أطلق حاكم ولاية كاليفورنيا الأمريكية، غافين نيوسوم، انتقادات لاذعة وغير مسبوقة تجاه سياسات الاحتلال الإسرائيلي، واصفاً الكيان بأنه بات يمثل 'نوعاً من دول الفصل العنصري'. وأكد نيوسوم في تصريحات صحفية أن الوقت قد حان لكي تعيد الإدارة الأمريكية النظر في حجم وطبيعة المساعدات العسكرية التي تتدفق إلى تل أبيب دون قيود واضحة.
وجاءت هذه المواقف خلال مقابلة مطولة أجراها نيوسوم مع برنامج 'بود سيف أمريكا'، حيث شدد على أن استمرار النهج الحالي للقيادة الإسرائيلية يضع واشنطن في موقف أخلاقي وسياسي معقد. وأشار إلى أن الحديث عن مراجعة المساعدات الأمنية بات أمراً ضرورياً رغم كونه 'مؤلماً' من الناحية السياسية التقليدية في الولايات المتحدة.
وذكرت مصادر صحفية عبرية أن تصريحات نيوسوم تمثل تحولاً جوهرياً في خطاب النخبة السياسية الأمريكية، خاصة وأنه يُنظر إليه كأحد أبرز المنافسين المحتملين على ترشيح الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2028. واعتبرت الأوساط الإسرائيلية أن هذه اللهجة تعكس فجوة متزايدة بين الجيل الجديد من القادة الديمقراطيين وحكومة اليمين المتطرف.
وربط حاكم كاليفورنيا في حديثه بين التطورات الميدانية والسياسية داخل إسرائيل وبين القرارات التي اتخذها الرئيس دونالد ترامب بشأن التصعيد العسكري. وأوضح أن المصالح السياسية الشخصية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كانت المحرك الأساسي للعديد من القرارات الاستراتيجية التي أدت إلى تفاقم الأوضاع في المنطقة.
كما لفت نيوسوم إلى أن تأثير نتنياهو على صانع القرار في البيت الأبيض خلال فترة ترامب كان واضحاً للغاية، مما ساهم في دفع المنطقة نحو مسارات تصادمية. وحذر من أن نتنياهو يواجه ضغوطاً داخلية هائلة من قوى متشددة في ائتلافه تسعى بشكل علني لفرض السيادة الإسرائيلية وضم الضفة الغربية المحتلة.
واستند المسؤول الأمريكي في وصفه لإسرائيل بـ'نظام الفصل العنصري' إلى تقارير لمحللين وكتاب بارزين، مشيراً إلى أن هذا التوصيف لم يعد مقتصرًا على المنظمات الحقوقية بل امتد ليشمل أقلاماً صحفية معروفة مثل توماس فريدمان. وأكد أن الواقع المعاش على الأرض يفرض هذا النوع من التوصيفات القاسية التي تعكس حجم الانتهاكات.
وفي سياق تقييمه للوضع العسكري، شكك نيوسوم في قدرة جيش الاحتلال على تحقيق أهدافه المعلنة، مشيراً إلى غياب أي نصر عسكري واضح في قطاع غزة بعد مرور فترة طويلة من القتال. وتساءل عن الجدوى من استمرار الصراع في ظل عدم قدرة إسرائيل على حسم ملف حركة حماس بشكل نهائي رغم كثافة النيران.
وانتقد نيوسوم التوجهات الإسرائيلية نحو توسيع دائرة الصراع لتشمل إيران تحت ذريعة 'تغيير النظام'، معتبراً أن هذه الطموحات تفتقر إلى واقعية سياسية أو عسكرية. وأوضح أن الفشل في إنهاء العمليات في غزة يضع علامات استفهام كبرى حول القدرات الاستراتيجية للقيادة العسكرية والسياسية الحالية في تل أبيب.
وأشارت تقارير متابعة إلى أن نيوسوم، الذي كان يتبنى مواقف حذرة ومتوازنة تجاه إسرائيل في السابق، بدأ مؤخراً في تشديد لهجته بشكل ملحوظ. ويعزو مراقبون هذا التغيير إلى الضغوط الشعبية داخل القاعدة الانتخابية للحزب الديمقراطي التي باتت أكثر انتقاداً لجرائم الاحتلال في الأراضي الفلسطينية.
ولم يكتفِ الحاكم بانتقاد الحكومة الإسرائيلية فحسب، بل امتدت انتقاداته لتشمل نفوذ المنظمات واللوبيات المؤيدة لإسرائيل داخل مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة. واعتبر أن هذا النفوذ قد يعيق أحياناً اتخاذ قرارات تخدم المصالح القومية الأمريكية العليا وتنسجم مع قيم حقوق الإنسان التي تنادي بها واشنطن.
وتطرق نيوسوم إلى الوضع الإنساني الكارثي في الأراضي المحتلة، معتبراً أن استمرار السياسات الحالية سيؤدي إلى عزلة دولية تامة لإسرائيل. وأكد أن الأجيال الشابة في أمريكا لم تعد تتقبل الرواية التقليدية التي تبرر كافة الانتهاكات الإسرائيلية تحت مسمى الدفاع عن النفس، وهو ما يغير قواعد اللعبة السياسية.
ويرى محللون أن تصريحات نيوسوم هي بمثابة 'بالون اختبار' لقياس مدى تقبل الجمهور الأمريكي لخطاب أكثر صرامة تجاه إسرائيل قبل الدخول في المعترك الرئاسي. وتعكس هذه التصريحات قناعة متزايدة بأن التحالف الاستراتيجي بين البلدين يجب أن يخضع لشروط تتعلق بالالتزام بالقانون الدولي وحقوق الفلسطينيين.
وفي ختام حديثه، دعا نيوسوم إلى ضرورة وجود رؤية سياسية شاملة تنهي دوامة العنف، بدلاً من الاعتماد الكلي على الحلول العسكرية التي أثبتت فشلها. وشدد على أن الولايات المتحدة يجب أن تستخدم نفوذها ومساعداتها كأدوات ضغط حقيقية لفرض مسار سياسي يؤدي إلى إنهاء الاحتلال ووقف ممارسات الفصل العنصري.
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية الإسرائيلية توترات مكتومة بسبب ملفات الاستيطان والعدوان المستمر على غزة. وتضع تصريحات حاكم كاليفورنيا ضغوطاً إضافية على الإدارة الحالية والمستقبلية لتحديد موقف واضح من التجاوزات الإسرائيلية التي باتت توصف علناً بالعنصرية في أروقة السياسة الأمريكية.
المصدر:
القدس