آخر الأخبار

الحرب على إيران تهمش غزة وغياب مجلس السلام

شارك

د. رائد أبو بدوية: إسرائيل قد تستفيد من الانشغال الدولي لإعادة تأطير ما يجري بغزة ضمن الصراع الإقليمي

ماجد هديب: استمرار تجميد مجلس السلام سيؤدي إلى انعكاسات مباشرة على الوضع الداخلي في غزة

سري سمور: إسرائيل تحاول استغلال انشغال العالم بالحرب لتكثيف الضغوط على غزة لفرض وقائع جديدة

د. سهيل دياب: حال إنهاء الحرب عبر اتفاق تسعى فيه طهران لمقاربة إقليمية فقد يمتد ذلك ليشمل لبنان وغزة

طلال عوكل: مظاهر تعطيل الدخول إلى المرحلة الثانية سبقت الحرب على إيران ما يعكس فشل خطة ترمب

لبيب طه: غياب مجلس السلام يعمق الأزمتين الإنسانية والسياسية في غزة ويعكس تنكراً واضحاً للاتفاقات

رام الله - خاص ب"القدس"-

على وقع الحرب الإسرائيلية الأمر على إيران تراجع حضور قطاع غزة على أجندة الاهتمام الدولي، وتم تجميد ما يسمى مجلس السلام بشكل فعلي، حيث اتجهت أنظار القوى الدولية والإعلام العالمي إلى تداعيات الصراع الأوسع في المنطقة.

وبحسب كتاب ومحللين سياسيين ومختصين وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع "القدس"، فقد أدى هذا التحول إلى انحسار الاهتمام السياسي والدبلوماسي بالملف الفلسطيني، بما في ذلك المبادرات المطروحة لمعالجة الأوضاع في قطاع غزة، وعلى رأسها ما يُعرف بـ"مجلس السلام"، الذي كان يُفترض أن يشكل إطاراً سياسياً وإدارياً لمعالجة المرحلة التالية للحرب.

ويرون أن تراجع الضغط الدولي أدى إلى توفير هامش أوسع لإسرائيل للتحرك في قطاع غزة، في ظل انخفاض مستوى التدقيق السياسي والإعلامي على سياساتها الميدانية.

في المقابل، ينعكس تجميد المبادرات السياسية وتراجع الاهتمام الدولي بصورة مباشرة على الواقع الإنساني والإداري في القطاع، الذي يعاني أصلاً من أزمات معيشية حادة ونقص في الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.

كما يهدد استمرار هذا الجمود بتأخير مسار إعادة الإعمار وإبقاء غزة في دائرة الأزمات المتلاحقة، بانتظار ما ستسفر عنه الحرب الإقليمية من موازين قوى جديدة قد تعيد تشكيل أولويات المنطقة ومستقبل القضية الفلسطينية.








غزة والتأثر بالتحولات الكبرى


يرى أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية د. رائد أبو بدوية أن التطورات الإقليمية المتسارعة، وعلى رأسها الحرب الدائرة مع إيران، أدت إلى تراجع ملحوظ في حضور الملف الفلسطيني، ولا سيما ما يتعلق بقطاع غزة، على أجندة الاهتمام الدولي السياسي والإعلامي والدبلوماسي، وهو ما انعكس على المبادرات المطروحة لمعالجة الأوضاع في القطاع، ومن بينها ما يُعرف بـ"مجلس السلام في غزة".

ويوضح أبو بدوية أن غزة لا تتأثر فقط بما يجري داخل حدودها الضيقة، بل تتأثر بدرجة كبيرة بالتحولات الكبرى في البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بها، فالقضية الفلسطينية، رغم مركزيتها التاريخية في الشرق الأوسط، كثيراً ما تتراجع إلى الخلف في لحظات التصعيد الإقليمي الكبير، عندما تتجه أنظار القوى الدولية إلى صراعات تُعتبر أكثر تهديداً للاستقرار الإقليمي أو للنظام الدولي.

ويبيّن أبو بدوية أن تصاعد الأزمات الكبرى خاصة الحرب على إيران يدفع المجتمع الدولي إلى إعادة ترتيب أولوياته السياسية والدبلوماسية، حيث يتركز الاهتمام على تداعيات تلك المواجهة واحتمالات توسعها وتأثيرها على الاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وكذلك يتراجع الضغط الدولي المرتبط بغزة، سواء فيما يتعلق بالمطالبة بوقف العمليات العسكرية أو الدفع نحو حلول سياسية وإنسانية لمعالجة الأزمة في القطاع.


فراغ الاهتمام الدولي


ويشير أبو بدوية إلى أن هذا الواقع يخلق ما يمكن وصفه بـ"فراغ الاهتمام الدولي"، وهو فراغ ينعكس عملياً في انخفاض مستوى التدقيق والضغط الدولي على السياسات الإسرائيلية في غزة، ما يمنح إسرائيل هامشاً أوسع للتحرك وإدارة الصراع وفق حساباتها الخاصة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي.

ويلفت أبو بدوية إلى أن طبيعة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط تقوم على تداخل الأزمات وتزاحمها على أجندة القوى الدولية، إذ غالباً ما يتم التعامل مع هذه الأزمات وفق منطق ترتيب الأولويات، حتى وإن كانت أزمة غزة لها تداعياتها الإنسانية والسياسية شديدة الخطورة، ما يجعلها ضحية لهذا التزاحم في الأزمات الإقليمية.


خلف صخب الحرب على إيران


ويوضح أبو بدوية أن تواري مجلس السلام خلف صخب الحرب على إيران يعكس انشغال البيئة الدولية التي يمكن أن تدعم تلك المبادرات بأولويات أخرى أكثر إلحاحاً، فعندما تتحول الأنظار إلى صراع إقليمي أوسع، تتراجع فرص الدفع بمبادرات تهدف إلى تهدئة الأوضاع في القطاع أو إعادة إطلاق مسارات سياسية مرتبطة به.

ويشير أبو بدوية إلى أن إسرائيل قد تستفيد من انشغال المجتمع الدولي بأولويات أخرى بإعادة تأطير ما يجري في غزة ضمن سياق الصراع الإقليمي الأوسع مع إيران، وهو خطاب يسهم في بعض الأحيان في تعزيز قبول الرواية الإسرائيلية لدى بعض القوى الدولية.


إسرائيل وفرصة تثبيت الوقائع


كما قد يتيح ذلك وفق أبو بدوية، تراجع مستوى التدقيق الدولي لإسرائيل فرصة لتثبيت وقائع ميدانية أو سياسية جديدة في القطاع، في وقت ينخفض فيه مستوى الضغوط الدبلوماسية والإعلامية المرتبطة بتطورات الأوضاع في غزة.


بطء الاستجابة الإنسانية


وعلى المستوى الإنساني، يحذر أبو بدوية من أن تراجع الاهتمام الدولي ينعكس بشكل مباشر على الأوضاع المعيشية في القطاع، الذي يعاني أصلاً من نقص حاد في متطلبات الحياة الأساسية، بما في ذلك الغذاء والدواء والطاقة والخدمات الصحية.

كما أن انخفاض مستوى الاهتمام السياسي والإعلامي وفق أبو بدوية، يؤدي غالباً إلى إبطاء الاستجابة الإنسانية الدولية، نظراً للدور الكبير الذي تلعبه التغطية الإعلامية والاهتمام السياسي في تعبئة الموارد وتوجيه المساعدات.

ويشير أبو بدوية إلى أن غياب المبادرات السياسية الفاعلة يكرس حالة الجمود المرتبطة بقطاع غزة، إذ يبقى التعامل مع الأزمة في إطار إدارة الصراع بدلاً من البحث عن حلول سياسية مستدامة.

ويعتبر أبو بدوية أن تواري مجلس السلام خلف صخب الحرب على إيران يكشف هشاشة المسارات السياسية المرتبطة بالقطاع واعتمادها الكبير على البيئة الدولية الداعمة.


ارتباط بنتائج الحرب على إيران


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي ماجد هديب أن الحرب الدائرة على إيران سحبت عملياً طموحات الفلسطينيين وآمالهم المرتبطة بإعادة الإعمار واستعادة الحياة الطبيعية في قطاع غزة، فضلاً عن تعطيل أي أفق سياسي كان يُطرح في المرحلة السابقة أو تفعيل دور مجلس السلام.

ويوضح هديب أن تجميد عمل مجلس السلام لا يرتبط فقط بانشغال الأطراف الدولية بالحرب، بل يتصل أيضاً بالسياق الأوسع المرتبط بمشروع إعادة تشكيل المنطقة فيما يُعرف بـ"الشرق الأوسط الجديد"، والذي تسعى إسرائيل إلى تكريسه.

ويلفت هديب إلى أن رؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المتعلقة بمستقبل غزة والقضية الفلسطينية عموماً ترتبط بنتائج الحرب على إيران، وما ستفرزه من موازين قوى إقليمية جديدة.

ويشير هديب إلى أن هذه الحرب نتج عنها تحول واضح في أولويات المجتمع الدولي، حيث انتقل الاهتمام من ملف غزة إلى الصراع الأوسع في المنطقة، وهو ما انعكس في تراجع الحديث عن مجلس السلام أو محاولة تهيئة الظروف لبدء عمله.


خلافات مرتبطة بإدارة قطاع غزة


ويلفت هديب إلى أن المشهد السياسي المرتبط بإدارة قطاع غزة ما يزال يشهد خلافات متعددة، سواء بين القوى الفلسطينية نفسها، أو بين الأطراف الدولية المعنية، فهناك خلافات قائمة حول دور السلطة الفلسطينية، وموقف حركة حماس من ترتيبات الإدارة المستقبلية للقطاع، إضافة إلى تباينات بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن ترتيبات "اليوم التالي" للحرب، خصوصاً في ما يتعلق بملف الأمن والجهة التي ستتولى إدارة القطاع ومنح الشرعية السياسية.

وعلى المستوى الأمني، يرى هديب أن الحرب على إيران تجعل من الصعب تنفيذ أي ترتيبات أمنية مرتبطة بمجلس السلام، وخاصة تلك المتعلقة بنشر قوات استقرار أو نقل الصلاحيات الأمنية في غزة.

ويوضح هديب أن هذه القوات تُعد العمود الفقري للمجلس، إلا أن عملها مرتبط باتفاقات أمنية لم يتم التوصل إليها حتى الآن بين الولايات المتحدة وإسرائيل، أو بين الولايات المتحدة والأطراف الأخرى المعنية بالمجلس.

ويشير هديب إلى أن إسرائيل، في ظل الحرب الإقليمية واحتمالات توسعها، تركز أولوياتها الأمنية على الجبهة الإقليمية، ما يجعلها غير مستعدة للانسحاب من غزة أو نقل السيطرة الأمنية إلى جهة أخرى، خشية حدوث فراغ أمني قد تستفيد منه أطراف تعتبرها إسرائيل مرتبطة بإيران.


التردد في ضخ التمويل


أما على الصعيد الاقتصادي، يؤكد هديب أن تجميد عمل مجلس السلام يحمل دلالات اقتصادية واضحة، لأن المجلس كان يفترض أن يشكل إطاراً لإدارة المساعدات الدولية ومشاريع إعادة الإعمار بالتنسيق مع الدول المانحة، إلا أن الحرب على إيران أدت إلى تردد تلك الدول والمؤسسات الدولية في ضخ التمويل، في ظل غياب الاستقرار وعدم وضوح مآلات الصراع الإقليمي.

وبحسب هديب، فإن هذا الواقع بتجميد عنل مجلس السلام يعني عملياً استمرار قطاع غزة في حالة "اقتصاد إغاثي" يعتمد على المساعدات المحدودة بدلاً من الانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار والتنمية، إلى حين اتضاح نتائج الحرب وتحديد ملامح التوازنات الجديدة في المنطقة.


استمرار الفراغ الإداري والسياسي


ويحذر هديب من أن استمرار تجميد مجلس السلام سيؤدي إلى انعكاسات مباشرة على الوضع الداخلي في غزة، من بينها استمرار الفراغ الإداري والسياسي وضعف القدرة على تنظيم الحياة المدنية والخدمات العامة، في وقت يعاني فيه القطاع أصلاً من نقص حاد في الغذاء والدواء والمياه والوقود.

ويشير هديب إلى أن هذا الفراغ قد يتيح لحركة حماس تعزيز سيطرتها الأمنية والإدارية داخل القطاع، بما في ذلك في قطاعات الشرطة والبلديات والقضاء، وهو ما قد يعقّد ترتيبات "اليوم التالي" ويؤدي إلى إعادة طرح ملف دور الحركة في أي معادلة سياسية مستقبلية تتعلق بإدارة غزة.

وبحسب هديب، فإن انتقال الاهتمام الدولي من إدارة أزمة غزة إلى إدارة الصراع الإقليمي الأوسع يعني عملياً تأجيل أي مشروع سياسي أو اقتصادي يتعلق بالقطاع، وهو ما يهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية والإدارية ويؤخر مسار إعادة الإعمار والاستقرار في غزة إلى حين اتضاح نتائج الحرب في المنطقة.


طغيان الحرب الدائرة مع إيران


يوضح الكاتب والمحلل السياسي سري سمور أن أخبار قطاع غزة والضفة الغربية تراجعت بشكل واضح، نتيجة طغيان الحرب الدائرة مع إيران على المشهد العام، كون حجم الحدث وتداعياته الاستراتيجية جعلاه يتصدر الاهتمام العالمي، فيما تراجعت القضايا الأخرى، بما فيها القضية الفلسطينية، إلى الخلف.

ويرى سمور أن هذا التراجع لا يرتبط فقط بزخم الحرب، بل أيضاً بمحاولة إعادة برمجة المشهد السياسي في المنطقة، بما يشمل القضية الفلسطينية نفسها.


إسرائيل واستغلال نتائج الحرب


ويعتقد سمور أن بعض السيناريوهات التي تطمح إليها إسرائيل تقوم على استغلال نتائج الحرب في حال انتهت بانتصار أمريكي–إسرائيلي على إيران، بما قد يفتح الباب أمام خطوات سياسية وأمنية خطيرة تمس الواقع الديموغرافي الفلسطيني.

ويبيّن سمور أن أحد أخطر هذه السيناريوهات يتمثل في محاولة فرض تهجير واسع للفلسطينيين من قطاع غزة باتجاه مصر، عبر الضغط السياسي أو الإقليمي، إلى جانب دفع الأردن لاستقبال أعداد كبيرة من الفلسطينيين من الضفة الغربية.

ويلفت سمور إلى أن هذه الرؤية، وفق ما يعتقد مخططوها، تهدف في المدى البعيد إلى إعادة تشكيل الواقع في غزة ليعود إلى ما كان عليه قبل عقود، مع تقليص الكتلة السكانية الفلسطينية في الضفة.

ويشير سمور إلى أن هذا السيناريو يبقى مرهوناً بنتائج الحرب، مؤكداً أن انتهائها بالتعادل أو دون حسم واضح قد يحد من إمكانية تنفيذ مثل هذه الخطط، وربما يفتح مسارات مختلفة قد لا تكون بالضرورة سلبية بالنسبة لقطاع غزة، بينما يشكل أي انتصار أمريكي–إسرائيلي أخطر الاحتمالات على المنطقة والقضية الفلسطينية.


تداعيات استراتيجية كبرى


ويوضح سمور أن الحرب مع إيران تحمل تداعيات استراتيجية كبرى، خصوصاً في ما يتعلق بالطاقة والاقتصاد العالمي، وهو ما يجعلها قضية مركزية بالنسبة لمعظم دول العالم.

ويشير سمور إلى أن دول الخليج نفسها طالتها الحرب، كما أن جزءاً كبيراً من الإعلام العربي ممول خليجياً، في وقت تنشغل فيه دول المنطقة بترتيباتها ومصالحها المرتبطة بالحرب وتداعياتها.

ميدانياً، يلفت سمور إلى أن القصف الإسرائيلي على قطاع غزة تراجع نسبياً مقارنة بالفترات السابقة، لكنه لم يتوقف، في حين ما يزال الحصار والتضييق مستمرين، ما يفاقم من معاناة الأهالي ويؤثر على متطلبات الحياة الأساسية.

ويرى سمور أن إسرائيل تحاول استغلال انشغال العالم بالحرب على إيران لتكثيف الضغوط على القطاع، وتعقيد الظروف الإنسانية، من أجل فرض وقائع جديدة.

ويعتبر سمور أن المرحلة الحالية تشهد طرح مقاربات جديدة في السياسة الأمريكية والإسرائيلية تقوم على مبدأ "السلام من خلال القوة"، أي فرض الوقائع بالقوة العسكرية، كما أن نتائج المواجهة مع إيران ستحدد شكل السياسات المقبلة في المنطقة، بما في ذلك مستقبل القضية الفلسطينية وترتيباتها السياسية.


هروب نتنياهو إلى الأمام


يرى أستاذ العلوم السياسية والمختص في الشأن الإسرائيلي د. سهيل دياب أن الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى دفعت ملف قطاع غزة إلى مرتبة متأخرة في سلم الأولويات الإقليمية والدولية، من دون أن يعني ذلك إغلاق الملف أو إنهاء مساره السياسي، بل تجميده مؤقتاً بانتظار ما ستسفر عنه تطورات المواجهة في المنطقة.

ويشير دياب إلى أن هذا التحول لم يكن مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل ينسجم مع حسابات سياسية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي سعى إلى "الهروب إلى الأمام" باتجاه الملف الإيراني لتجنب الالتزامات المتعلقة بالمرحلة الثانية من الترتيبات الخاصة بقطاع غزة، وكذلك التفاهمات المرتبطة بلبنان وملفات إقليمية أخرى.

ويشير دياب إلى أن نتنياهو اعتقد أن خوض مواجهة مع إيران قد يعزز موقعه السياسي الداخلي ويعيد ترميم شعبيته الانتخابية، خاصة أنه كان قد ألمح سابقاً إلى إمكانية تقريب موعد الانتخابات قبل اندلاع الحرب.


مشهد غزة بعد مسار المواجهة الحالية


وفيما يتعلق بتأثير الحرب على مستقبل قطاع غزة، يطرح دياب سيناريوهين رئيسيين لمسار المواجهة الحالية، الأول يتمثل في وقف إطلاق نار محدود على غرار ما يوصف بـ"حرب الاثني عشر يوماً"، وهو الخيار الذي تفضله الولايات المتحدة، وفي هذه الحالة، من المتوقع أن يعود ملف غزة إلى الوضع الذي كان عليه قبل الحرب، مع احتمال إدخال بعض التعديلات التي تمنح واشنطن مكاسب سياسية يمكن للرئيس الأمريكي استثمارها داخلياً، خصوصاً في سياق الانتخابات النصفية، وهو ما قد يثير تحفظات إسرائيلية.

أما السيناريو الثاني وفق دياب، فيتعلق بإنهاء الحرب عبر اتفاق شامل يعالج جذور الصراع، وهو الطرح الذي تميل إليه إيران، خشية أن يؤدي وقف إطلاق النار المؤقت إلى تجدد الحرب خلال أشهر قليلة.

وفي هذا السياق، يؤكد دياب أن طهران تسعى إلى مقاربة إقليمية شاملة لملفات الشرق الأوسط، بحيث لا يقتصر الاتفاق على إنهاء الحرب في إيران فحسب، بل يمتد ليشمل الأوضاع في لبنان وقطاع غزة أيضاً.

ويلفت دياب إلى وجود تفاهمات واتصالات بين إيران وعدد من الأطراف الإقليمية، من بينها مصر وقطر وتركيا، تهدف إلى طرح ملف غزة كجزء من أي تسوية شاملة محتملة، وفي حال تحقق ذلك، فإن القضية الفلسطينية – وخصوصاً الوضع في غزة – قد تستفيد من إطار إقليمي أوسع للتسوية.


الأزمة الفلسطينية تجاه مجلس السلام


في المقابل، يشير دياب إلى أزمة ثقة متنامية لدى الجمهور الفلسطيني تجاه ما يسمى "مجلس السلام"، الذي تقوده الولايات المتحدة ويضم شخصيات بارزة من بينها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، اللذان يقودان أيضاً الحرب على إيران في الوقت نفسه الذي يتحدث فيه عن ترتيبات لغزة ما يخلق تناقضاً واضحاً يضعف الثقة الفلسطينية بأي دور مستقبلي له.

ويشير دياب إلى أن ملف غزة يقف حالياً في حالة تجميد بانتظار مآلات الحرب، محذراً من أن استمرار الخلاف بين خيار "وقف إطلاق النار" وخيار "إنهاء الحرب" قد يفتح المجال أمام إسرائيل لإحداث تغييرات ميدانية عميقة في غزة ولبنان، الأمر الذي قد يعيد خلط أوراق المنطقة ويترك تداعيات سلبية إضافية على القضية الفلسطينية.


مواصلة تعطيل الانتقال إلى المرحلة الثانية


يوضح الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل أن مرور نحو خمسة أشهر على دخول خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب حيز التنفيذ، إلى جانب أسابيع على انعقاد آخر اجتماع احتفالي لما يُعرف بـ"مجلس ترمب للسلام"، لم ينعكس بأي تغيير ملموس على الواقع في قطاع غزة، مشيراً إلى أن إسرائيل ما تزال تعطل الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة، وتواصل فرض سياساتها على الأرض دون وجود تحرك فعلي من المجلس أو أعضائه.

ويشير عوكل إلى أن إسرائيل تواصل، في الوقت نفسه، سياسة الاغتيالات والقصف والتحكم الكامل بالمعابر وحركة الدخول والخروج، إضافة إلى إدارة ملف المساعدات الإنسانية ومتطلبات تحسين الحياة في القطاع وفق حساباتها الخاصة.

ويلفت عوكل إلى أن المجلس، رغم تركيبته التي تضم شخصيات دولية وعربية وإسلامية إلى جانب مبعوثين دوليين، لم يتمكن حتى من تأمين دخول لجنة التكنوقراط المفترض أن تتولى مهام إدارية في غزة.

ويؤكد عوكل أن مظاهر تعطيل الدخول للمرحلة الثانية سبقت الحرب على إيران بفترة طويلة، وهو ما يعكس فشل خطة ترمب وخضوع الأطراف المعنية للإملاءات الإسرائيلية، وليس الادعاء بسبب الحرب الجارية في المنطقة.


ظروف صعبة في غزة


ويشير عوكل إلى أن الواقع المعيشي في غزة لم يشهد تغيراً جوهرياً، إذ تراجع مستوى الخوف من القصف نسبياً، فيما توفرت بعض المواد الغذائية في الأسواق لكنها تباع بأسعار مرتفعة، وإن كانت أقل من تلك التي سادت خلال فترة الحرب الواسعة، ومع ذلك، ما تزال مظاهر الجوع والفقر والبطالة وانتشار الأمراض تثقل حياة الأهالي.

ويؤكد عوكل أن أهالي غزة، رغم هذه الظروف القاسية، يواصلون الصمود على أرضهم، مشدداً على أن الاستسلام لليأس أو التخلي عن التمسك بالحياة ليس خياراً لدى الغزيين رغم شدة المعاناة.


تراجع حضور الملف الفلسطيني


يرى الباحث والمحلل السياسي لبيب طه أن غياب ما يُعرف بـ"مجلس السلام"، الذي يضم في الأساس شخصيات أميركية مقربة من الإدارة الأميركية، يطرح دلالات سياسية عميقة وسلبية بالنسبة للقضية الفلسطينية، في ظل التحولات الدولية والانشغال بالحرب الدائرة ضد إيران، وهو ما أدى إلى تراجع الاهتمام الدولي بما يجري في الأراضي الفلسطينية، ولا سيما في قطاع غزة.

ويشير طه إلى أن هذا المجلس كان يفترض به أن يلعب دوراً في تحريك مسار التسوية أو إبقاء القضية الفلسطينية ضمن أولويات النقاش السياسي الدولي، إلا أن غيابه في هذه المرحلة الحساسة يعكس انصراف الاهتمام الدولي إلى ملفات أخرى، وعلى رأسها الحرب مع إيران، الأمر الذي أسهم في تراجع حضور الملف الفلسطيني على الساحة الدولية.

ويلفت طه إلى أن العالم يكاد ينسى ما يجري في غزة، إذ لم تعد الأخبار المتعلقة بالقطاع تتصدر المشهد الدولي خلال الأسبوعين الأخيرين، باستثناء التقارير المتفرقة التي تتناول استمرار القتل والتدمير والحرب التي لم تتوقف، حتى وإن كانت وتيرتها قد انخفضت نسبياً مقارنة بالفترات السابقة، موضحاً أن هذا التراجع الإعلامي والسياسي يعكس خللاً عميقاً في ميزان الاهتمام الدولي.

ويؤكد طه أن غياب "مجلس السلام" يحمل في جوهره رسائل سلبية للفلسطينيين، إذ تعكس حقيقة أن الطرف الفلسطيني هو الأضعف في المعادلة السياسية الدولية، وأن التاريخ كثيراً ما أظهر أن الضعفاء يدفعون الثمن الأكبر عندما تتقدم المصالح على المبادئ.

كما أن هذا الغياب يعكس – بحسب طه – أن القوة أصبحت تتقدم على الحق في إدارة العلاقات الدولية، وأن المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما تتصدر الأولويات على حساب معاناة الشعب الفلسطيني.


ترتيب أولويات السياسة الدولية


ويرى طه أن أحد المؤشرات الواضحة في هذا السياق يتمثل في ترتيب أولويات السياسة الدولية، حيث يبدو أن القضية الفلسطينية لم تعد ضمن أولويات النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، فيما تحظى قضايا أخرى باهتمام أكبر في ضوء الصراعات الإقليمية والدولية المتصاعدة.

وفي ما يتعلق بتداعيات ذلك على الواقع الفلسطيني، يوضح طه أن هذا الغياب يعمق الأزمة الإنسانية والسياسية في قطاع غزة، مشيراً إلى أن ما يعيشه القطاع لم يعد مجرد أزمة عابرة أو ظرفاً طارئاً، بل كارثة ممتدة منذ نحو أكثر من عامين، تعكس تنكراً واضحاً للاتفاقيات المبرمة مع الجانب الفلسطيني.

ويؤكد طه أن هذه التطورات تعني عملياً استمرار حرمان الفلسطينيين من أبسط حقوقهم الإنسانية، مشيراً إلى أن الحديث هنا لا يتعلق بحقوق سياسية فقط، بل بالحقوق الأساسية التي يولد بها الإنسان.

ويوضح طه أن هذه الحقوق باتت غائبة في واقع الفلسطينيين، وخصوصاً في قطاع غزة، فيما لا يختلف الوضع في الضفة الغربية كثيراً من حيث الجوهر، وإن كان يختلف من حيث درجة الحدة، إذ يبقى الواقع العام متسماً بالقسوة والمعاناة والبعد المأساوي.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا