آخر الأخبار

تراجع نفوذ أيباك وتحولات الموقف الأمريكي من إسرائيل

شارك

تشهد الساحة السياسية الأمريكية في الآونة الأخيرة تحولات عميقة ومفصلية في لهجة الخطاب تجاه إسرائيل، حيث تآكل الإجماع التقليدي الذي كان يجمع الحزبين الديمقراطي والجمهوري لعقود طويلة. هذا التغير لم يعد حبيس الأروقة الجامعية أو التيارات التقدمية الهامشية، بل اقتحم قلب المناظرات الانتخابية وصناديق الاقتراع في ولايات محورية.

في ولاية نيوجيرسي، برزت المرشحة الديمقراطية أناليليا ميخيا كنموذج لهذا التحول، بعد تحقيقها فوزاً لافتاً رغم كونها الأقل تمويلاً بين منافسيها. ميخيا لم تتردد في وصف العمليات العسكرية في قطاع غزة بأنها 'إبادة جماعية'، وهو موقف صريح مكنها من هزيمة مرشح مدعوم بشكل مباشر من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية 'أيباك'.

هذا الانتصار في نيوجيرسي بعث برسالة سياسية مدوية مفادها أن سطوة المال السياسي وجماعات الضغط لم تعد كافية لضمان الفوز الانتخابي. ويبدو أن المزاج الشعبي العام بدأ ينحاز نحو معايير أخلاقية وحقوقية تتجاوز الحسابات التقليدية التي فرضتها 'أيباك' على مدار سنوات طويلة في واشنطن.

أما في ولاية إلينوي، فقد شهدت مناظرات الحزب الديمقراطي تطوراً غير مسبوق، حيث أجمع المرشحون تقريباً على رفض أي تمويل من منظمة 'أيباك'. كما تضمن الإجماع رفضاً قاطعاً لإرسال المزيد من المساعدات العسكرية لإسرائيل، مما يعكس فجوة متزايدة بين القواعد الحزبية والسياسات الرسمية للإدارة الأمريكية.

الانتقادات الحادة التي وجهت لمرشحة وحيدة خرجت عن هذا الإجماع في إلينوي تؤكد أن الاعتراض على السياسات الإسرائيلية أصبح موقفاً مركزياً داخل الدوائر الحزبية. هذا التحول يشير إلى أن الناخب الأمريكي بات يربط بين صوته الانتخابي وبين الموقف الأخلاقي من الصراعات الدولية وحقوق الإنسان.

المفاجأة الأكبر جاءت من ولاية فلوريدا، حيث كسر المرشح الجمهوري المحافظ جيمس فيشبك 'التابو' التقليدي داخل الحزب الجمهوري الأكثر انحيازاً لإسرائيل. فيشبك وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي علانية بأنه 'مجرم حرب'، معتبراً أن ما يجري في غزة يمثل جريمة إبادة مكتملة الأركان، وهو خطاب لم يكن متصوراً صدوره من يمين الوسط سابقاً.

وصول هذا النوع من الخطاب إلى الدوائر الجمهورية المحافظة يعد مؤشراً خطيراً على أن التحول في الرأي العام لا يقتصر على اليسار التقدمي وحده. ويبدو أن الجرائم الموثقة في غزة بدأت تهز القناعات الراسخة حتى لدى الفئات التي كانت تعتبر الدعم المطلق لإسرائيل جزءاً من هويتها السياسية.

المال السياسي لم يعد يضمن الفوز حين يتصادم مع مزاج شعبي آخذ في التغير تجاه القضية الفلسطينية.

في ماساتشوستس، اتخذ سيث مولتون خطوة عملية بإعلانه إعادة كافة التبرعات التي تلقاها من 'أيباك' ورفضه أي دعم مستقبلي منها في سباق مجلس الشيوخ. مولتون أوضح أن قراره نابع من عدم اتفاقه مع توجهات المنظمة الحالية ودعمها المطلق للحكومة الإسرائيلية المتطرفة، مفضلاً خسارة آلاف الدولارات على خسارة قاعدته الشعبية.

هذه الظاهرة تكررت في ولايات مثل ميشيغان، حيث أعلن مرشحون في الانتخابات التمهيدية صراحة رفضهم لأي تمويل مرتبط بمنظمات الضغط المؤيدة لإسرائيل. هذا التوجه يعكس قناعة لدى السياسيين الشباب بأن الارتباط بـ 'أيباك' قد أصبح عبئاً انتخابياً بدلاً من كونها ميزة توفر الحماية والتمويل.

استطلاعات الرأي الأخيرة التي أجرتها صحيفة نيويورك تايمز بالتعاون مع كلية سيينا، أكدت هذه التحولات الميدانية من خلال أرقام صادمة. أظهرت النتائج تراجعاً حاداً في مستويات الدعم لإسرائيل، خاصة بين 'جيل زد' الذي يتبنى رؤية نقدية تربط السياسة الخارجية بالعدالة العالمية.

الشباب الأمريكي اليوم ينظر إلى القضية الفلسطينية من منظور حقوقي بحت، بعيداً عن السرديات التاريخية التي شكلت وعي الأجيال السابقة. هذا الجيل الصاعد يرفض فكرة 'الدعم غير المشروط' ويطالب بمساءلة حقيقية عن كيفية استخدام الضرائب الأمريكية في تمويل عمليات عسكرية تقتل المدنيين.

تجد الإدارة الأمريكية نفسها اليوم أمام معادلة معقدة تضع التحالف الاستراتيجي التقليدي في مواجهة ضغوط داخلية متصاعدة. ورغم أن العلاقات المؤسسية والعسكرية بين واشنطن وتل أبيب لا تزال عميقة، إلا أن البيئة السياسية الحاضنة لهذه العلاقة بدأت تتغير بشكل لا يمكن تجاهله.

يطرح المراقبون سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كان الرئيس الحالي أو القادم سيكون آخر الرؤساء الداعمين لإسرائيل بلا تحفظ. الإجابة تكمن في قدرة المؤسسة الأمريكية على الموازنة بين مصالحها الاستراتيجية وبين التحولات القيمية الكبرى التي تقودها الأجيال الجديدة في صناديق الاقتراع.

إن التحولات الكبرى في السياسة الدولية لا تحدث بقرارات فجائية، بل هي نتاج تراكمات ومواقف شجاعة بدأت تظهر في ولايات أمريكية مختلفة. الإشارات القادمة من نيوجيرسي وفلوريدا وماساتشوستس تؤكد أننا بصدد مرحلة جديدة قد يعاد فيها تعريف مفهوم التحالف الأمريكي الإسرائيلي وفق معايير إنسانية أكثر صرامة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا