آخر الأخبار

الموقف الروسي من الحرب على إيران وتدخل حلف الناتو

شارك

صعدت القيادة الروسية من لهجتها التحذيرية تجاه التطورات العسكرية المتسارعة في الشرق الأوسط، حيث انتقد رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد الروسي غريغوري كاراسين تصريحات الأمين العام لحلف الناتو مارك روته. واعتبر كاراسين أن التلويح بتفعيل بند الدفاع الجماعي ضد إيران يمثل حالة من 'النفاق الصارخ'، في ظل العدوان المستمر الذي تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة.

من جانبه، حذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من الانزلاق نحو مواجهة شاملة، مؤكداً أن انجرار حلف الناتو إلى الحرب الدائرة سيؤدي إلى عواقب وخيمة لا يمكن التنبؤ بها على مستويي الاستقرار السياسي والاقتصاد العالمي. وأشار لافروف إلى أن الأزمة الحالية تتجاوز الحدود الإقليمية لتشكل تهديداً مباشراً لمنظومة الأمن الدولي برمتها.

وفي سياق التحركات الميدانية، نفى المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف الأنباء التي تحدثت عن طلب طهران مساعدات عسكرية عاجلة أو صفقات تسلح جديدة من موسكو. ويأتي هذا النفي في وقت تداولت فيه تقارير صحفية دولية معلومات حول صفقة دفاع جوي بقيمة 500 مليون دولار، مما يعكس حساسية الموقف الروسي في موازنة علاقاته الاستراتيجية.

أمين عام مجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو وصف العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد الأراضي الإيرانية بأنها حرب 'غير مسبوقة ولا مبرر لها'. وأوضح شويغو أن هذه التحركات تهدف إلى فرض واقع جيوسياسي جديد بالقوة، محذراً من أن الاستمرار في هذا النهج سيقود المنطقة إلى كارثة محققة تتجاوز قدرة الأطراف على الاحتواء.

وتشير القراءات السياسية في موسكو إلى أن القلق الروسي ينبع من احتمال تحول الصراع إلى حرب يقودها الناتو بتقدم أوروبي واضح، بهدف ردع روسيا عن دعم حلفائها. وترى الدوائر الروسية أن هناك محاولة جادة لمحاصرة الاتحاد الروسي عبر إيران وسواحل بحر قزوين وصولاً إلى جبال آسيا الوسطى، ضمن استراتيجية تهدف لتضييق الخناق على موسكو وبكين معاً.

المشاركة الأوروبية الفعلية بدأت تتبلور من خلال إرسال قطع بحرية فرنسية وألمانية وهولندية وإسبانية إلى منطقة شرق المتوسط، لدعم العمليات الجارية. كما فتحت فرنسا وبريطانيا قواعدهما ومنشآتهما العسكرية أمام القوات الأمريكية والإسرائيلية، مما يعزز فرضية اتساع نطاق المواجهة لتشمل أطرافاً دولية متعددة بشكل مباشر.

الأهداف الاستراتيجية لهذه الحرب، وفقاً للمنظور الروسي، لا تقتصر على تدمير القدرات النووية والصاروخية الإيرانية أو تغيير النظام السياسي فحسب، بل تمتد لإعادة هندسة المنظومة الدولية. وتسعى واشنطن من خلال هذا التصعيد إلى إضعاف القوى الصاعدة ومحاصرة نفوذ الصين وروسيا في الممرات المائية الحيوية والمناطق الغنية بالموارد الكربونية.

الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران تشكل حرباً غير مسبوقة ولا مبرر لها، وبالغة الخطورة على الاستقرار العالمي.

جغرافياً، تمددت رقعة الصراع لتشمل مساحات شاسعة تصل إلى 9000 كيلومتر، بدءاً من أعالي المحيط الهندي قرب سريلانكا وصولاً إلى مضيق جبل طارق. هذه المنطقة الحيوية تتقاطع فيها خطوط التجارة العالمية مع صراعات النفوذ على الثروات المعدنية، مما يجعل أي اضطراب فيها بمثابة هزة عنيفة للاقتصاد العالمي الذي يعاني أصلاً من تبعات الأزمات السابقة.

وتخشى موسكو من نجاح الاستفزازات العسكرية والاستخباراتية في جر دول عربية إلى الصراع بشكل علني، مما يمنح الحرب 'مشروعية إقليمية' زائفة. وحذر لافروف من أن أحد الأهداف الخفية للتصعيد هو ضرب مسار التطبيع الإيجابي الذي شهده الإقليم مؤخراً بين إيران وجيرانها العرب، وزيادة ارتهان هذه الدول للأجندة الأمنية الأمريكية.

نائب رئيس مجلس الأمن الروسي ديمتري مدفيديف شن هجوماً لاذعاً على قيادة الناتو، واصفاً المناقشات حول استخدام المادة الخامسة لمساعدة واشنطن بأنها انحدار سياسي خطير. وترى موسكو أن إقحام الناتو هو رسالة ردع غير مباشرة لها، تزامنت مع تحركات أوكرانية لحشد دعم إقليمي ضد المصالح الروسية والإيرانية المشتركة في المنطقة.

ميدانياً، استطاعت إيران احتواء الصدمة الأولى للعدوان الذي بدأ في أواخر فبراير الماضي، رغم تأكيد استشهاد المرشد الأعلى علي خامنئي في الغارات الأولى. وجاء الرد الإيراني سريعاً باستهداف قاعدة العديد وقواعد أمريكية أخرى في الخليج العربي، مما أربك الحسابات الأمريكية والإسرائيلية التي كانت تراهن على انهيار سريع للنظام.

التداعيات الاقتصادية بدأت تظهر بوضوح مع ارتفاع أسعار النفط والغاز بنسبة 25%، نتيجة التهديدات المباشرة لحركة الملاحة في مضيق هرمز. وفي المقابل، يواجه الاحتلال الإسرائيلي نزيفاً اقتصادياً حاداً يقدر بنحو 9.4 مليارات شيكل أسبوعياً، بينما تتكبد الميزانية الأمريكية مليار دولار يومياً لاستمرار عملياتها العسكرية المكثفة.

دخول أطراف مثل تركيا وباكستان على خط الأزمة، سواء عبر الترقب أو التحشيد المتبادل، يضع إقليم كردستان وبلوشستان في قلب العاصفة الجيوسياسية. هذا التمدد للصراع ينذر بتحول المواجهة من حرب استنزاف ثنائية بين واشنطن وطهران إلى صدام إقليمي ودولي شامل تتقاطع فيه مصالح القوى العظمى بشكل صدامي مباشر.

في الختام، يقف العالم اليوم على حبل مشدود بين التصعيد العسكري والبحث عن مخارج دبلوماسية باتت تضيق يوماً بعد يوم. وإذا لم تفضِ الجهود الدولية إلى معادلة لوقف إطلاق النار، فإن المنطقة تتجه نحو فوضى عارمة ستكون فيها روسيا والصين وأوروبا في قلب مواجهة استنزاف طويلة الأمد ستغير وجه النظام الدولي المعاصر.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا