آخر الأخبار

13 ساعة في قلب النار.. هكذا يتحول البلاستيك إلى وقود في غزة

شارك

الحدث - مثنى النجار

في حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة رغم اتفاق وقف إطلاق النار؛ ولدت حالة من التحدي أدارها شبان صنعوا من المستحيل حلاً مؤقتًا ومن رحم المعاناة اليومية إبداعاً، ففي غزة ، حيث الحرب لم تترك بابًا إلا وطرقته، ولا موردًا إلا واستنزفته، اختار مجموعة من الشباب أن يواجهوا العجز والحصار بالابتكار، في ظل استمرار إغلاق معابر القطاع وانعدام الوقود.

بين براميل حديدية، وألسنة لهب لا تهدأ، وحرارة مرتفعة يعمل هؤلاء الشباب على ابتكار طريقة بدائية لإنتاج المحروقات ومنها بدائل للبنزين والسولار، وذلك عبر حرق مخلفات البلاستيك.

هذا العمل ليس مشروعًا صناعيًا، ولا تجربة مخبرية، بل قصة صمود تُكتب وسط الدخان، وتُدار بعقول شابة دفعتها الحرب إلى خيارات لم تكن يومًا ضمن أحلامها.

محمد إبراهيم شاب في مقتبل العمر، خريج من تخصص الدراسات الإسلامية، لم يكن يتخيّل أن يقوده طريقه المهني إلى الوقوف لساعات طويلة أمام براميل مشتعلة، يراقب تفاعل البلاستيك المنصهر، ويتابع مراحل إنتاج الوقود.

يقول إبراهيم في لقاء مع صحيفة الحدث، إن الظروف "دفعتنا لنُعيل أنفسنا ونوفّر مصدر دخل، لكن هذه المرة وسط النار ولم يكن أمامنا خيار آخر، ومع اشتداد الحرب، وتوقف عجلة العمل، وغياب مصادر الدخل، وجدنا أنفسنا أمام واقع قاسٍ إمّا الجلوس وانتظار المجهول، أو محاولة ابتكار وسيلة للعيش، مهما كانت صعبة".

وبحسب إبراهيم، فإن العملية تبدأ بجمع البلاستيك من الشوارع، ومخلفات المنازل، ومواد تالفة لم يعد لها أي استخدام لدى المواطنين، لا يُستخدم أي نوع عشوائي من البلاستيك، بل يخضع لعملية فحص أولية، تبدأ بنقعه في المياه للتأكد من صلاحيته للحرق والاستخلاص.

بعد ذلك، يتم فصل البلاستيك الصالح، وتجفيفه، وأحيانًا جرشه وتفتيته لتسهيل عملية الاحتراق، وضمان الاستفادة القصوى من مكوناته، حيث يوضع البلاستيك داخل برميل حديدي مُحكم الإغلاق، وتُشعل تحته النار بدرجات حرارة مرتفعة جدًا.

ويوضح أن عملية الحرق هذه ليست قصيرة ولا سهلة، بل تمتد لنحو 13 ساعة متواصلة بحسب نوع وكمية البلاستيك، وتتطلب مراقبة دقيقة، وحذرًا شديدًا ، وخلال هذه الساعات، يتحول البلاستيك تدريجيًا إلى مواد بترولية خام، تمر عبر أنابيب بدائية إلى برميل آخر مخصص لمرحلة التبريد والتكثيف.

ويتابع: بعد انتهاء المرحلة الأولى من الحرق، ينقسم الناتج إلى جزئين رئيسيين الجزء الأول يتمثل في إنتاج مادة تُستخدم كبنزين بديل، أما الثاني يتمثل بإنتاج مادة ثقيلة تُعرف محليًا بـ”الشحمة” وبعدها السولار.

وينوه محمد إبراهيم إلى أن العملية لا تتوقف هنا حيث يتم أخذ “الشحمة” وإعادتها مرة أخرى إلى البراميل، ولكن هذه المرة تحت درجة حرارة أقل من المرحلة الأولى، وفي عملية تكرير ثانية تستغرق عدة ساعات، ليتم استخراج السولار منها لافتاً إلى أن هذه الخطوة تتطلب خبرة متراكمة، وتجربة متكررة، لأن أي زيادة أو نقصان في الحرارة قد تُفسد الناتج بالكامل.

ويضيف محمد إبراهيم، بأن فريقه لا يمتلك معدات حديثة أو وسائل أمان كافية بل كل ما لديهم هو براميل حديدية قديمة وأنابيب معدنية وأدوات لحام بدائية ونار مشتعلة بالحطب أو الوقود المتوفر، ورغم هذه الإمكانيات المحدودة، يقول، إنه استطاع الوصول إلى نتائج تُلبّي حاجة حقيقية في السوق المحلي، خاصة في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء، واعتماد المواطنين على مولدات الكهرباء والدراجات النارية و"بوابير" الكاز المستخدمة في الطهي داخل أماكن النزوح بعد نفاد غاز الطهي بشكل كامل من الأسواق بفعل الحصار الإسرائيلي المطبق.

ويؤكد محمد إبراهيم، أن الوقود المنتج يُباع بأسعار أقل من السوق السوداء، وبما يتناسب مع القدرة الشرائية للمواطنين، الذين لم يعودوا يحتملون أعباء إضافية. ويقول: “زبائننا هم أصحاب مولدات الكهرباء، والمواطنون الذين يستخدمون "البوابير" يوميًا، خاصة داخل مناطق النزوح.

وفي ظل شح الوقود وارتفاع أسعاره، أصبح هذا المنتج رغم بدائيته شريان حياة لكثير من العائلات، ولا تقتصر الفائدة على فريق العمل فقط، بل تمتد إلى المواطنين أنفسهم، حيث يقوم الفريق بشراء البلاستيك بالكيلو، ما يوفّر دخلًا بسيطًا للأسر التي تجمع المخلفات.

ويشير محمد إبراهيم إلى أن السعر يشهد تذبذبًا ففي بعض الفترات وصل سعر الكيلو إلى 11 شيقلًا أما حاليًا يتم الشراء بسعر 7 شواقل للكيلو، وهذا المبلغ، رغم بساطته، يُساعد الكثير من العائلات في توفير احتياجات يومية أساسية.

أما هيثم أبو صلاح، فهو أحد عناصر الفريق هوو طالب جامعي، فبين محاضراته الجامعية وساعات العمل الشاقة، يحاول الموازنة بين مستقبله الأكاديمي وواقعه المعيشي. ويقول “أحيانًا نتغيب عن العمل بسبب الدراسة، لكنني أضطر للعمل بسبب الظروف الصعبة التي تعيشها الأسر في غزة".

مخاطر صحية كبيرة على العاملين فيه

ورغم "المنافع" المحدودة لهذا المشروع، إلا أن أصحابه لا يُنكرون المخاطر الكبيرة المصاحبة له من استنشاق الدخان والتعرض للحرارة العالية وإطلاق النار من قبل الاحتلال وتحليق الطيران اليومي، مؤكدين أنهم يواجهون واقعا تُغلَق فيه الأبواب واحدة تلو الأخرى في وجوههم ولا حلول أخرى.

وأكد فريق المشروع، أن مشروعهم يحمل مخاطر صحية كبيرة على صحة العاملية فيه، خاصة بسبب استنشاق الغازات السامة الناتجة عن عملية الحرق، بسبب التعرض المباشر لغاز ثاني أكسيد الكربون الناتج عن عملية حرق البلاستيك، بالإضافة إلى مخاطر الحروق الجسدية أثناء العمل.

ويقدر ما يتم إنتاجه من طن من البلاستيك بنحو 600 لتر فقط من المحروقات، حيث يستخدم الفلسطينيون في غزة، البنزين الصناعي، المستخرج من البلاستيك، كبديل اضطراري يمثل شريانا وحيدا في ظل الحصار وندرة الوقود، ما ساعد عددا من المواطنين على العودة إلى أعمالهم بشكل محدود.

ورغم خطورة الوقود الصناعي وما يسببه من أضرار ومشكلات، إلا أن المواطنين في غزة باتوا مضطرين لاستخدامه في ظل غياب البدائل. فلا غاز متوفر، ولا كهرباء مستقرة، ما يجعلهم أمام خيار وحيد.

جيل كامل أعاد تعريف المهن

في غزة، لم يعد السؤال كيف يمكن تطوير مشروع أو توسيعه، بل كيف يمكن الاستمرار ليومٍ آخر دون أن ينطفئ اللهب أو تنفد المواد الخام؛ فالمشهد هنا لا يُختصر ببرميلٍ مشتعل أو أنبوبٍ بدائي، بل بحكاية جيلٍ كامل أُجبر على إعادة تعريف العمل، والمهنة، وحتى معنى الأمان. هؤلاء الشبان لم يختاروا صناعة الوقود من البلاستيك بدافع الشغف أو الطموح الصناعي، بل بدافع الضرورة القاسية التي فرضتها الحرب والحصار، حيث تحوّل البقاء ذاته إلى مهمة يومية شاقة.

ورغم أن ما ينتجونه لا يرقى إلى معايير السلامة أو الجودة المعتمدة عالميًا، إلا أنه في السياق الغزي يمثل فجوةً تُسدّ في جدار العتمة؛ فكل لتر يُستخرج بعد 13 ساعة من النار، يعني ساعات إضافية من الحياة في خيمة نزوح، أو قدرة ربّ أسرة على التنقل لقضاء حاجة ضرورية، أو طهي وجبة بسيطة في ظل انعدام الغاز، وهكذا يتحول الوقود البدائي إلى مساحة أمل صغيرة وسط واقع خانق.

لكن في المقابل، يبقى الثمن باهظًا؛ فالمخاطر الصحية تتراكم بصمت، والعاملون يعيشون بين نارين: نار البراميل المشتعلة، ونار واقع أمني واقتصادي لا يوفر الحد الأدنى من الاستقرار، ومع ذلك، يستمرون، لأن البديل هو الفراغ الكامل.

وقصة تحويل البلاستيك إلى وقود في غزة ليست مجرد حكاية تقنية عن عملية حرق وتكثيف، بل شهادة على قدرة الإنسان على التكيّف حين تُغلق المنافذ كافة، إنها صورة مكثفة لاقتصاد الطوارئ الذي وُلد من رحم الحرب، حيث تتحول المخلفات إلى طاقة، والخطر إلى مورد، والضرورة إلى ابتكار مؤلم، عنوانه الأبرز: البحث عن الحياة، ولو في قلب النار.

ورغم كل ما سبق، تبقى هذه المبادرات حلولًا مؤقتة لا يمكن أن تشكّل بديلًا دائمًا عن حق الناس في الحصول على وقود عبر قنوات رسمية وطبيعية، وواقع آمن ومستقر؛ فاقتصاد الطوارئ، مهما أظهر من قدرة على التكيّف، يظل هشًّا وقابلًا للانهيار مع أي تصعيد جديد أو نقص في المواد الخام.

وبينما يواصل الشبان عملهم تحت ضغط الحاجة، يظل الأمل معقودًا على واقعٍ تُفتح فيه المعابر، وتعود فيه عجلة الاقتصاد إلى دورانها الطبيعي، ليغادر هؤلاء دائرة المخاطرة اليومية إلى مساحات عمل أكثر أمانًا واستقرارًا. وحتى يحين ذلك، سيبقى الدخان المتصاعد من البراميل شاهدًا على معادلة قاسية فرضتها الحرب: إما الابتكار تحت النار، أو العجز في العتمة.

الحدث المصدر: الحدث
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا