تقف القارة الأوروبية اليوم أمام مشهد جيوسياسي هو الأكثر تعقيدا منذ عقود، حيث تتصاعد المخاوف من أن تتحول الإستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية الرامية لإسقاط النظام في طهران إلى "انتصار باهظ الثمن" ينتهي بتحويل إيران إلى دولة فاشلة وممزقة.
هذا السيناريو لا يهدد فقط بإنهاء حقبة سياسية في الشرق الأوسط، بل ينذر بموجة نزوح هائلة تجاه أوروبا قد تعجز كافة التدابير الحدودية عن احتوائها، فضلا عن تحويل الجغرافيا الإيرانية الشاسعة إلى ملاذات آمنة للتنظيمات "المتطرفة" التي تتربص بالأمن الغربي، حسبما تحذر تقارير صحفية.
في تقرير نشرته صحيفة تايمز البريطانية، نقل مراسلها في بروكسل، برونو ووترفيلد، عن تقرير مفصل أصدرته وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء حذّرت فيه من أن الصراع في إيران قد يؤدي إلى تدفقات بشرية "بأعداد غير مسبوقة" نحو أوروبا.
وذهبت الوكالة في تقديراتها إلى أن نزوح 10% فقط من سكان إيران الذين يبلغ تعدادهم نحو 90 مليون نسمة "سيوازي أكبر موجات اللجوء التي شهدها العالم في العقود الأخيرة".
وفي نظر الصحيفة فإن موجة نزوح بهذا الحجم تضع الحدود الأوروبية تحت ضغط هائل يفوق قدرتها الاستيعابية المنهكة أصلا. ويشير ووترفيلد إلى أن القلق الأوروبي يتضاعف لكون خفض الهجرة غير النظامية يمثل أولوية سياسية قصوى حاليا.
وأوضحت الوكالة أن طلبات اللجوء في منطقة شنغن -التي تشمل دول الاتحاد الأوروبي إضافة إلى سويسرا والنرويج- تراجعت العام الماضي بنسبة 19% لتصل إلى نحو 822 ألف طلب، وهو أدنى مستوى منذ عام 2019.
ومع ذلك، لفتت الوكالة إلى أن تراجع طلبات اللجوء بنسبة 19% العام الماضي في منطقة "شنغن" يجب أن يُفسر بحذر شديد نظرا لأن البيئة الدولية أصبحت متقلبة للغاية، وهو ما يجعل أي اضطراب في إيران بمثابة صدمة قد تعيد الأرقام إلى مستويات قياسية تفوق أزمة عام 2015.
لا تقتصر تداعيات هذا الانهيار المحتمل على دول الاتحاد الأوروبي، بل تمتد لتطال المملكة المتحدة بشكل مباشر وحاد.
فبحسب ما صرح به دبلوماسي أوروبي لصحيفة تايمز، فإن واحدا تقريبا من كل ثلاثة مهاجرين غير نظاميين يدخلون أوروبا يتجهون في نهاية المطاف إلى بريطانيا، مما يجعل الأزمة بريطانيّة بامتياز بقدر ما هي أوروبية.
كما أن إيران نفسها تستضيف بالفعل نحو 2.5 مليون لاجئ، معظمهم من الأفغان، ما يجعلها ثاني أكبر دولة مضيفة للاجئين في العالم.
وترى الوكالة الأوروبية، في تقريرها، أن إيران كانت تواجه قبل الضربات العسكرية الإسرائيلية الأمريكية "مزيجا من الاضطرابات الداخلية المرتبطة بالانهيار الاقتصادي والقمع السياسي، إضافة إلى توترات دولية متصاعدة"، وهو ما يجعلها عرضة لعدم الاستقرار في حال تصاعد الصراع.
وفي سياق متصل، دعت المنظمة الدولية للهجرة إلى خفض التصعيد العسكري في المنطقة، مشيرة إلى أن "أكثر من 19 مليون شخص يعيشون بالفعل في حالة نزوح داخلي بسبب النزاعات والعنف والكوارث"، محذرة من أن "أي تصعيد عسكري سيدفع مزيدا من العائلات إلى مغادرة منازلها".
من جهة أخرى، كشف تقرير تحليلي نشرته صحيفة آي بيبر البريطانية للكاتب المتخصص في الشؤون الدولية، كيرون مونكس، عن أبعاد خطيرة للإستراتيجية العسكرية المتبعة.
ونقل عن يعقوب عميدرور، الجنرال الإسرائيلي السابق والمحلل الحالي بالمعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي في واشنطن، أن الهجمات الإسرائيلية تعمّدت استهداف مراكز الاستقرار الداخلي مثل قوات الحدود ومراكز الشرطة، وذلك بهدف إضعاف قبضة النظام تدريجيا وتهيئة الظروف للمعارضة للتحرك.
وأقر عميدرور بأن إسرائيل قد تلجأ لإستراتيجية "جز العشب" عبر ضربات مستمرة لمنع ظهور أي تهديدات جديدة في حال سقطت الدولة الإيرانية في أتون الفوضى، مشبِّها الوضع المحتمل بما يحدث في سوريا ولبنان.
وذهب -بحسب آي بيبر- إلى حد القول إن أي وضع، مهما كان فوضويا، يظل في نظر صانع القرار الإسرائيلي أفضل من بقاء النظام الحالي، حتى وإن أدى ذلك لظروف "سيئة للغاية للإيرانيين".
وفي الاتجاه ذاته، مضى الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، عاموس يادلين، إذ قال للصحيفة إن الهدف هو خلق ظروف تسمح للشعب الإيراني باستبدال النظام.
وزعم أن إسرائيل لن تخشى الفوضى بقدر خشيتها من بقاء التهديد الإيراني الحالي، وهو ما يعكس إستراتيجية تركز على النتائج الأمنية الفورية بغض النظر عن الكلفة الإنسانية أو الاستقرار الإقليمي طويل الأمد.
ومع ذلك، يحذر الخبراء من أن هذه الفوضى المنشودة قد ترتد وبالا على الأمن القومي الغربي، حيث نبه ميك مولروي، المسؤول السابق في البنتاغون، في تصريحاته لصحيفة آي بيبر، إلى غياب خطة واضحة لاستقرار البلاد فور انهيار النظام.
وحذّر من أن ترك فراغ سيؤدي حتما إلى نشوء "مساحات غير محكومة" ستستغلها "الجماعات الإرهابية" كما حدث في التجربة السورية المريرة.
ووفق الصحفي مونكس في تقريره، فإن خبير مكافحة الإرهاب أنطون مارداسوف يؤيد هذا الطرح، فقد كشف للصحيفة ذاتها أن تنظيمات -مثل القاعدة والدولة الإسلامية وجماعة " جيش العدل" البلوشية، وهي جماعة سنية معارضة في محافظة سيستان وبلوشستان جنوب شرقي إيراني- بدأت بالفعل تنشط في الداخل الإيراني.
وترى الصحيفة أن نشاط تلك التنظيمات يفتح الباب أمام تحول إيران إلى قاعدة انطلاق جديدة للعمليات الإرهابية التي قد تستهدف العواصم الأوروبية.
كما أشار مارداسوف إلى أن النظام الإيراني في لحظات احتضاره قد يلجأ لتوجيه هجمات إرهابية ضد الغرب عبر جماعات واجهة، مما يجعل مرحلة الانهيار ذاتها محفوفة بالمخاطر الأمنية المباشرة.
وعلى الصعيد الداخلي الإيراني، صرح نايسان رفاتي، محلل شؤون إيران في مجموعة الأزمات الدولية، لصحيفة آي بيبر، بأن الحملة العسكرية الإسرائيلية الأمريكية لا تكتفي بضرب القدرات النووية، بل تهاجم تماسك الدولة البنيوي.
وشدد على أن التدخلات الخارجية التي تهدف لتسليح القوى الكردية قد تؤدي إلى صراعات عرقية داخلية وتفتيت للبلاد، وهو ما سيُصعّب من أي عملية انتقال سياسي مستقبلي.
وبدوره، أوضح فرزان ثابت، المتخصص في السياسة الإيرانية بمعهد جنيف، أن القوات الكردية المدعومة خارجيا قد تنجح في السيطرة على مناطق طرفية لكنها تفتقر للشرعية الوطنية للسيطرة على المركز، مما يُكرّس سيناريو "التفتيت الجغرافي".
وفي المحصلة، تخلص الدكتورة مادلين سومبشن من مرصد الهجرة بجامعة أكسفورد في تصريحها لصحيفة آي بيبر، إلى أن عدم الاستقرار والنزاعات التي تنشأ عن صراع الجماعات المتناحرة على السلطة تجعل حركة اللاجئين غير قابلة للتنبؤ.
المصدر:
الجزيرة