الخطر الشديد من أجل الوصول إلى المسجد.
ويؤكد أنّ من استطاع الوصول إلى المسجد بأمان فله الأجر العظيم، أما من خشي على نفسه أو على أهله فالصلاة في البيت أو في مسجد قريب صحيحة ويؤجر عليها بنيته. كما يشدد على أنّ العبادة في رمضان ليست مرتبطة بمكان واحد، إذ يمكن للمسلم إحياء العشر الأواخر بالصلاة وقيام الليل وقراءة القرآن والدعاء في أي مكان آمن.
تحذيرات إنسانية: مخاطر سقوط الشظايا والتجمعات
وفي الجانب الإنساني والصحي، يوضح مدير دائرة الإسعاف والطوارئ في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني أحمد جبريل أنّ الوضع الإنساني في القدس الشرقية يزداد صعوبة في ظل الحرب والقيود المفروضة على الحركة، إضافة إلى التضييق على المؤسسات الصحية.
ويشير جبريل إلى أنّ أبرز المخاطر التي تهدد المواطنين تتمثل في احتمال سقوط شظايا الصواريخ في المناطق السكنية، خاصة مع عدم توفر أماكن آمنة كافية في الأحياء العربية.
ويؤكد أنّ الرسالة الأساسية للمواطنين هي ضرورة أخذ أقصى درجات الحيطة والحذر، وتجنب التجمعات في المناطق التي قد تتعرض للقصف، والتحرك فقط عند الضرورة، إضافة إلى تجهيز الاحتياجات الأساسية مسبقًا مثل المياه والطعام، والتواصل مع الجهات المختصة في حالات الطوارئ.
سلامة الناس أولاً رغم الشوق إلى الأقصى
ورغم الشوق الكبير للصلاة في المسجد الأقصى، يؤكد أحد المواطنين المقدسيين أنّ الحكمة في هذه الظروف تقتضي إعطاء الأولوية لسلامة الناس. ويشير إلى أنّ الطريق إلى الأقصى قد يكون محفوفًا بالمخاطر في ظل احتمال سقوط شظايا الصواريخ أو وقوع أحداث مفاجئة قد تعرض المصلين للخطر.
ويضيف: إنّ عدم التجمهر والالتزام بالتعليمات خلال هذه الفترة الحساسة يسهم في حماية المواطنين ويمنع وقوع إصابات أو مآسٍ، مؤكدًا أنّ الأقصى سيبقى في قلوب المقدسيين دائمًا، لكن الأهم في هذه المرحلة هو الحفاظ على حياة الناس وأمانهم.
في ظل الظروف الخطيرة التي تمر بها مدينة القدس خلال شهر رمضان، تتقاطع الرسائل الدينية والإنسانية لتؤكد حقيقة واحدة: أنّ سلامة الإنسان وحياته هي الأولوية. فرغم المكانة العظيمة للمسجد الأقصى في قلوب المسلمين، فإنّ العبادة يمكن أن تؤدى في أي مكان آمن، سواء في المساجد القريبة أو في البيوت.
وتبقى الرسالة الأهم لأبناء شعبنا في هذه الأيام: حافظوا على عبادتكم وروح رمضان، لكن احرصوا قبل كل شيء على سلامتكم وسلامة عائلاتكم، وتجنبوا التجمهر والمخاطر حتى تمر هذه الأيام الصعبة بسلام.
المصدر:
القدس