آخر الأخبار

في يوم المرأة.. 72 أسيرة فلسطينية في سجون الاحتلال الإسرائيلي

شارك

الحدث للأسرى

يحلّ يوم المرأة العالمي في الثامن من آذار مناسبةً للاحتفاء بإنجازات النساء ونضالاتهن من أجل العدالة والمساواة. غير أنّ هذه المناسبة ف ي فلسطين تأتي مثقلة بواقع مختلف؛ إذ تعيش المرأة الفلسطينية تحت منظومة الاحتلال الإسرائيلي، حيث تختلط رمزية هذا اليوم بقصص الفقدان والقمع والحرمان والمعاناة.

وفي هذا السياق، تبرز قضية الأسيرات الفلسطينيات بوصفها إحدى القضايا المركزية التاريخية المرتبطة بمحاولات الاحتلال المتواصلة لاستهداف الوجود الفلسطيني وتقويض دور المرأة الفلسطينية.

وعلى مدار عقود طويلة، تعرّضت النساء الفلسطينيات، على اختلاف أعمارهن، للاعتقال وسوء المعاملة والتعذيب والحرمان من أبسط حقوقهن، ضمن منظومة قمعية مستمرة لم تتغير ملامحها. لذلك، فإن ما تعيشه النساء الفلسطينيات اليوم، ومنهن الأسيرات في سجون الاحتلال، لا يمثل استثناءً، بل يشكّل امتدادًا مباشرًا لسياسة راسخة تقوم على قمع الفلسطينيين واستهداف وجودهم. غير أنّ المرحلة الراهنة، في أعقاب جريمة الإبادة الجماعية، شهدت تحولات هائلة في مصير النساء الفلسطينيات، حيث بلغت مستويات الانتهاكات والجرائم حدًا غير مسبوق من حيث اتساع نطاقها وحدّتها. فقد ترافق ذلك مع تصعيد غير مسبوق في حملات الاعتقال في مختلف المناطق الفلسطينية، إلى جانب ارتفاع ملحوظ في أعداد النساء اللواتي تعرّضن للاعتقال، وتفاقم ظروف احتجازهن في ظل سياسات تندرج ضمن منظومة تعذيب ممنهجة تبدأ منذ لحظة الاعتقال وتمتد عبر مراحل التحقيق والاحتجاز في السجون والمعسكرات، حتّى تحوّلت السجون إلى ساحات للتعذيب والتدمير الممنهج للأسرى والأسيرات، وواحدة من ميادين جريمة الإبادة.

وفي هذا التقرير، تستعرض المؤسسات المختصة — هيئة شؤون الأسرى والمحررين، ونادي الأسير الفلسطيني، ومؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان — أبرز المعطيات المرتبطة بواقع اعتقال النساء الفلسطينيات، ومستوى الجرائم والانتهاكات المرافقة لعمليات الاعتقال الممنهجة، استنادًا إلى شهادات وإفادات لنساء تعرّضن للاعتقال، إضافة إلى عرض واقع الأسيرات في سجون الاحتلال والتحولات التي طرأت على ظروف احتجازهن بعد جريمة الإبادة الجماعية.

إحصائيات حول الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال يواصل الاحتلال الإسرائيلي اعتقال 72 أسيرة فلسطينية في سجونه، معظمهن في سجن الدامون، بينهن ثلاث قاصرات و32 أمًّا لهن 130 طفلًا.

كما تخضع 17 أسيرة للاعتقال الإداري دون محاكمة، فيما تقضي خمس أسيرات أحكامًا متفاوتة، أعلاها للأسيرة شاتيلا عياد المحكومة بالسجن 16 عامًا. كما توجد 50 موقوفة لم تصدر بحقهن أحكام بعد، من بينهن 16 معتقلة على خلفية ما يُسمّى "التحريض"، مع تقديرات بأن العدد الفعلي قد يكون أعلى.

وعلى الصعيد الصحي والتعليمي، توجد أسيرة جريحة و18 أسيرة مريضة بينهن ثلاث أسيرات مصابات بالسرطان، إضافة إلى 12 طالبة جامعية وثلاث طالبات مدارس. جغرافيًا، تتركز الغالبية في الضفة الغربية بما فيها القدس (69 أسيرة)، إلى جانب ثلاث أسيرات من الداخل الفلسطيني المحتل. حملات اعتقال ممنهجة وغير مسبوقة بحق النساء منذ بدء جريمة الإبادة الجماعية، صعّدت قوات الاحتلال الإسرائيلي حملات الاعتقال الممنهجة بحق النساء الفلسطينيات في مختلف المناطق الفلسطينية.

ولم يقتصر الاستهداف على فئة عمرية محددة، بل شمل نساءً من خلفيات اجتماعية متعددة، بما في ذلك القاصرات، حيث تجاوز عدد النساء اللواتي تعرّضن للاعتقال منذ ذلك الحين نحو 700 امرأة. وطالت الاعتقالات طالبات جامعيات وناشطات وربّات بيوت ونساء لا يملكن أي انخراط سياسي مباشر، ما يعكس توجّهًا نحو توسيع دائرة الاستهداف لتشمل النساء بوصفهن جزءًا من الحاضنة المجتمعية الأوسع. ولا يمكن قراءة هذه الاعتقالات بمعزل عن سياسة أوسع تستهدف البنية العائلية والمجتمعية الفلسطينية، في إطار نهج يقوم على الانتقام الجماعي.

كما شكّلت الاعتقالات التي طالت النساء في غزة بعد جريمة الإبادة إحدى أبرز القضايا، نظرًا لما تعرّضن له من انتهاكات جسيمة وامتهان لكرامتهن الإنسانية، فضلًا عن جريمة الإخفاء القسري التي طالت العشرات منهن في بداية الإبادة.

وقد تمكّنت المؤسسات لاحقًا من الكشف عن مصير العديد منهن والإفراج عنهن، فيما لا تتوفر حتى اليوم معطيات تشير إلى وجود نساء من غزة ما زلن رهن الاعتقال. التنكيل والإذلال أثناء الاعتقال: من اقتحام المنازل إلى الحواجز العسكرية تعرّضت غالبية الأسيرات اللواتي جرى اعتقالهن لاعتداءات جسدية ونفسية رافقت لحظة احتجازهن، سواء اعتُقلن من منازلهن بعد اقتحامها أو خلال مرورهن عبر الحواجز العسكرية.

ففي حالات الاعتقال من المنازل، غالبًا ما تبدأ العملية باقتحام عنيف في ساعات الليل أو الفجر، يتخلله كسر الأبواب وانتشار القوات داخل المنزل وتخريب محتوياته، في أجواء يسودها الصراخ والتهديد بالسلاح.

أما في حالات الاعتقال على الحواجز العسكرية، فتبدأ المعاناة بإيقاف المركبات أو احتجاز النساء لساعات طويلة تحت الشمس أو البرد قبل إخضاعهن لتفتيش دقيق ومهين.

وتشير إفادات إلى تعرّض بعضهن للدفع والضرب أثناء إنزالهن من المركبات أو أثناء نقلهن إلى نقاط التفتيش العسكرية. كما وثّقت إفادات حالات جرى فيها عصب أعين المعتقلات وتقييد أيديهن خلف ظهورهن لفترات طويلة، مع توجيه الشتائم والتهديدات لهن. ولا يقتصر العنف على لحظة الاعتقال، بل يمتد أحيانًا خلال عملية النقل في الآليات العسكرية، حيث تُجبر المعتقلات على البقاء في أوضاع مؤلمة أو يُحرمن من استخدام دورات المياه لساعات طويلة.

ورغم أنّ هذه الممارسات ليست جديدة، فإن المرحلة الحالية تعكس مستوى غير مسبوق من حيث عدد الحالات ومستوى العنف المستخدم. اعتقال النساء كرهائن: أداة للضغط والانتقام الجماعي على مدار عقود الاحتلال، شكّلت سياسة اعتقال النساء بوصفهن رهائن إحدى الأدوات التي استخدمها الاحتلال للضغط على العائلات الفلسطينية.

غير أنّ هذه السياسة برزت بصورة أكثر وضوحًا في المرحلة التي أعقبت الحرب، إذ لم تعد عمليات الاعتقال تقتصر على استهداف الشخص المطلوب مباشرة، بل امتدت لتطال نساءً من عائلته بهدف الضغط عليه أو الانتقام منه. ولا تبدأ معاناة المرأة الفلسطينية عند لحظة اقتحام المنزل أو تقييد يديها واقتيادها إلى التحقيق؛ فكثير من النساء اللواتي تعرّضن للاعتقال ينتمين إلى عائلات عاشت سنوات طويلة تحت وطأة المداهمات المتكررة والاعتقالات المتعاقبة واستهداف أكثر من فرد من الأسرة بالاحتجاز أو السجن أو حتى القتل. وفي كثير من الحالات، تكون بيئة الاعتقال قد سبقتها سلسلة ممتدة من الانتهاكات التي جعلت الأسرة بأكملها في دائرة الاستهداف المستمر.

وخلال الشهور التي تلت حرب الإبادة، برزت سياسة احتجاز النساء كرهائن بشكل لافت، حيث طالت هذه الممارسات عشرات النساء بهدف الضغط على أحد أفراد العائلة المطلوبين لتسليم أنفسهم. وشملت هذه السياسة زوجات أسرى وزوجات شهداء وأمهات، بينهن مسنّات تجاوزن السبعين عامًا، في مؤشر على اتساع دائرة الاستهداف دون اعتبار للسن أو الوضع الصحي أو الاجتماعي.

وقد رافق احتجاز النساء كرهائن أشكال متعددة من التنكيل والضغط النفسي، تمثلت في توجيه تهديدات مباشرة وصلت في بعض الحالات إلى حد التهديد بقتل الابن المطلوب أو الزوج، فضلًا عن الاعتداءات الجسدية أثناء الاعتقال. كما شملت الانتهاكات تخريب المنازل وترويع الأطفال ومصادرة الأموال والمصاغ الذهبي، في سياق من الانتقام الجماعي الذي يتجاوز حدود الملاحقة الفردية ليطال الأسرة بأكملها.

وهنا نشير إلى قضية الأسيرة (م.م): التي أخطتفت كرهينة للضغط على والدها المعتقل في سجون الاحتلال الإسرائيلي، حيث تعرضت لعمليات تنكيل واعتداءات وإذلال خلال فترة اعتقالها والتحقيق معها، وبحسب إفاداتها، "عند اعتقالي صاروا في الجيب يخيروني ويقولوا لي: "وين بدك تروحي، على أاي سجن؟"، فقلت لهم "عسقلان". صاروا يضحكوا علي وقالوا: "يعني بدك تروحي عند والدك." "ومنذ أول يوم دخولي تحقيق عسقلان بدأ التحقيق معي. حققوا معي مدة 18 يوما بشكل متواصل، يوميا على عدة جولات، مدة كل جولة 3 أو 4 ساعات. تقريبا في اليوم كانوا ياخذوني على 3 جولات. في كل مرة كان يحقق معي محقق واحد ومعه مجندة واحدة، كان تحقيق عبارة عن اسئلة متواصلة. كانوا يخرجون ليستريحوا ساعتين او ثلاث ساعات، طوال فترة التحقيق التي استمرت 27 يوما، كنت لا أستطيع النوم."

وأضافت: "بعد 27 يوم نقلوني الى سجن الدامون. تم نقلي من قبل وحدة الناحشون، وكانوا يدفشوني كثيرا اثناء النقل. نقلوني في بوسطتين، وهي سيارة السجن، وتنقلت على أكثر من سجن لا أعرف أسماءها قبل أن أصل إلى سجن الدامون، لكني وصلت في نفس يوم النقل". وتابعت في إفادتها: "في اليوم الثامن عشر من التحقيق، حيث كنت على وشك الانتهاء منه، حضر محقق وقال لي: بدنا نسمحلك تشوفي والدك، بعدها اقتادوني الى غرفة تحقيق، وكان فيها والدي جالسا على كرسي تحقيق مثل كراسي المدارس، ومقيدا للخلف. دخلت عليه، وكان يبدو انه يعرف انني قادمة، وكان مهيئا لذلك، حيث كان ينظر باتجاه الباب. عندما دخلت رفعوا الغطاء عن عيني، وكنت مقيدة للأمام. صار والدي يبكي كثيرا عندما رأني، ركضت نحوه وحضنته وانا مقيدة، وصار يقبلني ويقول لي كلاما ليطمئنني. بعدها أجلسوني على كرسي عادي وأنا مقيدة للأمام، وكان واضحا عليه التعب الشديد. كان في الغرفة حوالي 12 محققا، من بينهم محققة واحدة فقط." هذه واحدة من عشرات الإفادات لنساء تعرضن للاعتقال كرهائن للضفط على أفراد من عائلاتهن. تصاعد استهداف النساء بتهمة "التحريض" يشكّل الاعتقال على خلفية ما يسمى بـ"التحريض" اليوم أحد أبرز أسباب اعتقال النساء الفلسطينيات، وقد ارتفعت نسبته بشكل واضح منذ اندلاع الحرب.

فمنذ تلك المرحلة، وسّعت سلطات الاحتلال تفسير مفهوم "التحريض" ليشمل منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي أو تعبيرات شخصية أو حتى إعادة نشر محتوى أو التفاعل معه. وقد أدى هذا التوسع إلى تحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة مفتوحة للملاحقة، حيث بات أي منشور قابلًا للتأويل وسببًا للاعتقال، بغض النظر عن سياقه أو مضمونه الفعلي. وتشير المعطيات الحقوقية إلى أن عددًا كبيرًا من الأسيرات اللواتي اعتُقلن بعد حرب الإبادة الجماعية وُجّهت إليهن تهم تتعلق بالتحريض على خلفية نشاط إلكتروني. وبهذا المعنى، لم يعد الاعتقال مرتبطًا فقط بأفعال ميدانية، بل امتد ليطال الكلمة والرأي والتعبير الشخصي، ما يضيّق هامش حرية التعبير ويضع النساء تحت رقابة مستمرة.

وقد شمل ذلك اعتقال صحفيات وناشطات وطالبات جامعيات، إضافة إلى زوجات وشقيقات أسرى وشهداء وحقوقيات وغيرهن. الاعتقال الإداري: سياسة ثابتة ومتصاعدة شهد الاعتقال الإداري تصاعدًا غير مسبوق منذ بدء جريمة الإبادة الجماعية، حيث بلغ عدد المعتقلين الإداريين مستويات تاريخية. وقد تحوّلت هذه السياسة إلى أداة تستخدم على نطاق واسع بحق مختلف فئات المجتمع الفلسطيني، بما في ذلك النساء.

ويقوم الاعتقال الإداري على احتجاز المعتقلة دون لائحة اتهام، استنادًا إلى ما يسمى "ملفًا سريًا"، مع إمكانية تجديد أمر الاعتقال لفترات متتالية، ما يبقي المرأة وعائلتها في حالة انتظار مفتوحة وغير محددة زمنياً، دون أدنى ضمانات لمحاكمة عادلة.

وبحسب المعطيات الحالية، توجد 17 أسيرة معتقلة إداريًا على الأقل، بينهن طفلة. وتخلّف هذه السياسة آثارًا نفسية وقانونية عميقة، إذ تبقى المعتقلة في حالة قانونية معلّقة دون أفق واضح، مع انعكاسات مباشرة على عائلاتها وأطفالها. واقع الأسيرات في سجن الدامون من التحقيق إلى سجن هشارون إلى سجن الدامون رحلة من التعذيب والتنكيل والإذلال تواجه الأسيرات في سجون الاحتلال واقعًا غير مسبوق من حيث مستوى القمع والتنكيل المرتبط بجريمة الإبادة الجماعية، تبدأ من التحقيق مروراً بسجن "هشارون" كمحطة مؤقتة، وصولاً إلى مكان احتجازهم الدائم في سجن "الدامون"، الذي يشكل اليوم واحداً من ميادين الإبادة الجماعية، بما يشهده من أساليب تعذيب، وسوء معاملة، وانتهاج أساليب حاطة بالكرامة الإنسانية، تتمثل (بالتعذيب بمختلف مستوياته، والتجويع، والحرمان من العلاج، والقمع والإذلال، والسلب بمختلف الأساليب المتاحة، والاعتداءات الجنسية أبرزها التحرش والتفتيش العاري). ويبلغ عدد الأسيرات اليوم 72 أسيرة، معظمهن محتجزات في سجن الدامون.

ومنذ بدء الإبادة الجماعية، شهد السجن اكتظاظًا كبيرًا نتيجة حملات الاعتقال الواسعة، حيث تجاوز عدد الأسيرات في بعض الفترات المئة، ما أدى إلى تدهور الظروف المعيشية داخل الغرف وزيادة الضغوط النفسية عليهن. وتواجه الأسيرات سياسة التجويع التي فرضتها إدارة السجون منذ بداية الإبادة، حيث يتم تقديم وجبات قليلة وغير كافية لتلبية الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية وغالبًا ما تكون باردة ورديئة النوعية، الأمر الذي أثر مباشرة على صحة الأسيرات وقدرتهن على التحمل، كما استخدمت حاجاتهن الأساسية كأداة لتنكيل والإذلال مثال على ذلك حرمانهن من توفير الفوط الصحية لهن بكميات كافية، واستخدامهن كوسيلة لإذلالهن.

كما وحُرمت الأسيرات من امتلاك ملابسهن الخاصة أو الأغطية الكافية، كذلك حرمن من الرعاية الطبية المناسبة. وتشير المعطيات إلى وجود ثلاث أسيرات تعانين من السرطان، إحداهما معتقلة على خلفية ما يسمى "التحريض"، وأخرى معتقلة إداريًا، وأخرى ما تزال موقوفة.

وتُعدّ العزلة المضاعفة التي فُرضت على الأسرى والأسيرات منذ بدء الإبادة من أبرز السياسات القهرية، إذ حُرموا من زيارات عائلاتهم ومن زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وباتت زيارات الطواقم القانونية المنفذ الوحيد لكسر حالة العزلة.

سجن "هشارون": محطة للإذلال قبل النقل إلى "الدامون"

يشكّل سجن "هشارون" محطة احتجاز مؤقتة قبل نقل الأسيرات إلى سجن "الدامون"، إلا أنّ الشهادات التي جمعتها المؤسسات تشير إلى أنه تحوّل إلى محطة لإرهاب الأسيرات وإذلالهن. وتفيد الشهادات بأن الأسيرات يُحتجزن في زنازين قذرة وغير صالحة للحياة الآدمية، حيث تُقدم لهن كميات ضئيلة من الطعام غير الصالح للأكل، وتُترك المعتقلات على فرشات رقيقة ومتسخة.

كما شكّلت سياسة التفتيش العاري إحدى أبرز الممارسات التي وثقتها شهادات الأسيرات، إذ تعرّض العديد منهن للضرب عند رفضهن هذا التفتيش المهين.

في إفادة للأسيرة (ح.ب): "تم نقلي إلى سجن هشارون. عند وصولي، استقبلتني مجندة، وأثناء صعودي درجاً طويلاً كانت تسبّني وتدفعني. اقتادتني إلى زنزانة انفرادية صغيرة وقذرة، لا يوجد فيها سوى فرشة على الأرض دون بطانية أو مخدة، وحمام صغير جداً. مكثت فيها أربعة أيام لوحدي دون أن يكلمني أحد، وكانوا يحضرون لي طعاماً بارداً وسيئاً، وخلال هذه الأيام الأربعة لم أتناول الطعام وكنت أقوم بكبه. كان الجو بارداً جداً، وطلبت بطانية فرفضوا إعطائي وقالوا لي إن ذلك ممنوع. وكان غطاء الفرشة من النايلون البارد."

هذه الإفادة تشكل واحدة من عشرات الإفادات الممالثة لما عاشته الأسيرات في سجن "هشارون". عمليات القمع بحق الأسيرات: تنكيل وإذلال وإرهاب منظم منذ أكثر من عامين، انتهجت إدارة السجون سياسات قمع واقتحامات وتفتيشات بوتيرة غير مسبوقة، أصبحت معها هذه الممارسات إحدى الأدوات المركزية للتنكيل بالأسرى والأسيرات.

وقد تعرّضت الأسيرات لعشرات عمليات الاقتحام التي غالبًا ما كانت تُنفّذ بمرافقة الكلاب البوليسية، في أجواء من الترهيب المتعمد. كما رافق هذه الاقتحامات الضرب والتفتيش العاري واستخدام القنابل الصوتية والغاز، إضافة إلى مصادرة ما تبقى لديهن من أدوات بسيطة. كما تعرّضت بعض الأسيرات للعزل بعد هذه العمليات، في إطار سياسات عقابية انتقامية.

وشملت الإجراءات أيضًا مصادرة الملابس المحدودة وحرمان الأسيرات من الخروج إلى ساحة السجن (الفورة)، وإجبارهن على الجلوس في أوضاع مهينة لفترات طويلة، في ظل التهديد والتصوير. تقول الأسيرة (د.ب): " كانت قوات القمع تقتحم الغرف وبمرافقة وحدة "اليماز" برفقة كلاب.

في إحدى القمعات دخل كلب إلى غرفتي، وكان يمسكه أحد الجنود، ولم يكن بيني وبينه سوى متر واحد، وكان ذلك مرعباً جداً، خاصة للأسيرات الأصغر سناً وصرن يرتجفن بشدة، كانت القمعات تتم بالشكل التالي، يقتحمون الغرف غرفة غرفة، يجبروننا على الانبطاح على البطن، يمشون من فوقنا، ويقيدون أيدينا للخلف، ثم يسحبوننا واحدة تلو الأخرى إلى الساحة، مع شد الأكتاف للخلف اثناء رفعنا عن الأرض ما يسبب ألماً شديدًا، وبعض الأسيرات تعرضن لكسور، في إحدى القمعات، كنت مقيدة ومنبطحة على الأرض، طلبوا مني الوقوف ولم أستطع، فقاموا بسحبي بعنف من كتفي من الخلف للأعلى، واستمر الألم لفترة طويلة، إحدى الأسيرات تم خلع كتفها أثناء سحبها بعنف وهي منبطحة على الأرض، وأسيرة أخرى سُحبت بطريقة همجية، وانكشف ظهرها وشعرها أمام السجانين، وتحركت ركبتها من مكانها، وعانت لأشهر من الألم ورفضوا نقلها للعيادة، فيما تعرضت أسيرة للضرب، حيث جرى ضربها على ظهرها وعلى بطنها.

بعد عملية سحب الأسيرات، كان يتم أخذ بعض الأسيرات إلى التفتيش العاري في الحمام، وبعضنا مباشرة إلى الساحة. كنا نُجبر على البقاء على الركب أو على البطن لمدة تتراوح بين نصف ساعة إلى ساعة في الساحة حتى انتهاء التفتيش، وأحيانًا يمشون فوقنا. وأي أسيرة تحاول تغيير وضعيتها كانت تُضرب، فأنا شخصياً تعرضت للضرب، إما بالشلوط أو باليد.

وضربني مدير السجن مرة واحدة عندما حاولت تخفيف الضغط عن جسدي، وقال لي: "إنتِ مش في بيتك". في إحدى القمعات بقينا قرابة ساعة على بطوننا، بينما كان السجانين والوحدات تمشي فوقنا وتقوم بتصوير مقاطع فيديو. وكانت الحجة "تفتيش الغرف".

الاعتداءات الجنسية واستخدام التفتيش العاري على نطاق واسع

تشير شهادات عديدة إلى أن الاعتداءات الجنسية شكّلت إحدى الجرائم البارزة التي تعرّضت لها النساء الفلسطينيات خلال الاعتقال، بما في ذلك التحرش والتفتيش العاري والتهديد بالاغتصاب. كما أعلنت الأمم المتحدة في بيان رسمي عن وجود تقارير موثوقة تشير إلى تعرّض معتقلات من غزة لاعتداءات جنسية وصلت إلى حد الاغتصاب. وقد وثّقت المؤسسات شهادات لأسيرات أُفرج عنهن وأخريات ما زلن في السجون، أكدن فيها تعرّضهن لممارسات مهينة، في مقدمتها التفتيش العاري الذي استُخدم على نطاق واسع.

تقول الأسيرة (ر.ر): عن تعرضها للتفتيش والتحرش "اقتادوني من الساحة الخارجية الى غرفة صغيرة. فتشتني المجندة تفتيشاً عارياً رفعت تحت إبطي ومسكت صدري وفقدته، وطلبت مني أن أقوم وأجلس مرتين وأنا وعارية، ثم أعطتني لباسي الداخلي ولباس بجامة سكنية للشاباص لأرتديها، وأعطتني الحجاب، وملابسي القتها في الزبالة. بعدها قيدتني في حديد للخلف وقيدت رجلي في حديد، لكن لم يضعوا الغمام.

عقب ذلك حضر جندي طويل جداً مسكني من يدي اليسار من الخلف وصار يمشي بي، وكان يضرب طوال الطريق بكوع يده على كتفي اليسار، حتى ورمت يدي وكانت الضربات قوية. لا اعرف عدد الضربات، لكن في اليوم التالي كانت يدي ورمة، وعندما رأوها في التحقيق خافوا من المنظر وطلبوا لي عيادة لكن لم يأخذوني."

وعن ظروف احتجازها في التحقيق قالت "وضعني الجندي في زنزانة كانت ضيقة جداً وصغيرة المساحة، تقريبا متر في متر، لم أستطع التمدد فيها بالكامل، وعندما كنت أنام، كان يكون رأسي عند مقعد الحمام. الحائط فيها خشن لونه سكني. الزنزانة كانت تحتوي على مقعد حمام ومغسلة وأرضية فقط دون فرشة أو غطاء او مخدة، مع ورق تواليت ومياه شرب من المغسلة فقط. أخذوا حجابي وتركوني في قطعة الرأس فقط، وكانت الزنزانة مليئة بالبق وصابني داخلها فطريات. بقيت فيها حتى صباح اليوم التالي.

وفي اليوم التالي، حوالي الساعة الثامنة صباحاً، اقتادني سجان إلى غرفة التحقيق." وأضافت فترة التحقيق، "كانوا يدخلون علي كثيرا في الزنزانة. كانت تدخل مجندتان مع سجانين اخرين خارج الزنزانة، وفجأة يفتشوني تفتيش عاري. كانوا يطلبون مني أخلع كل ملابسي كان التفتيش مهينا."

في إفادة للأسيرة (ل.ي): "عند وصولي إلى الدامون، قاموا بتجريدي من جميع ملابسي ورموها في سلة الزبالة، بما فيها جلبابي وجاكيتتي، وأعطوني بدلة "الشاباص" وقطعتين من الملابس الداخلية فقط. تم تفتيشي تفتيشاً عاري، ثم أنزلوني إلى القسم وأنا أرتدي بدلة الشاباص (بلوزة وبنطال). كان ذلك مؤذياً نفسياً بالنسبة لي."

في ضوء ما سبق، تبرز الحاجة الملحّة إلى تحرك دولي جاد يترجم الالتزامات القانونية إلى إجراءات عملية، وفي مقدمتها العمل على تطبيق الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية الذي اعتبر الاحتلال غير شرعي، وما يترتب على ذلك من التزامات بإنهائه وعدم الاعتراف بآثاره. كما يتطلب ذلك العمل على الإفراج عن جميع الأسيرات الفلسطينيات دون قيد أو شرط، في ظل واقع تحوّلت فيه السجون إلى منظومة من معسكرات التعذيب والتدمير الجماعي، لتصبح إحدى ساحات جريمة الإبادة المستمرة.

الحدث المصدر: الحدث
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا