آخر الأخبار

العدالة خارج لحظة الاتهام: تحليل لحدث الطوفان وسياق الحصار

شارك

تبدأ الحكايات غالباً من اللحظة التي يختارها الطرف الأقوى، حيث يسعى المتسلط للسيطرة على توقيت الرواية وعزل الفعل عن سياقه التاريخي. يتم تصوير الأفعال الارتدادية كجرائم معزولة يُطلب من العالم الحكم عليها في فراغ، تماماً كما أُريد لـ 'وكزة موسى' أن تُقرأ كجناية منفصلة بعيداً عن قرون من اضطهاد بني إسرائيل.

إن أولى أدوات الظلم تتمثل في محاولة 'تأميم التاريخ'، عبر التركيز على صخب الصرخة وتجاهل السكين الذي تسبب في النزف الأصلي. يسعى هذا المنطق إلى دفع العالم لنسيان 'فعل الحصار' الممنهج، والانشغال الكلي بـ 'رد فعل المحاصر' الذي انفجر في وجه الجلاد بعد عقود من التضييق.

ثمة فارق جوهري بين عفوية الفعل الفردي وتنظيم الفعل الجماعي، لكن الجوهر يظل واحداً في ديناميكية استنفار النفس ضد القهر. فإذا كانت وكزة موسى عفوية، فإن 'وكزة المجموع' في غزة لا يمكن إلا أن تكون منظمة كنتيجة حتمية لسياسات هندسة الحصار التي استهدفت الوجود الفلسطيني.

لا يحاكم الطغاة 'القصد' من وراء الفعل بقدر ما يحاكمون 'التجرؤ' على كسر حاجز الخوف، وهو ما يفسر ملاحقة فرعون لموسى رغم كون القتل خطأ. الهدف الأساسي هو حماية جدار الهيبة الزائفة من أي خدش قد يتسبب به المستضعفون الذين قرروا التمرد على واقعهم المفروض.

إن فهم البنية المركبة للمواجهة يتطلب تحديد محور الصراع المركزي بين المستضعف والمتسلط، دون الغرق في التفاصيل الجيوسياسية الثانوية. التحليل الذي يتغافل عن هذه الثنائية الأخلاقية يظل تائهاً وفاقداً لبوصلة الحق، حيث تتحول الضغوط الجانبية إلى مجرد أعراض لمرض الطغيان الأصلي.

تشير تقارير دولية صادرة عن الأمم المتحدة إلى أن قطاع غزة تحول إلى 'سجن مفتوح' بفعل الحصار الطويل. كما أكدت تقارير 'الأونكتاد' أن التدمير المنهجي للهياكل الأساسية جعل المكان غير قابل للحياة، وهو ما يعكس رغبة القوي في التحكم بالحق في الوجود ذاته.

يعكس هذا الإفساد المنهجي منطقاً يحاول قتل الأمل قبل قتل الأجساد، عبر سياسة إبادة معاصرة تشبه ما وثقه التاريخ القديم. إن تحويل الجغرافيا إلى مساحة غير صالحة للعيش هو قرار فعلي ببدء الانهيار الدامي الذي يتحمل مسؤوليته من صمم الحصار ومنع الهواء.

إن الطاغية لا يحاكم القصد بل يحاكم التجرؤ؛ فالمستهدف هو فعل الاستنهاض الذي يخدش جدار الهيبة الزائفة.

لا يمكن إدانة اللحظة الانفجارية وحدها دون البحث في 'هندسة الضغط' التي سبقتها لسنوات طويلة من التنكيل. المجتمعات تخضع لقوانين فيزيائية، حيث ينهار أي جسم صلب تحت ضغط يتجاوز حدوده، وتحميل الضحية مسؤولية الدماء هو قلب صريح للمنطق القانوني والأخلاقي.

يعتمد الطغاة في العصر الحديث على 'ملأ دولي' يمنحهم الحصانة اللازمة لمواصلة جرائمهم وتعطيل آليات المحاسبة الدولية. هؤلاء يمثلون 'سحرة العصر' الذين يصيغون وعياً عالمياً يرى في صرخة المظلوم خروجاً عن النظام، بينما يشرعن سكين الجلاد كأداة للعدالة.

تمارس القوى الكبرى 'هندسة صمت' تهدف إلى ترحيل أوجاع الضحايا إلى فراغ زمني لا ينتهي من المساءلة المؤجلة. هذا الصمت الدولي يساهم في منح المعتدي المهلة والوقت لإنهاء جرائمه، مع محاولة تصوير الضحية كطرف مسؤول عن غياب الاستقرار.

في ميزان العدالة، يبقى ظلم المتسلط 'ظلمات لا تنقشع' إلا برد المظالم وقبول المظلوم وعفوه، وهو ما يفسر ذعر القوي من ضحيته. يدرك الظالم في أعماقه أنه لا يملك مفاتيح براءته، وأن شرعيته الأخلاقية مرهونة بأولئك الذين حاول استعبادهم وسلب حقوقهم.

حاولت القوى الاستعمارية دوماً محاصرة حركات التحرر بذنب 'التجرؤ' لتجريدها من أهليتها الأخلاقية كمطالبة بالإصلاح. لكن الرد يأتي دائماً بأن كل ثمن يدفعه المستضعفون هو استحقاق للكرامة ووراثة الأرض، وهو ما تحققه لحظات الانفجار الكبرى في وجه الظلم.

ما بعد 'الطوفان' ليس مجرد لحظة انتصار عسكري، بل هو اختبار أخلاقي وسيادي يهدف لمنع إعادة إنتاج القيد مرة أخرى. العدالة الحقيقية هي التي تفكك بنية القهر من جذورها، وتنقل السيادة الكاملة لأصحاب الحق، وإلا فإن الانفجار القادم سيكون حتمياً.

ختاماً، فإن صولة الطوفان تمثل انفجاراً في وجه الصمت العالمي والهندسة الظالمة التي حاولت تغييب القضية الفلسطينية. الثبات والمواجهة يظلان المفتاح الوحيد لاستعادة الحقوق، وكشف زيف الروايات التي يكتبها المنتحلون للسيادة على حساب دماء الشعوب.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا