آخر الأخبار

جنوب لبنان: يوميات تحت القصف وخطط الطوارئ في القرى الحدودية

شارك

تستمر الحياة في قرى جنوب لبنان تحت وطأة أصوات الطائرات الحربية والمسيرة التي لا تغادر السماء، حيث باتت هذه الأصوات جزءاً من تفاصيل الصباح الاعتيادية. تجتمع النسوة حول فناجين القهوة، يراقبن بمرارة مسارات 'الزنانة' ويخمنّ وجهة الغارة القادمة، في محاولة بائسة لتحويل الرعب إلى حدث يومي يمكن التعايش معه.

ومع انفجار الأوضاع مجدداً فجر الإثنين 3 مارس 2026، تلاشت هوامش الهدوء الهشة التي سادت خلال فترة اتفاق وقف الأعمال العدائية. عاد الدخان ليتصاعد من الوديان المحيطة بالمخيمات والقرى، ليعيد إلى الأذهان مشاهد النزوح والدمار التي لم تغادر ذاكرة الجنوبيين منذ عقود.

في جلسات العائلة، لم يعد النقاش يقتصر على شؤون الحياة البسيطة، بل باتت أخبار 'مجموعات الواتساب' التي تتبع الضربات لحظة بلحظة هي الموجه الأول للتحركات. بمجرد اهتزاز الجدران بفعل غارة قريبة، تتوجه العائلات بشكل منظم نحو الأسطح لمسح الأفق وتحديد مكان القصف، في مشهد يتكرر منذ أكثر من سنتين.

الأطفال في الجنوب يحملون عبء هذا القلق المزمن، حيث يعبر الصغار عن خوفهم من النوم أو العودة للمنازل خشية اندلاع حرب شاملة سمعوا الكبار يتحدثون عنها. هذا الخوف لا يقتصر على الصغار، بل يتسلل إلى الآباء الذين يخشون على أبنائهم من آثار الصدمات النفسية الناتجة عن الانفجارات المتتالية.

يدفع القلق المستمر ببعض الأهالي إلى اتخاذ إجراءات احترازية مكلفة، مثل استئجار شقق في مناطق بعيدة وتركها فارغة لتكون ملاذاً في 'لحظة الصفر'. آخرون يحاولون تأمين مدخرات بسيطة أو استخراج تأشيرات سفر، بينما يجد الكثيرون أنفسهم بلا رفاهية التخطيط، يواجهون القدر بصدور عارية وإمكانيات معدومة.

يروي المهندس حسن الصباغ، المقيم في دير الزهراني، كيف تداخلت حياته الشخصية مع الحرب، حيث عرف بخبر حمل زوجته الأول قبل أيام من تفجيرات 'البيجر'. يصف حسن شعوره بالعجز التام وهو يرى زوجته تضطر للنوم على الأرض في أشهر حملها الأولى، بينما يراوده حلم الهجرة كحل وحيد للنجاة بعائلته.

المشهد البصري في قرى شمال الليطاني يعكس حجم التضحيات، حيث تغطي صور الشهداء واجهات المنازل وتنتشر الأعلام الحزبية والرايات السوداء في كل زاوية. تحولت البيوت التي كانت تنبض بالحياة إلى معالم تذكارية للأبناء الذين ارتقوا، بينما تتدلى الفولارات الصفراء وصور القادة داخل الغرف المتبقية.

هذه 'العاديّة' قد تكون الخيار شبه الوحيد في ظلّ حرب مستمرّة، حيث يتوقع الجنوبيون الضربة في أي وقت، بإنذار أو بدونه.

النازحون من القرى الأمامية مثل ميس الجبل يعيشون حالة من 'الانتظار المعلق' في مراكز النزوح بالنبطية وغيرها، محاولين التأقلم مع واقع يمنعهم من العودة. تروي 'أم عباس' بحسرة كيف فقدت منزلها الجديد في ميس الجبل وشقتها في ضاحية بيروت، لتجد نفسها تعيش على ذكريات ما قبل السابع من أكتوبر.

تؤكد أم عباس أن العودة إلى القرى الحدودية باتت محفوفة بالكوابيس، حيث تستيقظ ليلاً على أصوات غارات وهمية تسكن مخيلتها. ورغم تعلقها الشديد بأرض الجنوب، إلا أن انعدام الأمان يدفعها للتفكير في اللحاق بأبنائها المغتربين، هرباً من واقع لم يعد يمنحها سوى القلق والدمار.

يترافق هذا التوتر مع غضب شعبي عارم تجاه الدولة اللبنانية التي يصفها الأهالي بأنها تخلت عنهم تماماً في مواجهة آلة الحرب. يشعر الجنوبيون بأنهم متروكون لمصيرهم، حيث تقتصر المساندة على المبادرات المحلية والبلديات التي تعاني أصلاً من ضعف الإمكانيات المادية واللوجستية.

من جانبه، أوضح رئيس بلدية جبشيت، حسين فحص أن البلديات تحاول تسيير الأمور بالحد الأدنى، مثل إزالة الردم واستصلاح الأراضي الزراعية المتضررة. وأشار إلى أن البلدية وضعت خطط طوارئ تشمل مسحاً شاملاً للعائلات التي قد تعجز عن النزوح، وتأمين بدائل للمياه والكهرباء والطبابة.

القطاع الزراعي في الجنوب تعرض لضربات قاسية، حيث استهدف الاحتلال المشاتل والمزارع التي تشكل مصدر الدخل الأساسي لآلاف العائلات. ورغم قيام جمعيات بيئية بفحص التربة للتأكد من سلامتها من المواد الكيميائية، إلا أن الأرض لا تزال بحاجة لجهود كبرى لتعود إلى نشاطها المعهود.

في 21 يناير، عاشت بلدات الخرايب وأنصار وجرجوع وقناريت والكفور لحظات عصيبة بعد صدور إنذارات إسرائيلية جماعية بالإخلاء. خرجت مئات العائلات على عجل، تاركة خلفها حيوات كاملة، لتشاهد لاحقاً عبر شاشات التلفزة لحظات تدمير منازلها وتحويلها إلى ركام في غضون ثوانٍ.

تظل الأسئلة الوجودية تطرق أبواب الجنوبيين مع كل غارة: هل هذه هي البداية؟ ومتى تنتهي هذه الدوامة؟ وبينما يتبادلون التهليلات مع كل انفجار تعبيراً عن الصمود، يبقى الخوف من المجهول هو القاسم المشترك الذي يجمع بين سكان الخيام والبيوت 'نصف المعلقة' تحت ظلال الدخان.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا