آخر الأخبار

إيران من الداخل: صراع الإمبراطورية والجغرافيا والمشروع النوو

شارك

تبرز الحاجة الملحة لفهم بنية الدولة الإيرانية وخلفيات مشروعها السياسي في ظل التحولات الكبرى التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط. ولا يقتصر فهم طهران على تحليل السياسات الراهنة، بل يتطلب غوصاً في الجذور التاريخية والثقافية والجيوسياسية التي شكلت شخصيتها السياسية عبر القرون، وهو ما يحاول كتاب 'إيران من الداخل' تفكيكه عبر مقاربة فكرية شاملة.

تستند الرؤية الإيرانية المعاصرة إلى ضرورة امتلاك القوة النووية لفرض واقع جديد في المنطقة، يجبر القوى الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة على الاعتراف بها كقوة إقليمية شريكة في النفوذ. وترى القيادة في طهران أن امتلاك السلاح النووي هو الضمانة الوحيدة لمنع الغزو العسكري، مستشهدة بالنموذج الكوري الشمالي الذي صمد أمام الضغوط الأمريكية بخلاف النموذج العراقي.

دخلت المنطقة مرحلة 'ساعة الحقيقة' مع اندلاع مواجهة مباشرة وشاملة بين إيران والاحتلال الإسرائيلي المدعوم أمريكياً في فبراير 2026. هذه الحرب التي وصفت بأنها إقليمية ذات أبعاد دولية، جاءت بعد سلسلة من العمليات التي استهدفت إضعاف حلفاء طهران في المنطقة وتفكيك ما يعرف بمحور المقاومة الذي يمتد من لبنان إلى اليمن.

شكل اغتيال المرشد علي خامنئي ذروة التصعيد العسكري، في محاولة من واشنطن وتل أبيب لفرض تغيير جذري في السياسة الإيرانية. وقد شبهت مصادر هذه الخطوة بالإنزال العسكري الأمريكي الذي استهدف فنزويلا واعتقال رئيسها، ظناً من القوى المهاجمة أن تصفية رأس النظام ستقود حتماً إلى التخلي عن البرنامج النووي والصواريخ الباليستية.

تعتبر الجغرافيا السياسية أحد أهم محددات السلوك الإيراني، حيث تقع البلاد في مركز عالمي يربط بين المحيط الأطلسي والمحيط الهندي. وتمتلك إيران سواحل بحرية تمتد لأكثر من 2500 كيلومتر، مما يمنحها قدرة فائقة على التحكم في إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، وبناء قواعد بحرية استراتيجية مثل بندر عباس وجاه بهار.

يرى الباحثون أن الشخصية الإيرانية تعيش حالة من الصراع بين 'الوهم الإمبراطوري' والواقع السياسي المعاصر، حيث يبرز الاعتزاز بالعصر الساساني الذهبي كعنصر محرك للهوية. هذا البعد التاريخي يولد أحياناً توترات مع المحيط العربي، ناتجة عن تراكمات ثقافية قديمة تعود إلى معركة القادسية وما تلاها من تحولات دينية واجتماعية.

لعبت الثروة النفطية دوراً محورياً في تعزيز مكانة إيران الدولية منذ اكتشاف النفط عام 1908، حيث تمتلك البلاد احتياطيات ضخمة تجعلها لاعباً أساسياً في سوق الطاقة. ويضاف إلى ذلك وقوعها بين منطقتين غنيتين بالخام هما الخليج العربي وبحر قزوين، مما يعزز من قيمتها في نظريات 'قلب الأرض' الاستراتيجية.

إيران أمة قديمة تقع في قلب منطقة حيوية استراتيجياً، وتمتلك مقومات القوة الإقليمية عبر كتلة بشرية ضخمة وامتداد حضاري عميق يؤثر بشكل متواصل على دول الجوار.

تتسم الشخصية الإيرانية بالتعقيد والغموض، حيث تداخلت فيها المفاهيم الدينية بالمصالح القومية الفارسية عبر العصور. وقد استغل رجال الدين هذه العاطفة الدينية الجياشة لترسيخ مفاهيم سياسية مثل 'ولاية الفقيه'، التي منحت النظام صبغة إلهية تربط بين السلطة السياسية والانتظار المهدوي، مما أوجد حالة من التعبئة المستمرة.

يشير الكتاب إلى أن النزعة القومية الفارسية غالباً ما تطغى على البعد المذهبي في لحظات الحسم السياسي، وهو ما يفسر بعض التصريحات الرسمية التي تعتبر عواصم عربية امتداداً للإمبراطورية التاريخية. هذا التوجه أثار مخاوف واسعة في الأوساط العربية، خاصة مع تزايد النفوذ الإيراني في بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.

واجهت إيران في الآونة الأخيرة تحديات وجودية بعد تضرر شبكة فروعها العسكرية في المنطقة، مما دفعها لتسريع وتيرة برنامجها النووي لتعويض فقدان الردع التقليدي. وترى تقارير استخباراتية أن طهران وصلت إلى مراحل متقدمة جداً في إنتاج الصواريخ الباليستية، مما جعلها هدفاً مباشراً لعمليات عسكرية تهدف لإسقاط النظام بالكامل.

تنوع الأقاليم المناخية في إيران، الممتدة على مساحات شاسعة، أدى إلى تباين في توزيع السكان والنشاط الاقتصادي بين الشمال المعتدل والداخل الجاف. هذا التنوع الجغرافي يمنح الدولة عمقاً استراتيجياً في مواجهة التهديدات الخارجية، لكنه يفرض أيضاً تحديات في إدارة القوميات المختلفة مثل الأكراد والبلوش والعرب في الأحواز.

تظل ثقافة 'المظلومية التاريخية' محركاً أساسياً في الوجدان الإيراني، حيث يتم استحضار الصراعات القديمة لتبرير السياسات الراهنة. ويؤكد المحللون أن هذا الاستحضار الدائم للتاريخ يهدف إلى شحن القاعدة الشعبية وتبرير التدخلات الإقليمية تحت شعارات حماية المراقد أو نصرة المستضعفين، بينما تظل الأهداف الجيوسياسية هي المحرك الفعلي.

إن الصدام الراهن مع القوى الإمبريالية، كما يصفه الكتاب، يضع إيران أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما الصمود وفرض معادلة 'القوة النووية' كأمر واقع، أو الانكسار أمام محاولات إعادة تشكيل توازن القوى في الشرق الأوسط. وتلعب التكنولوجيا العسكرية والاستخباراتية دوراً حاسماً في تحديد مسار هذه المواجهة التي تجاوزت حدود الحروب بالوكالة.

في الختام، يظل السؤال قائماً حول قدرة النظام الإيراني على الموازنة بين طموحاته الإمبراطورية ومتطلبات الدولة الحديثة في ظل حصار دولي خانق. إن فهم 'إيران من الداخل' يتطلب إدراك أننا أمام مشروع لا يتحرك بالصدفة، بل وفق رؤى استراتيجية طويلة الأمد تسعى لاستعادة مجد غابر في عالم متغير لا يعترف إلا بالقوة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا