آخر الأخبار

معاناة حي الزيتون في غزة: عطش وتهميش تحت وطأة الدمار

شارك

في أزقة حي الزيتون المتربة جنوب شرق مدينة غزة، يواجه آلاف الفلسطينيين واقعاً مريراً يتجاوز حدود الاحتمال، حيث تحول الحي العريق إلى ساحة مفتوحة للجوع والعطش. يجلس المواطن جواد بدوان أمام ركام منزله، مراقباً طوابير السكان وهم يحملون أوعية بلاستيكية صغيرة في رحلة بحث شاقة عن مياه الشرب التي باتت عملة نادرة.

ويصف بدوان الوضع بالمرير، مؤكداً أن غياب الجهات الرسمية والمؤسسات الإغاثية ضاعف من حجم المأساة الإنسانية في الحي. ويشير إلى أن أدنى حقوق المواطنة الأساسية مفقودة تماماً، فلا مياه تصل عبر الشبكات، ولا تكيات خيرية توفر وجبات الطعام، وحتى رغيف الخبز بات بعيد المنال عن موائد العائلات الصامدة.

ويضطر سكان الحي، وخاصة الشباب منهم، إلى قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام للوصول إلى محطات التحلية البعيدة. هناك، ينتظرون لساعات لملء عبوات لا تتجاوز سعتها 15 لترًا، وهي كمية يصفها السكان بأنها لا تكفي احتياجات عائلة واحدة ليومين في ظل انعدام البدائل.

وعلى الرغم من كثرة المبادرات الفردية، إلا أنها تظل بلا نتائج ملموسة قادرة على سد الفجوة الكبيرة في الاحتياجات. ويؤكد السكان أن وكالة الأونروا هي الجهة الوحيدة التي تمكنت من الوصول وتوزيع طرود نظافة محدودة، بينما يظل التهميش سيد الموقف لبقية المؤسسات الدولية والمحلية.

وفي الجزء الشرقي من الحي، تظاهر عشرات المواطنين قرب مفترق مسجد صلاح الدين الأيوبي احتجاجاً على تدهور الأوضاع المعيشية. ورفع المحتجون لافتات تطالب بإصلاح شبكات الصرف الصحي وإزالة الركام والنفايات التي باتت تهدد بانتشار الأوبئة والأمراض بين النازحين والمقيمين فوق الأنقاض.

ويشكل القرب مما يعرف بـ 'الخط الأصفر' هاجساً أمنياً دائماً للسكان والفرق الإغاثية على حد سواء. هذا الموقع الجغرافي الحساس جعل المنطقة عرضة للاستهداف المستمر، مما دفع العديد من المنظمات الدولية إلى التردد في إرسال طواقمها، تاركة السكان عالقين في واقع لا يشبه الهدنة المعلنة.

إبراهيم الشمالي، أحد سكان الحي الذين فقدوا منازلهم، يناشد المؤسسات الدولية بضرورة النظر إلى حي الزيتون بعين الإنسانية. ويؤكد الشمالي أن السكان يعيشون تهميشاً كاملاً، حيث يفتقرون لمقومات الحياة الكريمة، مطالبًا بإنشاء مستشفيات ميدانية ونقاط طبية متنقلة لخدمة آلاف المرضى والجرحى.

إن معاناتنا تكمن في شح المياه؛ إذ لا توجد أي جهة رسمية مخولة بزيارة الحي، رغم أنه يعد من أقدم أحياء مدينة غزة وأكثرها اكتظاظاً.

ولا تقتصر المطالب على مياه الشرب فحسب، بل تمتد لتشمل مياه الغسيل والنظافة الشخصية للوقاية من الأمراض الجلدية. ويشدد السكان على أن النظافة في ظل هذه الظروف ليست رفاهية، بل هي ضرورة صحية قصوى في منطقة تعاني من طفح مياه الصرف الصحي وتراكم النفايات الصلبة.

من جانبه، حذر المتحدث باسم الدفاع المدني، محمود بصل، من كارثة بيئية وصحية مركبة تضرب حي الزيتون. وأوضح بصل أن التقديرات الأولية تشير إلى دمار طال نحو 90% من مباني الحي، مما يجعله من أكثر المناطق تضرراً خلال حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة على القطاع.

وكشف المتحدث عن وجود جثامين لشهداء لا تزال تحت الأنقاض في عدة مواقع داخل الحي، حيث تعجز الطواقم عن انتشالها بسبب نقص المعدات الثقيلة. كما حذر من أن المنازل المتبقية باتت آيلة للسقوط، مما أدى بالفعل إلى تسجيل حالات وفاة نتيجة انهيارات مفاجئة تحت وطأة الدمار.

سليم دلول، البالغ من العمر 60 عاماً، يقدر عدد القاطنين في منازلهم المتضررة بالحي بنحو 200 ألف نسمة. ويؤكد دلول أن هؤلاء السكان يرفضون مغادرة أرضهم رغم انعدام المساعدات، مشيراً إلى أن قوافل الإغاثة تمر أحياناً من محيط الحي دون أن تخصص لهم أي حصص تموينية.

واقترح دلول حلولاً عملية لتجاوز المخاوف الأمنية للمؤسسات الدولية، من خلال إيصال المساعدات إلى نقاط قريبة ليقوم السكان باستلامها بأنفسهم. وشدد على أن أهالي الزيتون يحتاجون إلى دعم عيني ومالي عاجل لتعزيز صمودهم في وجه القذائف التي لا تزال تنهمر عليهم بشكل متقطع.

وتأتي هذه المعاناة في وقت تشير فيه الإحصاءات إلى استشهاد نحو 72 ألف فلسطيني وإصابة 172 ألفاً آخرين منذ بدء العدوان. ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر 2025، إلا أن الخروقات الإسرائيلية اليومية تمنع وصول المساعدات الكافية لـ 2.4 مليون إنسان يعيشون ظروفاً مأساوية.

يبقى حي الزيتون نموذجاً صارخاً للصمود الفلسطيني في وجه آلة الحرب والتهميش الإنساني. وبينما ينتظر السكان صهريج ماء أو نقطة طبية، يواصلون كتابة قصة بقائهم فوق الأنقاض، مطالبين العالم بألا يتركهم منسيين على هامش الجغرافيا وخارج حسابات الإغاثة الدولية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا