تحت سقف خيمة بيضاء بسيطة في قلب نادي المشتل الرياضي بحي الرمال، ولدت نافذة صغيرة تطل على عالم من الخيال والبهجة. هذه الخيمة التي نُصبت فوق أرضية تشققت بفعل الاستهدافات العسكرية، باتت تُعرف بـ 'سينما الأجنحة الصغيرة'، وهي مبادرة تسعى لإثبات أن الحياة في غزة قادرة على الاستمرار رغم الدمار المحيط بها.
داخل هذه المساحة المحدودة، افترش عشرات الأطفال الأرض متلاصقين، يرقبون بشغف شاشة بيضاء عُلقت بعناية وجهاز عرض بسيط يشق العتمة بخيوط الضوء. لم تكن القاعة مجهزة بتقنيات صوتية حديثة أو مقاعد مريحة، لكن ملامح الأطفال كانت كفيلة بمنح المكان هيبة دور السينما العالمية، حيث امتزجت الضحكات بألوان الرسوم المتحركة.
انعكست ألوان فيلم 'راتاتوي' على وجوه الصغار التي اعتادت غبار النزوح، لتخلق بريقاً في العيون غاب طويلاً خلف ستار الحرب. وفي تلك اللحظات، بدا أن أزيز الطائرات الذي لا يغادر سماء القطاع قد تراجع في ذاكرتهم، مفسحاً المجال لموسيقى الفيلم وقصصه التي تأخذهم بعيداً عن واقع الخيام الرمادية.
على أطراف الخيمة، ينشغل متطوعون بضبط الأسلاك وتأمين استمرار العرض، في مهمة يشبهونها بحماية شعلة صغيرة وسط رياح عاتية. هؤلاء الشباب يرون في الضوء الخارج من جهاز العرض فعل مقاومة ناعماً، يصر على انتزاع حق الطفولة في الفرح واللعب رغم كل الظروف القاسية التي فرضها الحصار والعدوان.
خارج الخيمة، تدلت حبال الزينة الملونة وفوانيس رمضان الصغيرة، في محاولة لاستعادة هيبة الشهر الفضيل التي ضاعت ملامحها في مخيمات النزوح. وتتداخل أصوات الأطفال المتحمسين مع دعوات الأمهات عند اقتراب موعد الإفطار، مما يعيد للأذهان ذكريات رمضان في البيوت القائمة قبل أن يحولها القصف إلى ركام.
تأتي هذه الفعالية ضمن مبادرة أوسع تشرف عليها مؤسسة رشيد مشهراوي الثقافية، وتهدف إلى خلق مساحات آمنة للأطفال في مختلف مناطق النزوح بقطاع غزة. وتسعى المؤسسة من خلال هذه الشاشة البيضاء إلى تقديم تعويض رمزي للأطفال عن فقدانهم للمنازل والكهرباء ووسائل الترفيه البسيطة التي كانت جزءاً من حياتهم اليومية.
الطفلة ليان، البالغة من العمر تسع سنوات، تعبر عن سعادتها بالجلوس في الصفوف الأمامية لمتابعة العرض، مؤكدة أن وجود الكهرباء والسينما جعل حالهم أفضل. بالنسبة لليان، فإن هذه المبادرة ليست مجرد مشاهدة فيلم، بل هي عودة للضوء الذي افتقدته عائلتها طويلاً في ظل العيش على ضوء الشموع.
وتضيف ليان ببراءة أن الجلوس مع أقرانها لمشاهدة الأفلام يمنحها شعوراً بأنها في 'بيت كبير'، وهو تعبير يختصر هدف المبادرة في إعادة تعريف الأمان. فالأمان هنا لا يتمثل في الجدران الإسمنتية المفقودة، بل في الاجتماع الإنساني حول قصة تمنحهم الأمل في غدٍ أجمل.
من جهتها، أوضحت المتطوعة نعمة علي أن السينما الميدانية المتنقلة تجوب أرجاء القطاع من شماله إلى جنوبه للوصول إلى أكبر عدد من الأطفال. وأشارت إلى أن انطلاقة المبادرة الجديدة مع بداية عام 2026 تزامنت مع شهر رمضان لإضفاء طابع روحاني واجتماعي يفتقده الصغار منذ عامين.
وأكدت مصادر من المبادرة أن الهدف الأساسي هو إخراج الأطفال من دائرة الضغط النفسي وحالة الكآبة التي خلفتها الحرب المستمرة. فغياب التلفاز والكهرباء في الخيام جعل من هذه العروض الجماعية وسيلة حيوية لترميم النفسية المحطمة وإعادة بناء الروابط الاجتماعية بين أطفال المخيم الواحد.
أما الطفل أحمد عبد العزيز، الذي يحلم بأن يصبح مخرجاً سينمائياً في المستقبل، فيرى في هذه العروض استراحة ضرورية من أصوات القصف التي تلاحقه. يقول أحمد إن مشاهدة الأفلام تجعله يشعر بأنه في مكان بعيد وآمن، وتمنحه شيئاً ثابتاً يعود إليه في ظل تنقل عائلته المستمر بين مراكز النزوح.
المخرج رشيد مشهراوي، صاحب الرؤية خلف هذا المشروع، يضع المبادرة ضمن سياق 'مهرجانات الأمل' التي تتعاون فيها مؤسسات أهلية ودولية. ويؤكد مشهراوي أن السينما في غزة اليوم هي أداة للترميم النفسي وانتشال الأطفال من غياهب المعاناة وفقدان الأحبة ومرارة النزوح المتكرر.
وتطمح المبادرة خلال عام 2026 إلى الوصول لنحو نصف مليون طفل في قطاع غزة، عبر برنامج عروض مستمر يمتد حتى نهاية العام الحالي. هذا الرقم الطموح يعكس الإصرار على تحويل الضوء إلى رحالة يجوب المخيمات، ليزرع الأمل في قلوب جيل كامل نشأ تحت ظلال النيران.
ومع نهاية كل عرض، يرفض الأطفال مغادرة المكان فوراً، محاولين تأجيل العودة إلى واقعهم الصعب في الخيام التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة. يخرجون وفي ذاكرتهم ساعتان من الهدوء، حاملين معهم يقيناً بأن الأجنحة الصغيرة قادرة على التحليق فوق الركام طالما وجد من يضيء لها شاشة الأمل.
المصدر:
القدس