أعادت المجازر الدامية التي ارتكبتها قوات الاحتلال فجر اليوم السبت في مناطق البقاع والجنوب اللبناني، تسليط الضوء على نهج عسكري إسرائيلي ثابت يعتمد إبادة المدنيين لتأمين تحركات القوات الخاصة. وتتشابه هذه الاعتداءات مع سلسلة طويلة من الجرائم التي نُفذت في قطاع غزة على مدار عامين، حيث يتم استخدام القوة المفرطة والذخائر الثقيلة دون اعتبار للتكتلات السكانية.
في بلدة جبشيت الجنوبية، ارتكب جيش الاحتلال مجزرة مروعة إثر قصف استهدف منطقة مكتظة بالسكان، وذلك في إطار عملية فاشلة للبحث عن رفات الطيار الإسرائيلي المفقود رون أراد. وأسفرت الغارات الجوية عن استشهاد ستة لبنانيين، من بينهم أربعة أفراد من عائلة واحدة، بعد تدمير منزلهم بشكل كامل فوق رؤوسهم.
ولم تكن بلدة النبي شيت في قضاء بعلبك بمنأى عن هذا العدوان، حيث نفذت طائرات الاحتلال سلسلة غارات عنيفة أدت إلى وقوع كارثة إنسانية. ووفقاً لتقديرات أولية، استشهد 26 مواطناً وأصيب أكثر من 35 آخرين بجروح متفاوتة، في حصيلة مرشحة للارتفاع مع استمرار عمليات الإنقاذ.
هذا السلوك الإجرامي يجد جذوره في قطاع غزة، وتحديداً في مجزرة مخيم النصيرات التي وقعت في الثامن من حزيران 2024، حين قتلت قوات الاحتلال نحو 274 فلسطينياً. وجاءت تلك المجزرة خلال عملية خاصة لتحرير أسرى، حيث صب الجيش حمماً من النيران الجوية والمدفعية لتغطية انسحاب قواته من محيط سوق شعبي مزدحم.
وفي مدينة رفح، تكرر المشهد ذاته في الثاني عشر من شباط 2024، حين استشهد 100 فلسطيني في غضون دقائق قليلة تحت ذريعة تحرير أسيرين. واستخدمت قوات الاحتلال سياسة 'الحزام الناري' لتأمين خروج وحداتها الخاصة، مما حول المناطق السكنية إلى ركام وتسبب في وقوع إصابات بليغة بين النازحين.
أما في خانيونس، فقد شهدت المدينة في التاسع عشر من أيار 2025 عملية أمنية نفذتها وحدات 'المستعربين' انتهت باغتيال القيادي أحمد كامل سرحان. ورغم تحقيق هدف الاغتيال، إلا أن العملية وُصفت بالفاشلة استراتيجياً نظراً لحجم الخسائر والارتباك الذي صاحب انسحاب القوة تحت غطاء جوي كثيف.
وشنت طائرات الاحتلال خلال تلك العملية أكثر من 40 غارة جوية في غضون 40 دقيقة فقط، مما أدى إلى سقوط عشرات الشهداء والجرحى من المدنيين العزل. ويعكس هذا التكثيف الناري حالة الذعر التي تصيب قوات الاحتلال عند انكشاف عملياتها الخاصة في المناطق المأهولة بالسكان.
وقد أقر مراسل إذاعة جيش الاحتلال في تعليقه على أحداث خانيونس بأن العملية تعثرت ولم تحقق غاياتها الحقيقية التي تبرر المخاطرة بالقوات البرية. وأشار في تقريره إلى أن تعريض الوحدات الخاصة للخطر من أجل أهداف يمكن ضربها جواً يعكس تخبطاً في القيادة العسكرية.
وتشترك جميع هذه المجازر في تعمد الاحتلال استخدام القصف العشوائي كأداة دفاعية لتأمين انسحاب جنوده، دون أدنى اكتراث لحياة المدنيين المحاصرين. وتكشف هذه الوقائع أن البحث عن جثة أو رفات جندي يبرر في العقيدة العسكرية الإسرائيلية إبادة أحياء سكنية كاملة بمن فيها.
إن استمرار هذه السياسة في لبنان وغزة يؤكد أن الاحتلال يتبع استراتيجية موحدة تعتمد على 'فائض القوة' لتعويض الفشل الاستخباراتي أو الميداني. وتظل حصيلة الضحايا المدنيين هي الثمن الأكبر الذي يدفعه الأبرياء نتيجة هذه العمليات التي تضرب بعرض الحائط كافة القوانين والأعراف الدولية.
المصدر:
القدس