آخر الأخبار

أزمة الإجلاء الطبي في غزة: آلاف الجرحى ينتظرون فتح معبر رفح

شارك

تحت شمس شاحبة وفي ساحة غزاها الركام أمام بوابات الجانب الفلسطيني من معبر رفح، تصطف سيارات الإسعاف البيضاء كجسور أمل أخيرة تحاول الربط بين وجع غزة وفرص الشفاء في الخارج. الغبار العالق في الهواء لا يحجب تفاصيل الدمار المحيط، حيث تطل المباني المثقوبة بالقذائف كشهود صامتة على رحلة هروب قسرية من الألم المستمر.

خلف السياج الحديدي لمستشفى الهلال الأحمر الفلسطيني، يراقب أطفال لم يبلغوا الحلم بعد مواكب الجرحى المغادرين بذهول، معتبرين هذه الحافلات 'قوارب نجاة' تحمل أحباءهم إلى المجهول. بالنسبة لهؤلاء الصغار، يمثل المعبر فاصلاً جغرافياً ونفسياً قاسياً، حيث يودعون مرضى قد لا تسعفهم الظروف للعودة قريباً إلى ديارهم.

في جوف إحدى سيارات الإسعاف، كان الشاب محمود العبد مسجى على سرير ضيق، تحيط به أنابيب الأكسجين كخيوط حياة واهنة بينما يمسح مسعف عرق الوجع عن جبينه. كل حركة في هذا المكان محسوبة بدقة، وكل نظرة من ذوي الجرحى تحمل سؤالاً صامتاً حول احتمالات النجاة والعودة في ظل ظروف صحية معقدة.

الحاجة خديجة، والدة محمود، لخصت حكاية عامين من المعاناة، موضحة أن ابنها أصيب بتهتك شديد في الكتلة العظمية للساق إثر استهداف صاروخي لمكان عمله في منطقة البريج. تروي الأم بمرارة كيف استقرت شظايا أخرى في صدره ومعدته، مما جعل علاجه داخل القطاع أمراً مستحيلاً بشهادة الأطباء المتخصصين.

تضيف الأم والدموع تملأ عينيها أن الفراق شاق على النفس، لكن الرغبة في رؤية ابنها يمشي مجدداً تغلبت على وجع الوداع. لقد خضع محمود لعمليات عديدة في مستشفيات غزة، إلا أن الحاجة لجراحات ترميمية متقدمة جعلت من السفر للخارج الخيار الوحيد المتبقي لإنقاذ ساقه من البتر.

وكان معبر رفح قد شهد فتحاً جزئياً أمام الحالات الإنسانية قبل أن يعاد إغلاقه في الثاني من فبراير الماضي لدواعٍ أمنية فرضتها سلطات الاحتلال. هذه الآلية كانت تسمح بمرور نحو 60 مريضاً يومياً، لكن الإغلاق المفاجئ أعاد آلاف الأسماء إلى قوائم الانتظار الطويلة والقاسية، مما فاقم من تدهور الحالات الحرجة.

محمود العبد كان من القلائل الذين حالفهم الحظ بالعبور قبل الإغلاق الأخير بأيام، حيث أكد لمصادر صحفية إصراره على التماسك أمام والدته رغم آلامه الشديدة. استذكر لحظة إصابته بصاروخ أثناء تركيب أنظمة طاقة شمسية، واصفاً شعوره بحرارة تشتعل في جسده قبل أن يفقد الإحساس بأطرافه تماماً.

أعرف أن أمي تتألم أكثر مني، لكنني مضطر للسفر؛ أريد فقط أن أعود واقفا على قدمي من جديد.

خلف قصة محمود، تبرز مأساة آلاف الجرحى الآخرين مثل محمد عياد، الذي أصيب في حي الشجاعية ويعاني من تهتك في عظم الفخذ. محمد لا يزال ينتظر اسمه في كشوفات السفر منذ شهور، مشيراً إلى أن الألم يزداد يومياً بينما يرى حلم العلاج قريباً خلف الحدود لكنه لا يستطيع الوصول إليه.

وفي مخيم النصيرات، يواجه الشاب عبد الرحمن أبو عودة خطر فقدان القدرة على الحركة بسبب إصابة دقيقة في أعصاب العمود الفقري. الأطباء أكدوا حاجته لعملية جراحية عاجلة لا تتوفر إمكانياتها في غزة، مما يجعل كل يوم تأخير بمثابة خطوة إضافية نحو العجز الدائم.

من جانبه، أوضح الدكتور سامر حمدان من مستشفى الشفاء أن حالة محمود العبد تمثل نموذجاً للإصابات المعقدة التي تتطلب تدخلاً تخصصياً في مراكز ترميم العظام الدولية. وحذر حمدان من أن النقص الحاد في المعدات والكوادر داخل غزة يجعل من المستحيل التعامل مع حالات التهتك العظمي الشديد والمضاعفات العصبية المرتبطة بها.

وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى أن أكثر من 18 ألف مريض وجريح في غزة بحاجة ماسة للإجلاء الطبي. التقديرات الأممية تؤكد أن وتيرة الإجلاء الحالية بطيئة جداً ولا تتناسب مع حجم الكارثة الصحية، مما يضع آلاف الأرواح في دائرة الخطر المباشر.

بدوره، اعتبر أمجد الشوا، مدير شبكة المنظمات الأهلية أن منع الجرحى من السفر يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني الذي يكفل الحق في العلاج. وأكد الشوا أن القيود المفروضة على حركة الأفراد والمعدات الطبية أدت إلى انهيار شبه كامل في المنظومة الصحية، مما يستوجب فتح ممرات طبية آمنة ومستدامة فوراً.

إن واقع 'التغريبة الطبية' في غزة يحول الحدود إلى امتحان قاسٍ للصبر والأمل، حيث يغدو الشفاء حلماً معلقاً بين ركام الحرب وقضبان الانتظار. كل سيارة إسعاف تغادر تترك خلفها مئات العائلات التي ترفع أيديها بالدعاء، بانتظار لحظة تفتح فيها البوابات مجدداً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أجساد أنهكتها الحرب.

وبينما تبتعد سيارة محمود نحو الجانب الآخر من المتظل الحاجة خديجة واقفة في مكانها تراقب الأثر الغباري للمركبة بعينين دامعتين. هي واحدة من آلاف الأمهات اللواتي يواجهن قدر الانتظار اليومي، في ظل واقع صحي مرير يجعل من السفر للعلاج رحلة محفوفة بالمخاطر والدموع.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا