تتجسد مأساة الحرب في قطاع غزة في تفاصيل أجساد ذابت بفعل النيران، حيث لا تزال آثار الحروق العميقة شاهدة على استهداف خيام النازحين ومنازل المدنيين. ومن بين آلاف الحالات، تبرز قصة الصحفي أحمد منصور الذي التهمت النيران جسده إثر استهداف صاروخي لخيمة الصحفيين في خان يونس، لتكون صورته مجرد لمحة من واقع مؤلم يعيشه الجرحى بعيداً عن الأضواء.
في شمال القطاع، تعيش الطفلة ريتال حلاوة ذات الخمس سنوات معاناة قاسية داخل خيمة نزوح، حيث تغطي الحروق الجانب الأيسر من وجهها وصدرها. وقد أصيبت ريتال بقنبلة ألقتها طائرة مسيرة من طراز 'كواد كابتر' أثناء لهوها، مما أدى لاندلاع النيران في جسدها الصغير وتسبب بحروق من الدرجتين الثانية والثالثة.
تواجه عائلة الطفلة ريتال تحديات طبية معقدة، إذ توقفت جلسات العلاج تحت التخدير خشية تضرر خلايا دماغها، مما أدى لنشوء نسيج شمعي والتهابات حادة. وتؤكد والدتها أن العلاج المتاح حالياً يقتصر على المسكنات البسيطة، بينما تحتاج الطفلة بشكل عاجل للسفر للخارج لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ملامحها ووظائف جسدها.
وفي مراكز النزوح أيضاً، يروي الشاب كمال نصير تفاصيل إصابته التي وقعت في بلدة بيت حانون، حين استهدف القصف منزله بشكل مباشر مما أدى لاشتعال حريق هائل. حاول نصير إخماد النيران بيديه، لكنها التهمت ساقه مخلفة ندوباً غائرة ترفض الالتئام في ظل انعدام البيئة الصحية المناسبة والمستلزمات الطبية الأساسية.
يعاني نصير من غياب أبسط أنواع المراهم والشاش الطبي المعقم، وهو ما يفاقم من حالته الصحية يوماً بعد آخر في ظل ظروف النزوح القاسية. ورغم توصيات الأطباء بضرورة سفره لتلقي العلاج الترميمي، إلا أن إغلاق المعابر والقيود المفروضة يحول دون وصوله إلى المستشفيات المتخصصة خارج القطاع.
أما الطفلة رنين جندية، فقد تحولت حياتها إلى جحيم بعد إصابتها بحروق بالغة في الجزء السفلي من جسدها أثناء محاولتها الفرار من قصف استهدف منطقة المواصي. تسببت الإصابة في تصلب تدريجي في جلد قدميها، مما بات يهدد قدرتها على المشي بشكل طبيعي ويجعلها حبيسة الخيمة تعاني من آلام مستمرة لا تهدأ.
يوضح الدكتور محمود مهاني، رئيس قسم جراحات التجميل في مستشفى شهداء الأقصى أن المصابين يعانون من مضاعفات معقدة تشمل الندوب المتضخمة والمتليفة. هذه الحالات تتطلب تدخلات جراحية دقيقة واستخدام تقنيات متطورة مثل حقن الكورتيزون وشرائح السيليكون، وهي مواد يفتقر إليها القطاع بشكل حاد نتيجة الحصار المستمر.
ويشير مهاني إلى أن الخطورة تكمن في شد الندوب حول المفاصل الحيوية، مما قد يؤدي إلى إعاقات حركية دائمة وتشويه كامل للوظائف الطبيعية للأطراف. وتبذل الطواقم الطبية جهوداً مضنية لتقديم ما يتوفر من علاج، إلا أن غياب الأجهزة المتخصصة مثل أجهزة تمديد الأنسجة يحد من نجاح العمليات الجراحية الترميمية.
من جانبه، كشف الدكتور فهد المدهون من منظمة أطباء بلا حدود عن إحصائيات صادمة، حيث أن نحو 35% من جرحى الحرب أصيبوا بحروق متفاوتة الخطورة. وأكد أن معظم هذه الإصابات هي من الدرجة الثالثة، وهي أشد أنواع الحروق التي تتطلب برامج تأهيلية وجراحية مكثفة قد تستمر لأكثر من عام كامل.
وحذر المدهون من أن المنظومة الصحية تواجه أزمة إمدادات غير مسبوقة، حيث لم تدخل أي معدات طبية جديدة للمنظمة منذ مطلع العام الجاري. هذا الانقطاع يهدد بتوقف الخدمات الطبية النوعية المقدمة لمصابي الحروق، مما يعني ترك آلاف المرضى لمواجهة مصيرهم مع الألم والتشوهات الدائمة.
إن تأخير التدخل الجراحي لمصابي الحروق يؤدي إلى تفاقم الأنسجة المتليفة وتيبس المفاصل، وهو ما يترك آثاراً نفسية وجسدية طويلة الأمد على الضحايا. وتناشد المصادر الطبية المجتمع الدولي بضرورة الضغط لفتح المعابر وتسهيل دخول المستلزمات الطبية التخصصية والوفود الجراحية لإنقاذ المصابين.
تظل قصص ريتال ورنين وكمال مجرد نماذج لآلاف الحالات التي تعيش في خيام النزوح دون رعاية طبية كافية، حيث تفتقر المشافي لأدوات الجراحة الدقيقة. ويؤكد الأطباء أن استمرار الوضع الحالي سيحول هؤلاء المصابين إلى جيش من ذوي الإعاقة، نتيجة إصابات كان يمكن علاجها لو توفرت الإمكانيات اللازمة.
تتزايد المخاوف من انتشار العدوى البكتيرية بين المصابين نتيجة تلوث البيئة المحيطة في مخيمات النزوح ونقص المياه النظيفة والمطهرات. وتعتبر الحروق المفتوحة بيئة خصبة للميكروبات، مما يجعل حياة المصابين في خطر دائم يتجاوز مجرد التشوه الجلدي ليصل إلى خطر التسمم الدموي.
في نهاية المطاف، يبقى ملف مصابي الحروق في غزة جرحاً نازفاً يتطلب تحركاً دولياً عاجلاً لكسر الحصار الطبي وتوفير ممرات آمنة للجرحى. فكل يوم تأخير في العلاج يعني ضياع فرصة جديدة لاستعادة هؤلاء الأطفال والشباب لحياتهم الطبيعية، بعيداً عن آلام الندوب التي لا تندمل.
المصدر:
القدس