بعد مرور أسبوع على انطلاق العدوان الأمريكي الإسرائيلي الواسع ضد إيران، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نفسه أمام جملة من التعقيدات العسكرية والسياسية. ورغم الضربات العنيفة التي طالت العمق الإيراني وأدت لاغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، إلا أن القدرة على تحويل هذه النتائج إلى استقرار جيوسياسي لا تزال محل شك كبير.
تشير تقارير ميدانية إلى أن المواجهة الجوية الأولى من نوعها وقعت بين مقاتلات F-35 الأمريكية وطائرات ياك-130 الإيرانية، في تصعيد غير مسبوق بالأجواء الإيرانية. وقد أعلن الجيش الإسرائيلي في الرابع من مارس الجاري عن إسقاط أول مقاتلة إيرانية مأهولة، وهو ما يعكس حدة الاشتباكات المباشرة التي لم تشهدها المنطقة منذ عقود.
وترى لورا بلومنفلد، الباحثة في جامعة جونز هوبكنز أن الحملة العسكرية الحالية تتسم بـ 'الفوضوية' وقد تمتد لفترة زمنية أطول بكثير مما خططت له الإدارة الأمريكية. وحذرت بلومنفلد من أن ترمب لا يخاطر فقط بالاستقرار الإقليمي، بل يضع الاقتصاد العالمي برمته على حافة الهاوية نتيجة التوترات في ممرات الطاقة الدولية.
داخلياً، يواجه ترمب انقساماً في قاعدة 'ماغا' الشعبية، حيث يخشى مؤيدوه من تكرار سيناريوهات العراق وأفغانستان التي وعد الرئيس سابقاً بتجنبها. ويشير المحلل الإستراتيجي برايان دارلينغ إلى أن الشعب الأمريكي بات غير راغب في الانخراط في حروب استنزاف طويلة الأمد قد تستنزف الموارد والأنفس.
تتزايد المخاوف الاقتصادية مع تهديد طهران بإغلاق مضيق هرمز، وهو الشريان الحيوي الذي يتدفق عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية. وقد أدى توقف حركة الناقلات بالفعل إلى قفزة ملحوظة في أسعار الوقود، مما يمثل نقطة ضعف استراتيجية لم تكن إدارة ترمب قد استعدت لها بشكل كامل قبل بدء الهجوم.
على الصعيد الميداني، سجلت القوات الأمريكية مقتل ستة جنود حتى الآن، وهو رقم مرشح للارتفاع مع استمرار الردود الإيرانية التي استهدفت مواقع حليفة في المنطقة. ويحذر خبراء أمنيون من أن ارتفاع حصيلة الضحايا الأمريكيين سيخلق ضغطاً سياسياً هائلاً قد يجبر البيت الأبيض على مراجعة استراتيجيته العسكرية بشكل مفاجئ.
وفي لبنان، أدى استئناف مقاتلي حزب الله للعمليات القتالية ضد إسرائيل إلى فتح جبهة استنزاف جديدة تزيد من تشتيت الجهود العسكرية الأمريكية والإسرائيلية. هذا التصعيد الإقليمي المتسارع يقلص فرص حصر الصراع داخل الحدود الإيرانية، ويدفع المنطقة نحو حرب شاملة يصعب التنبؤ بنهايتها.
تتسم تصريحات ترمب بالاضطراب بشأن الأهداف النهائية للحرب، حيث تراوحت بين السعي لتغيير النظام في طهران وبين المطالبة بالاستسلام غير المشروط. هذا التذبذب في الخطاب السياسي يثير قلق الحلفاء الغربيين الذين وصف بعضهم قرار الهجوم بأنه 'قرار فردي' لم يراعِ التبعات الدبلوماسية طويلة المدى.
أفادت مصادر مطلعة بأن فريق ترمب الاقتصادي فوجئ بحجم التأثيرات السلبية على الأسواق العالمية، حيث لم تتم استشارة خبراء الطاقة بشكل كافٍ قبل اتخاذ قرار التصعيد. ويشير جوش ليبسكي من 'أتلانتيك كاونسل' إلى أن هذه الفجوة في التخطيط تمثل ثغرة أمنية واقتصادية كبرى في الاستراتيجية الأمريكية الحالية.
من جانبه، يرى جوناثان بانيكوف، المسؤول السابق في الاستخبارات الوطنية أن إيران تراهن بشكل أساسي على رفع الكلفة البشرية والمادية لإجبار واشنطن على التراجع. وأكد أن التاريخ يثبت أن الخسائر في صفوف الجنود هي المحرك الأسرع لتغيير التوجهات السياسية العامة في الولايات المتحدة تجاه الحروب الخارجية.
ورغم هذه التحديات، تصر المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، على أن النظام الإيراني يعاني من 'هزيمة ساحقة' تحت وطأة الضربات المستمرة. ومع ذلك، لم تقدم الإدارة إجابات واضحة حول كيفية التعامل مع التهديدات الأمنية الداخلية التي ألمح ترمب نفسه إلى إمكانية وقوعها داخل الأراضي الأمريكية.
الجنرال المتقاعد بن هودغز انتقد الجانب الاستراتيجي للعملية، مؤكداً أن النجاح التكتيكي في تدمير الأهداف العسكرية لا يعني بالضرورة نجاحاً سياسياً. وأوضح هودغز أن الحرب لم تُدرس بعناية من النواحي الدبلوماسية، مما قد يترك الولايات المتحدة في حالة تخبط عقب انتهاء العمليات القتالية الرئيسية.
تظل مدة الصراع هي السؤال الأبرز الذي يواجه البيت الأبيض، حيث صرح ترمب بأن العمليات قد تستغرق خمسة أسابيع، لكنه ترك الباب مفتوحاً للاستمرار 'لما يتطلبه الأمر'. هذا الغموض يزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق المالية العالمية ويثير مخاوف من تورط أمريكي جديد في رمال الشرق الأوسط المتحركة.
يمثل العدوان الحالي اختباراً مصيرياً لمستقبل السياسة الخارجية لترمب ولفرص الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي المقبلة. فبين طموحات تحقيق 'نصر تاريخي' وواقع التحديات الميدانية والاقتصادية، تبدو واشنطن أمام مسار معقد قد يعيد صياغة نفوذها في المنطقة بشكل جذري.
المصدر:
القدس