دخلت المنطقة منعطفاً تاريخياً خطيراً مع اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة التي يقودها التحالف الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران، والتي بدأت بسلسلة غارات جوية وصاروخية مكثفة صبيحة الثامن والعشرين من فبراير 2026. وتهدف هذه الحملة، وفقاً للتوجهات المعلنة، إلى تقويض النظام القائم في طهران وإعادة رسم الخرائط الجيوسياسية في الشرق الأوسط بما يخدم الرؤية الإسرائيلية التوسعية.
وعلى الرغم من الضربة القاسية التي تلقتها القيادة الإيرانية باستشهاد المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي والقائد محمد باكبور، إلا أن طهران سارعت إلى تفعيل خطط الطوارئ العسكرية. وأكدت مصادر مطلعة أن القيادة الجديدة، التي بات الحرس الثوري يمسك بزمامها، قررت المضي قدماً في استراتيجية 'الحرب المفتوحة' التي لا يحدد نهايتها المعتدي.
ميدانياً، أفادت مصادر بأن الرد الإيراني الأولي شمل إطلاق نحو 500 صاروخ و2000 طائرة مسيرة استهدفت مواقع استراتيجية، مما أحدث حالة من الإرباك في منظومات الدفاع الجوي. وتعتمد طهران حالياً مبدأ اللامركزية في اتخاذ القرار العسكري، حيث تم تفويض الصلاحيات للرتب المتوسطة لضمان استمرارية العمليات الدفاعية تحت أي ظرف.
اقتصادياً، كشفت تقارير وزارة المالية الإسرائيلية عن نزيف حاد في ميزانية الدولة، حيث وصلت الخسائر الأسبوعية إلى 9.4 مليارات شيكل (ما يعادل 2.9 مليار دولار). وتعود هذه الخسائر الفادحة إلى شلل النشاط الاقتصادي، وإغلاق المؤسسات التعليمية، واستدعاء واسع النطاق لقوات الاحتياط، مما دفع بالوزارة للمطالبة بخفض مستويات التأهب لتقليل الأضرار.
وفي الجانب الأمريكي، تشير تقديرات من داخل الكونغرس إلى أن كلفة العمليات العسكرية ضد إيران تتجاوز المليار دولار يومياً. وتشمل هذه التكاليف الباهظة العمليات الجوية والبحرية المعقدة، واستهلاك الذخائر الذكية، والدعم اللوجستي العابر للقارات، مما يضع إدارة ترامب أمام ضغوط داخلية متزايدة مع استمرار أمد الصراع.
وتشهد أسواق الطاقة العالمية حالة من الاضطراب الشديد، حيث قفزت أسعار النفط بنسبة 6% فور تعطل صادرات الطاقة من منطقة الخليج. هذا الارتفاع يهدد استقرار الاقتصاد العالمي، ويزيد من حدة المعارضة الدولية للحرب التي يراها كثيرون انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وتهديداً للسلم العالمي.
الاستراتيجية الإيرانية الحالية ترتكز على مبدأ 'الصمود والمطاولة'، مراهنة على عدم قدرة الجبهة الداخلية الإسرائيلية والأمريكية على تحمل حرب استنزاف طويلة. ويرى محللون أن التفوق التقني والعسكري قد يحقق مكاسب تدميرية أولية، لكنه يعجز عن حسم المعارك ضد قوى تعتمد العقيدة القتالية والتحمل الشعبي اللامحدود.
وعلى صعيد القيادة الإيرانية، برز اسم أحمد وحيدي كرئيس للحرس الثوري الإيراني، حيث يشارك بفعالية في كافة الاجتماعات السيادية لإدارة الأزمة. وتعمل القيادة الجديدة على إثبات أن غياب الرموز التاريخية لن يؤدي إلى انهيار النظام، بل قد يدفع نحو تلاحم عسكري أكثر شراسة في مواجهة التهديدات الوجودية.
وتشير القراءة السياسية للمشهد إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى لبناء تحالفات دولية جديدة تضم قوى إقليمية ودولية مثل الهند واليونان. ويهدف هذا التحالف إلى محاصرة النفوذ الإيراني وتأمين ممرات تجارية بديلة، إلا أن هذه المساعي تصطدم بواقع ميداني متفجر وتصعيد عسكري غير مسبوق.
التجربة التاريخية للحروب الأمريكية في فيتنام وأفغانستان تلوح في الأفق كتحذير من مغبة التورط في صراعات إقليمية كبرى لا يمكن التنبؤ بنهايتها. فالقدرة على تدمير البنية التحتية لا تعني بالضرورة القدرة على فرض إرادة سياسية، خاصة أمام شعب يمتلك إيماناً عميقاً بحقه في السيادة والكرامة الوطنية.
إن الحرب الحالية لا تُدار فقط بالصواريخ والطائرات، بل بصراع الإرادات والقدرة على تحمل الخسائر البشرية والمادية. ومع دخول الحرب أسبوعها الثاني، يبدو أن الرهان الإيراني على 'النفس الطويل' بدأ يضع الجبهة المقابلة أمام استحقاقات اقتصادية وسياسية صعبة لم تكن في الحسبان عند انطلاق الرصاصة الأولى.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تتزايد التحذيرات من انزلاق المنطقة نحو فوضى شاملة قد لا تقتصر آثارها على الدول المتحاربة فقط. فالثورة المتشكلة عالمياً ضد سياسات القوة واستهتار الإدارة الأمريكية بالعدالة الدولية قد تخلق ضغوطاً ديبلوماسية توازي في تأثيرها الضغط العسكري الميداني.
ختاماً، تبقى الأيام القادمة كفيلة بتحديد مسار هذا الصراع الوجودي، فإما أن ينجح التحالف في تحقيق أهدافه بتغيير النظام، أو أن تغرق القوى المهاجمة في رمال إيران المتحركة. وبين هذا وذاك، يبقى الثابت الوحيد هو أن خارطة الشرق الأوسط التي أراد نتنياهو تغييرها، باتت اليوم ساحة لأكبر مواجهة عسكرية في القرن الحادي والعشرين.
المصدر:
القدس